تعني كلمة "الإعجاز" الإتيان بما لا يستطيعه الغير لأنه يتجاوز مقدراته الطبيعية، مما يعدّ خرقا للعادة ولا قبل للعقل البشري به ولا قدرة له على محاكاته أو إبداع ما يشبهه.
بينما يعني "العلم" بمفهومه المعاصر science مغامرة البحث الدائم عن الحقيقة، وتطوير المعرفة في أفق لا نهاية له ولا حدود، مما يعني انعدام المستحيل في منظور العقل العلمي، فما اعتبر حقائق في القرن الثامن عشر أصبح أخطاءً في القرن التاسع عشر، وما اعتقد أنه يفسّر بعض الظواهر تفسيرا نهائيا في القرن التاسع عشر أصبح في القرن العشرين مجردَ معرفةَ نسبيةً تنتمي إلى تاريخ العلم، وتمثل محطةً في مسار تطور البحث العلمي.
فمحدودية العقل العلمي أساسُ عبقريته، ولأن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه فإن تطورَ المعرفة العلمية رهين بتصحيح المعارف، وإبداع الحلول الجديدة لأزمات العلم.
بينما ترمي خرافة "الإعجاز العلمي في القرآن" إلى ترسيخ العلم باعتباره عقيدة، في حين أن العلمَ معارف نسبية يحصلها العقل البشري عبر احترام قواعد منطقية وتجريبية في البحث والتحليل، وهي بدورها قواعد تتطور وتتغير بحسب السياقات المعرفية والمراحل التاريخية. كما أن قواعد ومناهج البحث والتحليل ليست ذات أفق ميتافيزيقي، أي أنّ غايتها ليست إثبات حقيقة دينية أو روحية، بل تفسير ما هو موجود بما هو موجود، سواء أكان هذا الموجود مرئيا بالعين المجردة (الظواهر المايكروسكوبية) أم بالآلات المتطورة (الظواهر الميكروسكوبية).
وفي مجال البحث العلمي التجريبي أو النظري في العلوم الدقيقة، لا مجال لإقحام الذاتيات الروحانية أو العاطفية، بينما يقوم بعض الإيديولوجيين في بلادنا بخلط كبيرٍ عندما يُقحمون معتقدهم الذاتي الخاص بهم، في مجال العلوم القائم على قواعدَ كونيةٍ صارمةٍ، لا تخضع في تطورها إلا لمنطق العلم الصارم أيضا وليس لأي منطق ديني خصوصي، فالحقيقةُ العلميةُ إن كانت تحقق إجماع العقول حولها في مرحلة ما، نظرا لاستحالة إنكارها من باب المعاكسة أو الخلاف الإيديولوجي، كما هو الشأن في السياسة أو قضايا المجتمع، فإن العواطف الدينية يختلف فيها الناس اختلافا كبيرا، إذ هي مجال للأهواء الذاتية والميول الشخصية، كالخلاف بين المؤمن وغير المؤمن، أو بين المنخرط في هذا المذهب والمنخرط في ذاك.
من جانب آخر، فإن المعرفة الدينية محتواة في إطار منطق خاص لا يجوز مطلقا بل ولا يمكن خلطه بمنطق مغاير تماما، فالمبدأ الديني "كن فيكون"، أي مبدأ الخلق من عدم، هو مبدأ يتناقض كليا مع المنطق العلمي القائل "لا شيء يوجد من لا شيء"، ذلك لأن العلوم ليست سوى دراسة ما هو موجود بما هو موجود كما أسلفنا، أما ما وراء ذلك فهو ليس من اختصاصها، بل هو متروك للجانب الوجداني وقوة الخيال والوازع الديني لدى الإنسان.
فالخلطُ الذي يقع فيه منظرو "الإعجاز العلمي في القرآن" هو أنهم حين يحاولون التعسف على الآيات القرآنية بإعطائها مدلولا علميا بشكل قسري (وكاريكاتوري أحيانا) لا يمكن أن يلاقي إجماع العلماء، بينما تلاقي المعارفُ العلميةُ المثبتة بالطرق التجريبيةِ والرياضية هذا الإجماع بغض النظر عن معتقدات العلماء وانتماءاتهم الدينيةِ أو العرقية أو جنسياتهم، التي يتركونها جميعها خارج المختبر الذي يجمعهم أثناءَ البحث.
ومن مساوئ هذا الخلط بين الدين والعلم من دون مسوغ منطقي مقبول أنه يضعُ الدين موضع تساؤل وشك، لأن تلك الحقيقة العلمية قد تنقلب غدا بشكل غير متوقع كما حدث في أمور كثيرة كانت تعتبر يقينيات علمية وأصبحت مجرد معارف مرحلية.
ومن جهة أخرى، فالقول إن نظرية علمية ما موجودة في كتاب ديني يقتضي أن تكون كل المعطيات الأخرى الموجودة في هذا الكتاب منسجمةً مع العلم، و الحال أن الأمر غير ذلك، مما يطرح السؤال كيف يكون القرآن علميا في نقطة وغير علمي في أخرى. فإما أن يكون القرآن كتاب علم، وفي هذه الحالة سيكون علينا ألا نجد فيه ما يناقض العلم، وإما أن يكون كتاب دين وفي هذه الحالة علينا الكف عن التعسف على نصوصه وترويج المزاعم الملفقة باسم العلم وباسم القرآن، لأن ذلك ليس هو ما تحتاج إليه مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط حاليا. والحل في هذه المسألة ما اقترحه ابن رشد قبل ثمانمائة عام وهو الفصل بين المجالين (مجال البرهان العقلي ومجال التصديق الديني)، وعدم الخلط بينهما منهجيا أو مفاهيميا لأن لكل منهما منطقه ومنهجه الخاص ومنطلقاته وأهدافه.
يتضح من هذا استحالة الخلط العشوائي والفوضوي بين معطيات العلم ومضامين الدين التي تتعلق بالقناعات الشخصية للأفراد وليس بالحقائق الموضوعية.
تدلّ الإحصائيات والأرقام المتعلقة بمجال البحث العلمي وميزانياته وبنياته على مقدار غربة العلوم في المجتمعات الإسلامية، حيث تحتل بلدان العالم الإسلامي مؤخرة الركب في مجال البحث العلمي الدقيق، ما يجعل خطاب "الإعجاز" المتداول مجرد محاولة للتعويض النفسي، بينما المطلوب توفير البنيات الأساسية للبحث العلمي الوطني، وإشاعة المعارف العلمية عبر قنوات التربية والتواصل المتاحة، من أجل بناء مجتمع المعرفة، والإسهام في رصيد الحضارة الإنسانية.