محمد صلاح.. ليس الأوّل!

آخر تحديث:

شاركنا:
جماهير مدينة طرابزون معروفة بأنها الأكثر تعصبا في تركيا (أ ف ب)

لم يكن انتقال نجم كرة القدم المصري محمد صلاح (34 عاما) إلى طرابزون سبور التركي، متوقعا.

لاعب ينشط في صفوف نادٍ كبير من قماشة ليفربول الإنجليزي المنافس على أعلى مستوى، محليا وأوروبيا، ماذا ذهب ليفعل في مدينة طرابزون الواقعة في شمال شرق تركيا، وتحديدا على الساحل الجنوبي للبحر الأسود؟

هي لحظة تاريخية عندما يقرر فيها نجم كبير تَصَدَّرَ المشهد لسنوات، الانتقال إلى مكان "لا ينتمي طبيعيا إليه"، تاركا خلفه أندية النخبة، وباحثا عن مجد خاص مع نادٍ أصغر جماهيريا، وأقل عراقةً وتتويجا.

كان "الفرعون الصغير" يبحث، ربما، عن "شغف جنوني" وبيئة تقدّس كرة القدم. جماهير مدينة طرابزون معروفة بأنها الأكثر تعصبا في تركيا. وبعد سنوات الضغط في إنجلترا، وجد صلاح بيئة جماهيرية تبث فيه شعور "الملك الأوحد" والبطل الشعبي. انتقاله إلى مدينة متعطشة للمجد يمنحه مكانة "المخلّص".

أراد، ربما، التحرر من "الاحتراق النفسي". فاللعب في مستويات التنافس الأعلى لسنوات، يضع اللاعب تحت ضغط مستمر. الانتقال إلى دوري أقل ضغطا يمثل "ملاذا آمنا" للهروب من ذاك الاحتراق، والعودة للاستمتاع بكرة القدم كـ"لعبة" وليس كوظيفة شاقة.

فوق ذلك، يصاب النجوم الكبار ممّن حققوا كل الألقاب الممكنة، أحيانا، بـ"الزهد الكروي". فالفوز باللقب القادم لن يضيف الكثير لتاريخهم، فيما تمثّل قيادة نادٍ أصغر إلى المنصات أو لكتابة تاريخ غير مسبوق، تحديا يحفّز الشغف مجددا لدى اللاعب، إذ يصبح للإنجاز طعم مختلف.

أغنى الأندية

ورغم أنّ طرابزون سبور لا ينتمي إلى فئة أغنى أندية أوروبا، إلا أنّ الصفقة تمت بدعم من رجال أعمال وجهات راعية كبرى. العقد يضمن لصلاح راتبا ضخما يصل إلى 17 مليون يورو في كلّ موسم من موسمَي العقد، فضلا عن 20% من عائدات مبيعات القمصان والمنتجات الرسمية التي تحمل اسمه، عدا حوافز مالية مرتبطة بالإنجازات.

وبالنسبة إلى طرابزون، جاء التعاقد في سياق رغبته بصناعة "مشروع تاريخي". لم يرتبط بصلاح كصفقة تدعيمية فحسب، بل بنى مشروعا حوله.

وفي هذه المرحلة من مسيرته، يبحث النجم عن سيطرة كاملة على بيئته. في الأندية الصغرى، يملك كلمة عليا تفوق كلمة المدرب أحيانا. يصبح مستشارا في الصفقات، وله حرية تحديد فترات راحته وضبط نمط حياته بما يتناسب مع سنّه، وهو ما لا تسمح به الأندية الكبرى.

بدا انتقال صلاح وكأنه خطوة إلى الوراء، لكن من قال بأنّ اللعب لطرابزون لا يشكل تحديا، خصوصا بمواجهة الأندية الكبرى في إسطنبول، غلطة سراي، بشكتاش وفنربغشه، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الحصول على اللاعب المصري قبل انهيار الصفقة لأسباب قيل إنها مادية؟

مارادونا سبّاق

صلاح ليس أول من يقوم بخطوة من هذا النوع، فقد سبقه إليها الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا عندما أسال الكثير من الحبر بانتقاله عام 1984، من برشلونة الإسباني إلى نابولي الإيطالي المغمور والذي كان يصارع الهبوط. صفقة تُعتبر الأقرب لـ"سيناريو صلاح".

اللافت أنّ مارادونا حوّل نابولي "الفقير في الجنوب"، إلى بطل لإيطاليا وكأس الاتحاد الأوروبي. ما زال جمهور الفريق يستذكره بكل فخر، كما جرى تسمية ملعب النادي باسمه تكريما له.

من جهته، اعتُبر الإيطالي روبرتو باجيو من أبرز نجوم عصره، إلا أنه قام بخطوات غريبة بين 1997 و2000.

فبعد مسيرة حافلة مع يوفنتوس وميلان، صدم "الذيل الذهبي" العالم، بتوقيعه لنادٍ متواضع مثل بولونيا، ثم أنهى مسيرته مع بريشيا الصاعد حديثا. باجيو أثبت بأنّ "السحر لا يموت"، بعدما قاد بريشيا بالذات لاختبار أفضل فترات تاريخه في الدوري.

وصُنِّف تحوّل الإنجليزي آلان شيرر من بلاكبيرن روفرز إلى نيوكاسل يونايتد عام 1996، بالمفاجأة الكبرى. فبعد فوزه بلقبَي الدوري وهداف "يورو 96"، رفض عرضَي مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد "المهيمن وقتها"، واختار نادي طفولته نيوكاسل حيث تحول رمزا أسطوريا للمدينة.

البرازيلي زيكو انتقل من فلامينغو العريق إلى أودينيزي الإيطالي المغمور عام 1983، عندما كان يُصنف أحد أفضل لاعبي العالم. "الجوهرة البيضاء" تنافَس مع نجم يوفنتوس، الفرنسي ميشال بلاتيني، على لقب هداف الدوري وجعل من ناديه خصما يهابه "الكبار".

مواطنه روبينيو صنع الحدث عندما انتقل من ريال مدريد الإسباني إلى مانشستر سيتي عام 2008، في اليوم نفسه الذي اشترت فيه "مجموعة أبوظبي" النادي الإنجليزي المتواضع حينها. قيل بأنّ روبينيو "خُطف" في الساعات الأخيرة من "الانتقالات الصيفية" بعدما كان قريبا جدا من تشلسي اللندني. اعتُبرت الصفقة بمثابة "حجر الأساس" لولادة القوة العظمى الجديدة لمانشستر سيتي.

الأعلى أجرًا

الكاميروني صامويل إيتو تحوّل من إنتر ميلان إلى أنجي ماخاتشكالا الروسي عام 2011، بعد تحقيقه "الثلاثية التاريخية" مع العملاق الإيطالي في 2010. صدم العالم بانتقاله إلى نادٍ مغمور يملكه ملياردير طموح. يومها، أصبح اللاعب الأعلى أجرا في العالم.

من جهته، صعق البرازيلي رونالدينيو الجميع بالانتقال من فلامينغو إلى كيريتارو المكسيكي المغمور عام 2014. اللافت أنه نجح في تحويل الدوري المكسيكي إلى محط أنظار العالم، بعدما قاد النادي الصغير إلى نهائي الدوري للمرة الأولى في تاريخه.

البرازيلي الآخر ريفالدو انتقل إلى أولمبياكوس اليوناني قادما من كروزيرو عام 2004، بعدما كان النجم الأول لبرشلونة الإسباني وميلان، وبطلا للعالم 2002. الدوري اليوناني لا يُصنّف بين الأقوى أوروبيا، بيد أنّ ريفالدو حقق نجاحا أسطوريا فيه، تمثل بفوزه مع ناديه بلقب الدوري 3 مرات متتالية.

الإنجليزي سول كامبل اتخذ قرار الرحيل عن بورتسموث للتوقيع مع نوتس كاونتي (درجة رابعة) عام 2009، لكنّ المدافع السابق لأرسنال، خاض مباراة واحدة فقط مع فريقه الجديد، ثم فسخ العقد بعدما اكتشف بأنّ وعود الإدارة بتبنّي مشروع استثماري ضخم كانت وهمية.

الإنجليزي بول غاسكوين، أحد أكثر اللاعبين موهبة وشهرة. كان ينشط مع لاتسيو ضمن الدوري الإيطالي، الأفضل في العالم، قبل أن يصدم الجميع وهو في قمة عطائه عام 1995 وفي سن الـ 28 سنة فقط، بانتقاله "غير المفهوم" إلى غلاسكو رينجرز الإسكتلندي.

جنون وهروب

كل هذه القصص، أتُعتبر من باب "جنون الشغف" أم هي "هروب من الضغط"؟

تثبت صفقة انتقال صلاح إلى تركيا، بأنّ كرة القدم لا تُدار دائما بالحسابات الباردة أو لغة الأرقام. النجم الكبير يبحث أحيانا عن الشغف وبيئة تعتبره "أيقونة تاريخية"، تماما كما فعل رونالدينيو في المكسيك، وباجيو مع بريشيا.

في متناول صلاح فرصة ذهبية لكتابة فصل مشرّف في مسيرته لا يعتمد فيه على عدد الألقاب التي يحقق، بل على حجم الشغف والجنون اللذين يغرسهما في قلب كل عاشق لنادي طرابزون، الساعي لتحقيق معجزة على يد "الملك المصري الجديد".