لم يكن صباح 28 فبراير 2026 عاديًا لسكان طهران والخليج والشرق الأوسط، وربما للعالم أجمع. في هذا الصباح، شنت القوات الأميركية والإسرائيلية هجومًا على مقر المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية، علي خامنئي، وأودت بحياته إلى جانب العديد من القيادات العسكرية والسياسية والدينية. قد يبدو الخبر مألوفًا لسكان الشرق الأوسط الذين اعتادوا على الاغتيالات والحروب، لكن تداعيات هذا الحدث على الأمن والسياسة والاقتصاد والجغرافيا لن تكون عادية أبدًا.
متى ستنتهي حرب إيران؟
إذ إنها المرة الأولى في تاريخ الحروب الحديثة في المنطقة بما في ذلك الحروب الفلسطينية والعربية، والصراع الإيراني-الإسرائيلي بتعقيداته وتشعباته التي تشارك فيها أميركا وإسرائيل في عملية عسكرية وأمنية واستخباراتية فائقة الدقة لاغتيال أعلى مرجع ديني وسياسي في دولة من دول الشرق الأوسط.
مع دخول الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الحرب، يبقى السؤال الأساسي: متى ستنتهي الحرب؟ وما هي تداعياتها على الإقليم والعالم؟ ولنكون واقعيين تمامًا، لا أحد يستطيع تقدير المدة الزمنية لهذه الحرب القائمة، ولا أحد يعلم بعد تأثيراتها على النظام العالمي وميزان القوى في الشرق الأوسط، الذي يتغير بفعل هذا الصراع وما سيتركه من آثار على علاقات دول المنطقة ببعضها البعض ومع محيطها والخارج، خصوصًا أن هذه المرحلة تبدو بمفاعيلها أخطر من مرحلة 1990-1991، من حيث تداعياتها على المنطقة والعالم.
في تقييم سريع لخيارات اللاعبين الأساسيين في هذه الحرب، يبدو أن خياراتهم محدودة، وأن الأسوأ من بينها سيكون وقعه مريرًا على المنطقة. فبالنسبة للولايات المتحدة، وبعظمتها وقوة جيشها، لا يمكنها الخروج من هذا الصراع إلا منتصرة، وقد وضعت معايير واضحة للربح والخسارة، تتمثل في تغيير النظام الإيراني، القضاء على الثالوث المتمثل في البرنامج النووي والصاروخي والأذرع الإقليمية، إضافة إلى أهداف غير معلنة تشمل احتواء الصين وتعزيز الدور الإستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط.
أما إسرائيل، فأهدافها أكثر وضوحًا بحسب تصريحات بنيامين نتانياهو الذي عبر بوضوح عن إعادة رسم للشرق الأوسط. فإسرائيل تسعى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق مصالحها، تعزيز سيطرتها الإقليمية، والقضاء على الثالوث الإيراني، بما يشمل القدرة النووية والصاروخية والأذرع الإقليمية، لضمان تفوق إستراتيجي طويل المدى. وعليه، يبدو أن كلا الطرفين محاصرٌ بخيارات ضيقة، وأن أي تحرك خاطئ قد يفاقم الأزمة ويزيد من تداعياتها على الأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة والعالم
أما إيران، فالنظام الحالي يرى وجوده مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالثالوث المقدس الإيراني: البرنامج النووي، الصواريخ، والأذرع الإقليمية. وإذا سقط النظام، ستكون التداعيات كارثية على إيران والمنطقة، ومن المرجح أن ينجرّ إلى فوضى شاملة أو حرب أهلية، نظرًا للتناقض العميق بين السياسة والعقيدة، إضافة إلى التعددية العرقية، والدينية، والمذهبية المتشابكة، والمتضاربة.
وحتى لو تمكن النظام من البقاء، فإنه يواجه تحديات جسيمة: الثالوث الإستراتيجي في حالة ضعف؛ الصواريخ شبه مدمرة، البرنامج النووي مهدّد، والأذرع الإقليمية في حالة تراجع. داخليًا، تلقت المؤسسات العسكرية ضربة قوية، والقوات البحرية والجوية مدمرة إلى حد يسمح للولايات المتحدة وإسرائيل بالسيطرة على الأجواء الإيرانية بحرًا وجوًا. كما أن الوضع الاقتصادي منهار، والدولة بمؤسساتها الهشة غير قادرة على أن تلبي أدنى المتطلبات وتواجه أزمات وجودية، خصوصًا مع وجود شخصيات متطرفة ترفض أي حوار داخلي أو خارجي.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الاستهداف المكثف لدول الخليج، وبدرجة ما تركيا وأذربيجان، قد يضع النظام في موقف فقدان الثقة مع جيرانه، وهو أمر يصعب إعادة بنائه بعد القصف المتهور والمتعمد.
إيران والمنطقة دخلتا مرحلة جديدة
السؤال اليوم ليس متى ستنتهي الحرب، فهذا أمر محتوم وسيحدث عاجلًا أم آجلًا، بل كيف ستنتهي، وما الكلفة السياسية والجيوسياسية والعسكرية والأمنية على المنطقة، وما تداعياتها على موازين القوة التي كانت سائدة فيها. فمنذ الثورة الإسلامية، ورغم التحولات الكبيرة والتغييرات العميقة، اعتادت المنطقة على موازين قوة تضمن نفوذ جميع اللاعبين الرئيسيين، رغم حالة الحرب الباردة التي سادت بين النظام الإيراني وبعض الدول القوية في المنطقة.
يبدو اليوم واضحًا، على الأقل منذ 7 أكتوبر 2023، أن النفوذ الإيراني تراجع بشكل غير مسبوق ليقتصر على حدود إيران الداخلية، وأن النظام في طهران يواجه أزمات متعددة على الصعيد الداخلي، مع جيرانه، إقليميًا، وحتى دوليًا. هذا التراجع في لبنان وسوريا والعراق واليمن، إضافة إلى دول أخرى، سيؤدي بلا شك إلى "فراغ إستراتيجي" على مستوى المنطقة، قد يصعب على دولة واحدة ملؤه بمفردها. وبالتالي، من المتوقع أن تتقاسم دول عدة هذا الفراغ الإستراتيجي ومناطق النفوذ الإيراني، وهي بطبيعة الحال الدول القوية عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، القادرة على بسط نفوذها بالقوة العسكرية والسياسة والاقتصاد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر
يبدو اليوم أن مستقبل إيران محكوم بعدد محدود من السيناريوهات المحتملة:
- الأول هو استمرار النظام الديني الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية وربما تحوله إلى نظام أكثر تشدداً وعزلة دولية.
- الثاني هو انتقال تدريجي نحو نظام قومي فارسي تتراجع فيه الأيديولوجيا الدينية لصالح خطاب قومي يركز على الهوية الإيرانية وقوة الدولة.
- الثالث فهو قيام نظام علماني، وهو احتمال يبقى ضعيفاً في المدى القريب بسبب قوة المؤسسات الدينية والأمنية داخل النظام.
- الرابع يتمثل في احتمال تعرض الدولة لتفكك داخلي أو اضطرابات قد تصل إلى صراع أهلي نتيجة الأزمات السياسية والتوترات الإثنية والإقليمية، رغم أن قوة مؤسسات الدولة تاريخياً تجعل هذا الاحتمال غير محسوم.
من هنا، قد يبقى النظام في إيران كما هو، وقد يتغير، لكن هذا ليس جوهر المسألة. ما هو مؤكد أن إيران والمنطقة دخلتا مرحلة جديدة تختلف تمامًا عما كانت عليه قبل 28 فبراير 2026. ومن المؤكد أيضًا أن الفراغ الناجم عن هذا التراجع الإستراتيجي سيعيد رسم خريطة موازين القوة في المنطقة بشكل جذري. وأمام هول التحولات الكبيرة في المنطقة، وأمام الضبابية المحيطة بمستقبلها، تبقى العقلانية والتعقل هما الأساس لتجنب الانزلاق نحو المزيد من الصراعات، ولإيجاد سبل لإدارة الأزمات وتقليل الخسائر السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة والعالم.