حول صلاة السياح اليهود في مراكش

آخر تحديث:

شاركنا:
أحمد عصيد: حدوث انزلاق مفاهيمي يجعل كل يهودي يُعامَل كامتداد لدولة إسرائيل

شهدت مدينة مراكش قبل أيام، صلاة مجموعة من السياح اليهود القادمين من أميركا أمام السور التاريخي لـ"باب دكالة" بالمدينة القديمة، ما أثار رد فعل عنيفًا من طرف التيارين الإسلامي والقومي، حيث اعتبر البعض تلك الصلاة "استفزازًا صهيونيًا" للمغاربة، كما وصفتها بعض الصحف بـ"الطقوس الغريبة"، بل شرع آخرون في الحديث عن "احتلال" يهودي.

مشهد أداء اليهود لصلاتهم

وفي المقابل، عبّر الكثير من أعضاء النخبة المغربية والمواطنين العاديين، عن استغرابهم من تلك الحملة المبالغ فيها، معتبرين ضرورة عدم الخلط بين عادات اليهود وطقوسهم التعبدية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقام البعض بالتذكير بأنّ أداء الصلاة في الفضاء العام، هي عادة يمارسها المسلمون أكثر من غيرهم سواء في بلدانهم أو في بلدان الغير.

فكيف نفسر هذا التحامل على مشهد أداء اليهود لصلاتهم أو أدعيتهم، وربطها بقضايا الصراع السياسي بالشرق الأوسط؟

إنّ أول عامل يساعدنا على تفسير هذا السلوك العدائي هو تسييس الدين وتوظيفه في حقل الصراع الرمزي، حيث تُختزل القضية الفلسطينية في صراع ديني مطلق، ما يؤدي إلى تحميل كل مظاهر الثقافة اليهودية (بما فيها التعبدية) دلالات سياسية، فيُنظر إلى صلاة يهودية في مراكش كـ"تطبيع" أو "استفزاز"، رغم أنها في الأصل ممارسة دينية داخل بلد يعترف تاريخيًا بتعدديته، حيث يعود تاريخ وجود اليهود بالمغرب إلى القرن الخامس قبل الميلاد.

ومن نتائج هذا الخلط، حدوث انزلاق مفاهيمي يجعل كل يهودي يُعامَل كامتداد لدولة إسرائيل. وهذا الخلط يحوّل موقفًا سياسيًا إلى عداء ثقافي - ديني، فيُنظر إلى أيّ حضور يهودي محلي كامتداد لصراع خارجي. كما يُغذي هذا الخلط ردود فعل حادة ضد أشخاص لا علاقة لهم بصنع القرار السياسي، بل إنّ ما حدث بمراكش أبان عن خطأ وقع فيه المتحاملون، حيث تنتمي جماعة اليهود الأميركيين الذين زاروا مراكش لجماعة دينية تؤمن بـ"الشتات"، وترفض فكرة الدولة العبرية أصلًا.

من جانب آخر، يبدو واضحًا أنّ أسلوب التعبئة الذي اعتمده التياران الإسلامي والقومي، يقوم على أيديولوجيا هوياتية صِدامية تُؤطّر الصراع بوصفه صدامًا حضاريًا شاملًا بين المسلمين وغيرهم، ما يجعل أيّ تعبير عن تعددية دينية، وخصوصًا في الفضاء العام، يُنظر إليه كتهديد للهوية أو "اختراقًا" ينبغي مواجهته.

ويفسر بالتالي كون بعض الأفراد يتبنّون رؤية دفاعية للهوية، يرون فيها أنّ الاعتراف بتعدد روافد المجتمع (ومنها الرافد العبري) يهدد نقاءً متخيّلًا، فينشأ رد فعل مبالغ فيه لحماية "النحن" الجماعية، التي يتم تصويرها كما لو أنها متجانسة بشكل مطلق.

ولأنّ الصراع سياسي في جوهره، فمن الطبيعي أن يعتمد منطق المزايدة من أجل إثبات شرعية نضالية، ما يفسر العنف اللفظي والسلوكي، ومنطق الإقصاء.

ضعف ثقافة التعدد واحترام الاختلاف

ولعلّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي واضح في ما حدث من حملات، حيث يسمح الانتشار السريع للخطاب التهويلي الذي يعتمد مقاطع مجتزأة أو مؤطرة بشكل منحاز، بهدف رفع منسوب الغضب، ما حوّل حدثًا عاديًا إلى قضية رمزية كبرى، وسرّع بالتالي الانفعال الجماعي، اعتمادًا على خطابات تعبئة تقوم على تقسيم العالم إلى معسكرين أخلاقيين، واحد يمثل الخير والآخر يمثل الشر، ما يسهِّل نزع الإنسانية عن الطرف الآخر وشيطنته، ورفع منسوب الانفعال وتخفيض القدرة على التمييز بين نقد سياسات معينة وبين رفض جماعة بشرية ذات دين خصوصي.

ويمكن من جانب آخر، اعتبار أنّ ضعف ثقافة التعدد واحترام الاختلاف وغيابها في التربية الأسرية والمدرسية، يؤدي إلى ترسيخ واضح للفصل بين حرية العبادة والمواقف السياسية، كما يقود إلى تحويل الصراع السياسي إلى رفض مبدئي لحق ديني بديهي. ما يسمح بانتشار روايات تبسيطية تفسّر ما حدث من خلال وجود "مؤامرة" خفية تغذّي الشك والعداء، وعندما تُقدَّم الثقافة اليهودية ضمن هذه السردية، تُفهم حتمًا كجزء من مشروع تآمري لا كمكوّن تاريخي محلي.

وإلى جانب ضعف ثقافة التعددية والحق في الاختلاف، يمكن التذكير بوجود محدودية كبيرة لدى الكثير من المغاربة في المعرفة بتاريخ المغرب، ما ولّد جهلًا كبيرًا بالدور التاريخي لليهود المغاربة تجاريًا وثقافيًا واجتماعيًا، ما أظهر حضورهم يبدو كظاهرة طارئة، بينما هو جزء أصيل من تاريخ المغرب لقرون طويلة.

غير أنّ ما حدث لا يجعلنا ننسى أمرين مهمّين، في ما يتعلق بالحضور اليهودي بالمغرب:

  • الأول أنّ في المجتمع المغربي نفسه تقاليد قوية للتعايش متوارثة منذ مئات السنين، وهو ما جعل الكثير من المواطنين يعتبرون أنّ الحق في الاحتجاج لا يبرر الاعتداء على حرية العبادة أو الإساءة إلى الغير.
  • الثاني أنّ حماية حق أيّ جماعة في ممارسة شعائرها الدينية، هو معيار أساسي لدولة القانون، وهو لا يتعارض مع دعم قضايا عادلة بوسائل سلمية وعقلانية.