انتهى المونديال. توّجت إسبانيا على حساب الأرجنتين.
هناك الكثير ليُقال. يبدو الأمر كذلك، لكنّ الأكيد أنّ "لا روخا" أجبرت الجميع على الوقوف مذهولين أمام هول ما اقترفته في الموقعة أمام ليونيل ميسي وزملائه، وبمساعدتهم.
"أنا إسبانيا"
لا تُلام الأرجنتين؟ هل حقا جعلتها إسبانيا تبدو وكأنها لم تحضر إلى "ميتلايف ستاديوم" في نيوجيرسي - نيويورك؟ بدا وكأنّ "رودري" وزملاءه خاضوا المباراة النهائية أمام "لا شيء يُذكر". كان هناك طرف وحيد يريد فعليا تلك الكأس الذهبية. الطرف الآخر حلّ "ضيف شرف"، جزءا من ديكور، لا أكثر ولا أقل. دليل على ذلك؟ 125 دقيقة تخللتها تسديدة واحدة من "بطل عالم". وأين؟ خارج الخشبات الـ3.
هل بحثت الأرجنتين عن هدف، فرصة هدف، بناء فرصة هدف؟
هل سعت إلى تطبيق فكرة، خطة معيّنة، وبالحد الأدنى جملة تكتيكية واحدة؟
هل حقا دخل لاعبوها "المستطيل الأخضر" لخوض مباراة نهائية، وإنْ أمام خصم يحرمك الكرة؟
قبل اللقاء الختامي، لعب الإسبان 7 مباريات. منحوا الجميع فكرة كاملة عن أنفسهم. نقاط قوة ونقاط ضعف إن وُجدت. أصبحوا كتابا مفتوحا لأيِّ خصم محتمل.
"هذا أسلوبي، هؤلاء اللاعبين أسلحتي، أنا إسبانيا". معطيات بكل هذا الوضوح، ألم تكن كافية لمنتخب عملاق كالأرجنتين للقيام بهجمة واحدة خطيرة تنتهي بكرة بين الخشبات، وليس بالضرورة في الشباك؟
قبل الفوز والتتويج والقيام بدورة شرف حول الملعب، ماذا جاءت الأرجنتين لتفعله أمام إسبانيا؟ حضرت بصفة متفرّجة أم ضيفة أم لملء مكان شاغر؟
لم تحاول حتى اختبار ذاتها أمام منتخب أفضل. لم تُظهر شخصية كانت عليها في المباريات الإقصائية السابقة أمام الرأس الأخضر ومصر وسويسرا وإنكلترا.
المدرب الأرجنتيني ليونيل سكالوني أدرك حجمه. يُحترم على ذلك. قرأ الخصم جيدا فاستسلم له قبل المواجهة.
"فريقهم أفضل من فريقي، انظروا إلى ما قام به أمام البرتغال وبلجيكا وخصوصا فرنسا. بناءً عليه، خطرت في بالي فكرة. لن ألعب. لا يهمني ملايين المتابعين. لا يهمني اسمي وتاريخي وسجلّي وهويتي. سأسعى، قدر المستطاع، لإضاعة الوقت من خلال القيام بـ "لا شيء" وصولا إلى ركلات الترجيح. عندها سأَلْتَهِمُ إسبانيا السيئة فيها، فقد خاضت الاختبار 5 مرات في كأس العالم لم تنجُ منه إلا مرة. أنا متسلح بحارس رائع فيها، ومن غيره؟ إيميليانو مارتينيز. ثم إنني توّجت في النسخة السابقة عبر ركلات الترجيح في النهائي أمام فرنسا، بعدما استعنت بها أيضا في ربع النهائي أمام هولندا. فلتكن الثالثة ثابتة. لا تنسوا بأنّ منتخبي سيد ركلات الترجيح في المونديال. خاض غمارها 7 مرات وفاز في 6 منها. سارت الخطة على أكمل وجه. أنهيتُ المباراة بوقتها الأصلي بتعادل سلبي رائع. انتصرتُ جزئيا رغم طرد إنزو فرنانديز. سحبتُ المباراة إلى شوطين إضافيين. مر الأول من دون تغيير في النتيجة. لكن في الدقيقة الأولى من الشوط الإضافي الثاني، سجل الإسبان هدف التقدم. ماذا عساي أن أفعل؟ ردة فعل رجالي تمثلت في تسديدة يتيمة علت العارضة. انتهت المباراة. لا أُلام. قمت بكل شيء في سبيل خطتي، لكنّ الفريق تعثر في الخطوات الأخيرة. لم أُفلح في بلوغ ركلات الترجيح. ميسي يبكي ضياع فرصة لعب تلك الركلات، وأنا، سكالوني، أجهشت بالبكاء لأنّ إسبانيا حرمتني خوضها".
هكذا بدا السيناريو.. أو هكذا دفعتنا الأرجنتين إلى الاعتقاد.
توّجت إسبانيا لأنها الأفضل في العالم، هذا مؤكد وقد أثبتته، لكنها هزمت الأرجنتين بهذا الشكل، لأنّ ميسي وزملاءه جاؤوا إلى ملعب المباراة غير آبهين بجماهيرهم الوفية، تاريخهم وصورتهم. حتى منتخب الرأس الأخضر تجرّأ أمام الإسبان. حاول أن يلعب، أن يسدد. احترم الملايين ممن تابعوه. مارس كرة القدم.
"صحيح أنّ إسبانيا لا تسمح لك باللعب. تحرمك الكرة. تفرض كتابها المفتوح عليك. تجعلك تظهر بأسوأ صورة. لكنك في نهائي كأس عالم، ألا يجدر بذلك أن يدفعك نحو بذل المستحيل؟ تود سرقة الكأس من تسديدة واحدة على المرمى مثلا؟ تود دخول التاريخ من الباب الضيق؟ لمَ لم تحاول أن تمسح عن نفسك صورة المنتخب الذي يحصل على دعم تحكيمي؟ اِخسر بشرف، لكنك لم تحاول شيئا، ولا حتى الخسارة بعد عناء، فانتهى بك الأمر "لا شيء". سراب منتخب كبير".
ميسي أسطورة؟
دموع ميسي؟ حاول كثيرون شرح سببها. تعددت الأسباب، لكنّ الأكيد أنّ الأرجنتين دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنّ أحدها هو الفشل في "سرقة هدف غير مستحق" في أحسن الأحوال أو الوصول إلى ركلات الترجيح، لكنّ الدقيقة 106 قتلت السّعي.
ليس هكذا تُخاض مباراة نهائية لكأس العالم. منتخب سيّئ، ميسي معزول، وحارس مرمى أنقذ "السفينة" من الغرق في مناسبات عدة قبل "العاصفة الهوجاء" التي قضت على كل شيء.
أما إسبانيا، فهي التي احترمت كرة القدم والجمهور، وقدمت لتلك الكأس أفضل ما لديها من هدايا الإبداع. لم تكتفِ بالفوز المستحق بنسبة 100 في المئة، بل جعلت الجميع يقف احتراما لفلسفتها السلسة بشكلها، الجبّارة بجوهرها.
إسبانيا هي البطلة بشجاعتها ومدرستها. بحثت عن الفوز من البداية. تأخر. لا مشكلة. ما زال في الوقت بقية. وفي هذه البقية، حُسم الأمر.
"قد يخسر فريقي أو فريقك. هذه كرة القدم. لكن يجب على من يخسر أن يعرف كيف يخسر. يقدم مباراة سيئة لأنه حاول ولم ينجح. لكن أن يأتي كي لا يلعب، وينتظر لمسة من ميسي قد تحصل وقد لا تحصل ليتوّج بكأس العالم، فهذا قمة الاستهزاء، حتى بالذات".
شكرا إسبانيا على إنقاذ العالم من "موت كرة القدم"، من تتويج أرجنتيني كان سيُدخل مفهوم السلبية كأداة جديدة لتحقيق الانتصارات. فقط تصوروا بطلا للعالم في 2026، لا يسدد ولو لمرة يتيمة بين الخشبات.
شكرا إسبانيا على الوفاء لروحية كرة القدم.
ميسي أسطورة؟ لا شك في ذلك. لن تغيّر هذه المباراة شيئا من نبوغه. لكنّ سقوطه ومنتخبه في النهائي، بهذا الشكل، أعاد إحياء الأمل برؤية كرة جميلة، نظيفة، ممتعة يهتف لها ميسي نفسه إن تابعها مشاهدا.
فازت إسبانيا بالنجمة الثانية، صحيح، ويا لها من سعادة لها ولعشاقها. لكنّ الأكثر سعادة، اليوم، هي تلك الكأس الذهبية التي فازت بإسبانيا.
