تأثيراتها تمتدّ إلى عالمنا اليوم.. اكتشف المزيد عن الحضارة اليونانية

شاركنا:
الحضارة اليونانية مليئة بالعلم والفلسفة والفنون

الحضارة اليونانية هي من العصور التي كانت مليئة بالتطوّرات والتغيير والتي شكّلت واحدة من أبرز الحقبات في التاريخ. وإن كنت مهتماً بهذه الحقبة التاريخية وما حملته من أحداث مفصلية، وخصوصاً ما كان فيها من تطوّر وتغيير في العلم والفلسفة فإنّنا نعرض في السطور الآتية لهذه الحقبة التاريخية. فمن منّا لم يسمع بأفلاطون وسقراط؟ هؤلاء من أبرز وجوه ذلك العصر وتلك الحضارة، فما الذي كان يميّزها حتى خرّجت أشخصاً مثلهم؟ وكيف كان المجتمع؟ وماذا عن الثقافة والأدب والفن والدين؟

تعريف الحضارة اليونانية

تعتبر الحضارة اليونانية من أبرز الحضارات القديمة التي ازدهرت في جنوب شرق أوروبا وتحديدًا في شبه الجزيرة اليونانية وقد استمرت لما يقارب 7 قرون. تركت خلال هذه الفترة إرثا ثقافيًّا وفكريًّا كبيراً ما زال تأثيره بارزاً وواضحاً في العالم الحديث.

بدأت هذه الحضارة بعد انهيار الحضارة الميسينية قرابة عام 1200 قبل الميلاد وامتدت إلى حين وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد حيث بلغت أوج ازدهارها خلال الفترة الكلاسيكية.

تميزت الحضارة اليونانية بتنوع دويلاتها المستقلة مثل أثينا وإسبرطة وقد كان لكل منها نظام حكم ومجتمع يعكسان البيئة الخاصة بها ويعبران عن فكر متقدم بالنسبة لعصرهما. فقد أسس الإغريق مفهوم الديمقراطية في أثينا كما اهتموا بالفلسفة التي برز فيها فلاسفة كبار مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو. إلى جانب ذلك فقد أسهموا في تطور العلوم والرياضيات والفلك والطب.

إلى جانب الفكر والعلم، أبدع اليونانيون في الفنون والمسرح والأدب وقد كانت لهم بصمات واضحة في الرياضة من خلال إقامة الألعاب الأولمبية التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

ومع توسّع نفوذ الإسكندر الأكبر انتشرت الثقافة اليونانية في مناطق واسعة من آسيا والبحر الأبيض المتوسط ما جعلها أساسا للحضارة الغربية الحديثة وإحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها مفاهيم الفكر والفن والسياسة في العالم.

الجدول الزمني للحضارة اليونانية

يمتد الجدول الزمني للحضارة اليونانية عبر آلاف السنين وقد مرت هذه الحضارة بعدة مراحل عبر التاريخ كان لكل من هذه المراحل ملامحها الخاصة. 

العصر البرونزي:

امتد هذا العصر من نحو 3500 إلى 1100 قبل الميلاد وهو بداية نشوء الحضارة اليونانية حيث ظهرت الحضارة المينوية في جزيرة كريت قرابة عام 3500 قبل الميلاد وتميزت بازدهارها التجاري والفني حتى نحو عام 1450 قبل الميلاد. تلتها الحضارة الميسينية التي نشأت في البر الرئيسي لليونان واحتلت جزيرة كريت لاحقا. ارتبطت هذه الحقبة بالأساطير اليونانية مثل حرب طروادة وعصر الأبطاال.

ومع دخول الدوريين إلى اليونان تراجعت الحضارة الميسينية ما أدى إلى نهاية هذا العصر وبدء مرحلة جديدة. 

العصور المظلمة اليونانية:

امتدت هذه الفترة من حوالى عام 1100 و800 قبل الميلاد. وقد شهدت هذه الفترة انحدارا ثقافيا واقتصاديا بعد انهيار الميسينيين إذ توقف استخدام الكتابة لقرون لكن الإغريق حافظوا على التراث الشفهي مثل الملاحم البطولية التي نقلها الشاعر هوميروس لاحقا في الإلياذة والأوديسة. 

الفترة القديمة:

هذه الفترة امتدت بين قرابة عامي 800 و490 قبل الميلاد وبدأت فيها اليونان باستعادة نشاطها الحضاري حيث اعتمدت الأبجدية اليونانية المأخوذة من الفينيقيين وبدأت المدن والدول مثل أثينا وإسبرطة بالظهور.

إلى جانب ذلك، شهدت هذه الفترة أيضا بداية الاستعمار البحري وإنشاء المستعمرات في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود إضافة إلى تأسيس الديمقراطية الأولى في أثينا وبدء الألعاب الأولمبية عام 776 قبل الميلاد. كما تم في هذه الفترة تدوين ملحمتي هوميروس (أي الإلياذة والأوديسة) اللتين تعتبران من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ. 

الفترة الكلاسيكية:

هي فترة الذروة والتي امتدت منذ نحو 490 إلى 323 قبل الميلاد. وتعد هذه المرحلة ذروة الازدهار في اليونان إذ شهدت الحروب الفارسية التي أظهرت شجاعة الإغريق في معارك مثل ماراثون وسلاميس. وبلغت أثينا عصرها الذهبي تحت قيادة بريكليس ما أدى إلى ازدهار الفنون وبناء معبد البارثينون ونمو الفلسفة على يد سقراط وأفلاطون وأرسطو. إلا أن نهاية هذه الفترة كانت مختلفة تماما إذ انتهت هذه الحقبة باندلاع الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة التي أدت إلى إضعاف اليونان. 

الفترة الهلنستية:

امتدت هذه الفترة بين نحو عامي 323 و30 قبل الميلاد وفد بدأت بعد وفاة الإسكندر الأكبر الذي غزا عدد كبير من مناطق العالم. شهدت هذه المرحلة انتشار الثقافة اليونانية في آسيا ومصر وأجزاء من أوروبا ما أثر بشكل كبير على الحضارات لأنه خلق نوعا من المزيج الحضاري الغني بين الشرق والغرب. انتهت الحقبة الهلنستية بسيطرة الرومان على اليونان عام 146 قبل الميلاد. 

اليونان الرومانية وما بعدها:

أصبحت اليونان جزءًا من الإمبراطورية الرومانية حتى عام 330 ميلادي ثم تحولت إلى جزء من الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت حتى سقوط القسطنطينية عام 1453. بعد ذلك خضعت البلاد للحكم العثماني لقرون طويلة إلى أن اندلعت الثورة اليونانية عام 1821 التي مهدت لقيام الدولة اليونانية الحديثة.


جغرافيا اليونان القديمة

إن كنت تسأل جغرافيا اليونان القديمة وحدودها وأين تقع فإنّ اليونان القديمة تقع في جنوب شرق أوروبا على شبه جزيرة تمتد من منطقة البلقان نحو البحر الأبيض المتوسط وتعتبر من أكثر المناطق تنوعا في ما يخص التضاريس الطبيعية. وتتميز تلك البقعة بالوديان الخصبة والغابات الكثيفة إلى جانب سواحل طويلة مليئة بالخلجان والجزر الصغيرة.

هذا التنوع في الجغرافيا لعب دورا حاسما في تشكيل طبيعة الحياة اليونانية القديمة إذ أسهم في ظهور المدن المستقلة بدلا من دولة مركزية واحدة كما شجع على التجارة والملاحة البحرية نظرا لقرب معظم المناطق من البحر.

أما في ما يتعلق بالتقسيم الجغرافي فقد تم تقسيم اليونان القديمة إلى 3 مناطق أساسية:

شمال اليونان: تضم منطقتي إبيروس وثيساليا ويفصل بينهما سلسلة جبال بيندوس الوعرة التي كانت تشكل حاجزا طبيعيا بين الشرق والغرب.

وسط اليونان: تعتبر من أكثر المناطق حيوية وتشمل إيتوليا المعروفة بصيد الحيوانات البرية ولوكريس التي قسمت إلى منطقتي دوريس وفوكيس إضافة إلى بيوتيا وأتيكا التي تقع فيها مدينة أثينا المعروفة بأنها عاصمة الفكر والثقافة الإغريقية وميجاريس التي تربط وسط اليونان في الجنوب.

منطقة البيلوبونيز: هي شبه جزيرة كبيرة تقع جنوب مضيق كورنثوس تبلغ مساحتها نحو 21,500 كيلومتر مربع وتضم مدنا بارزة مثل إسبرطة وأرغوس وكانت مركزا سياسيا وعسكريا مهما في التاريخ اليوناني القديم.

توسع اليونان القديمة  

بدأ التوسع اليوناني القديم في النصف الأول من الألفية الأولى قبل الميلاد عندما بدأت المدن اليونانية المستقلة مثل أثينا وكورنثوس وميليتوس تبحث عن موارد جديدة ومساحات أوسع للحياة. فقد أدى النمو السكاني الكبير وقلة الأراضي الزراعية إلى دفع الإغريق نحو البحر فبدأوا بالاستكشاف والتجارة عبر البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود لتتحول هذه الرحلات في ما بعد إلى حركة استعمار منظم.

ففي البداية كان التواصل مع الشعوب الأخرى تجاري بحت حيث أقام اليونانيون مراكز صغيرة لتبادل السلع مثل الزيتون والخمر والمعادن. وتطورت هذه المراكز مع الوقت إلى مستعمرات مستقرة تضم سكانا يونانيين وآخرين محليين حتى أصبحت المدن مدنا ذات طابع يوناني كامل من حيث اللغة والفن والعادات أو مدنا مستقلة سياسيا لكنها حافظت على روح الثقافة اليونانية.

بحلول عام 500 قبل الميلاد، كان الإغريق قد أسسوا نحو 500 مستعمرة امتدت في مناطق شاسعة من العالم القديم وسكنها ما يقارب 60 ألف مواطن يوناني أي نحو 40% من مجموع سكان اليونان في حينها. شملت هذه المستعمرات مناطق عدة وهي:

شرقا: سواحل بحر إيجه والبحر الأسود بما في ذلك مناطق من تراقيا وقبرص.

شمالا وشرقا: وصلت حتى مناطق من أوكرانيا وروسيا الحالية على طول البحر الأسود.

غربا: سواحل إيطاليا وصقلية وجنوب فرنسا وشمال شرق إسبانيا.

جنوبا: سواحل شمال إفريقيا مثل ليبيا ومصر.

أدّى هذا التوسع إلى انتشار الثقافة والفكر والفن اليوناني في الأماكن التي وصل إليها اليةنانيون فظهرت أنماط من العمارة والمسرح والفلسفة المتأثرة باليونان حتى خارج حدودها. كما ساهم في تنشيط التجارة ونقل السلع بين الشعوب.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، قاد الإسكندر الأكبر مرحلة جديدة من التوسع لكن هذه المرة كانت عسكرية وثقافية في آن واحد. وجراء الفتوحات التي قام بها و التي امتدت من اليونان ومصر إلى الهند انتشرت الثقافة الهلنستية التي مزجت بين الفكر اليوناني والشرقي لتصبح الحضارة اليونانية واحدة من أكثر الحضارات تأثيرا وانتشارا.

المجتمع اليوناني

عرف المجتمع اليوناني القديم بأن لديه بنية اجتماعية واضحة ومتماسكة ارتكزت على تقسيم السكان إلى 4 طبقات رئيسية، لكلٍّ منها دور ومكانة مميزة في الحياة اليومية والسياسية لا سيما في مدينة أثينا التي شكلت رمزاً للحضارة والديمقراطية الإغريقية.

احتلت الطبقة العليا قمة الهرم الاجتماعي وهي تتألف من المواطنين الأحرار الذين ولدوا في أثينا ولديهم كل الحقوق السياسية وتولوا إدارة شؤون الحكم وقادوا مجالات التعليم والفلسفة والفكر. أما الطبقة الوسطى فتتكون من التجار والحرفيين الذين عملوا بجد وساهموا في تنمية الاقتصاد غير أنهم لم يتمتعوا بالامتيازات ذاتها التي حظيت بها الطبقة العليا رغم أنهم أحرار لأن معظمهم لم يكونوا من مواليد المدينة.

هناك أيضا الطبقة الدنيا وتضم الأفراد الذين تحرروا من العبودية أو الذين عملوا في المهن البسيطة نظرا لأن حقوقهم كانت محدودة مقارنة بالطبقات الأخرى. وفي أدنى السلم الاجتماعي جاءت طبقة العبيد وهم الذين تولوا الأعمال الزراعية والمنزلية والخدمات من دون أن يملكوا أي حقوق أو نفوذ إذ كانوا يعتبرون من الممتلكات بالنسبة لأسيادهم.

من الجهة الفكرية والدينية، اعتقد الإغريق بوجود 12 إلها رئيسيا لكل منهم مجال خاص وصفات تميزه. ومن الأمثلة نذكر زيوس إله السماء وأثينا إلهة الحكمة. وقد شكلت الأساطير اليونانية عنصرا أساسيا ومهما في تفسير العلاقة بين البشر والآلهة وبرزت ملامحها في الفنون والنقوش والمعابد والمهرجانات الدينية حيث اعتاد الناس على تقديم القرابين وأداء الطقوس طلبا للرضا والحماية.

وعلى الرغم من مرور الزمن واختلاف العصور، لا يزال المجتمع اليوناني المعاصر يحافظ على جزء من إرث أجداده إذ يتميز اليونانيون اليوم بروابطهم الأسرية المتينة واحترامهم للكبار وكرمهم في الضيافة وهي تعد من القيم المتوارثة من حضارتهم العريقة التي جمعت بين الفكر والعائلة والإيمان العميق بالإنسان.

الثقافة في الحضارة اليونانية

تعتبر الثقافة في الحضارة اليونانية القديمة من أهم ركائز تطور الإنسان عبر التاريخ إذ كانت مهدا للحضارة الغربية ومصدر إلهام في الكثير من المجالات الفكرية والفنية. فقد برع اليونانيون في الفلسفة والعلوم والفنون وأسسوا مبادئ التفكير العقلاني والنقدي على يد فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو. كما تميزت ثقافتهم بتقدير الجمال والتميز الفردي والسعي نحو الكمال وضبط النفس. وبرز في حياتهم الأدب والمسرح والعمارة والنحت ما عكس حبهم للأمور الجمالية والثقافية والفكرية العالية. ولا تزال لمسات الثقافة اليونانية موجودة ووواضحة حتى يومنا هذا في الأبجديات الحديثة والألعاب الأولمبية وأساليب البناء التي استلهمت من العمارة اليونانية القديمة.

الأبجدية اليونانية

الأبجدية اليونانية هي من أقدم أنظمة الكتابة في العالم وقد شكللت خطوة مهمة في تطور اللغة والكتابة البشرية. استندت في البداية إلى الأبجدية الفينيقية إلا أنّ اليونانيين قاموا بتطويرها بشكل ملحوظ إذ أضافوا إليها حروف العلة وجعلوها أكثر دقة من الناحية الصوتية.

تتكون الأبجدية اليونانية من 24 حرفا من بينها 7 أحرف علة و15 حرفاً ساكناً وتستخدم منذ القرن الثامن قبل الميلاد لكتابة اللغة اليونانية القديمة ثم الحديثة.

وما يميز هذه الأبجدية أنّ كل رمز فيها يمثل حرفا واحدا وليس مقطع صوتي كما في الكتابات القديمة كالهيروغليفية مثلاً. ومع مرور السنوات أصبحت الأبجدية اليونانية أساسا لتطور الكثير من أنظمة الكتابة الأخرى مثل الأبجدية اللاتينية والسيريلية والقبطية كما تستخدم رموزها اليوم في مجالات متعددة كالرياضيات والعلوم والهندسة للدلالة على مفاهيم وأفكار علمية دقيقة.


الأدب اليوناني

الأدب اليوناني هو من أعرق الآداب في التاريخ إذ شكل الأساس الذي تم البناء عليه في الكثير من الآداب الغربية اللاحقة. تعود جذوره إلى نحو عام 800 قبل الميلاد.

في البداية تم كتابة الأدب اليوناني ببداياته في اللهجة اليونانية القديمة. وينقسم الأدب اليوناني إلى فترات متعاقبة وهي على التوالي: الأدب القديم والأدب الكلاسيكي ثم الأدب الهلنستي والروماني. وقد تميّز كل عصر من هذه العصور في الأدب اليوناني بسمات فكرية وفنية خاصة.

الأدب القديم

في الأدب القديم مثلاً برز الشعر الملحمي الذي تمثله ملحمتا الإلياذة والأوديسة لهوميروس واللتان تناولتا بطولات حرب طروادة ومغامرات أوديسيوس في طريق عودته إلى وطنه.

وإن كنت تتساءل عن ما هي الإلياذة. فهي تعتبر واحدة من أعظم الملاحم في تاريخ الأدب وأبرز ما كتبه الشاعر الإغريقي هوميروس في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبا. وهي ملحمة شعرية تسرد جانبا من حرب طروادة التي دامت 10 سنوات بين الإغريق والطرواديين وتفتتح بحالة الغضب التي أصابت البطل آخيل وتكمل منها إلى سلسلة من الأحداث المليئة بالبطولة والصراع والمشاعر الإنسانية العميقة بين الحب والكراهية والشجاعة والانتقام. وتضم الملحمة نحو 16 ألف بيت شعري مقسمة إلى 24 نشيدا كل منها يحمل اسما خاصا يعكس مضمونه.

وتعتبر الإلياذة إلى جانب الأوديسة من أقدم الملاحم التي شكلت أساس الأدب الغربي والإنساني لما تحمله من عمق في المعاني وصور شعرية.

الأدب الكلاسيكي

أما العصر الكلاسيكي فقد شهد ازدهار المسرح والفلسفة حيث ظهرت التراجيديات والكوميديات التي تناولت قضايا الإنسان والمجتمع إلى جانب أعمال أهم وأعظنم الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

الأدب الهلنستي والروماني

في الفترة الهلنستية والرومانية، اتسع نطاق الأدب ليشمل مجالات التاريخ والعلم والفكر ما أضفى عليه طابعا أكثر تنوعا وعمقا. ورغم ضياع جزء كبير من هذا الأدب مع مرور الزمن إلا أن ما بقي منها ووصل إلى اليوم يظهر عبقرية الإغريق في التعبير عن الإنسان والحياة وتأثيرهم العميق في تطور الأدب العالمي حتى يومنا هذا. 

الفلسفة في الحضارة اليونانية

كانت الفلسفة في الحضارة اليونانية من أبرز الإنجازات الفكرية التي تركت بصمة كبيرة حتى يومنا هذا في مسيرة العقل الإنساني إذ ينظر إليها بوصفها مهد الفكر الفلسفي وأساس الحضارات الغربية في ما بعد.

وأصل كلمة "فلسفة" يأتي من اليونانية إذ وهي مأخوذة من كلمة فيلوسوفيا المؤلفة من مقطعين: فيلو التي تعني المحبة وسوفيا أي الحكمة. أي أن الفلسفة تعني محبة الحكمة وهي بالفعل كانت كذلك إذ هي سعي دائم إلى إدراك أسرار الوجود والواقع وفهم طبيعة الحقيقة والمعرفة وتأمل في القيم والمعاني التي تمنح للحياة غايتها.

بدأت الفلسفة اليونانية بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد في المدن الإيونية على الساحل الغربي لآسيا الصغرى ثم امتدت إلى جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية. وبلغت أوج ازدهارها في القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا التي أصبحت آنذاك مركزا للفكر والنقاش العقلي.

ومع حكم الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد ازدهرت المدارس الفلسفية وتنوعت الاتجاهات الفكرية لكن هذا الوهج بدأ يتراجع بشكل تدريجي حتى زواله مع نهاية القرن السادس للميلاد. وقد اعتبر المؤرخون أن اليونان هي مهد الفلسفة الأولى في التاريخ إذ تجلت فيها العقلانية وتكوّن فيها الوعي النقدي الذي شكل بداية التفكير المنهجي المنظم.

مراحل الفلسفة اليونانية

مرّت الفلسفة اليونانية بـ3 مراحل أو أطوار أساسية:

طور النشوء: الذي تميز بمحاولات تفسير الكون ووضع أسس الفكر النظري قبل سقراط ثم التحول نحو الفلسفة العملية في زمن سقراط والسفسطائيين حيث برز الاهتمام بالأخلاق والجدل والمنطق.

طور النضوج: الذي تجسد في فلسفتي أفلاطون وأرسطو، فبينما استخدم أفلاطون الخيال والرمز في بحثه عن الحقيقة المثالية اتجه أرسطو إلى المنهج العقلي القائم على البرهان ووضع أسس المنطق العلمي.

طور الذبول: شهد انحسار الفكر الفلسفي وركوده واقتصر فيه الفلاسفة على إعادة صياغة المذاهب السابقة من دون إبداعات جديد في هذا المجال.

خصائص الفلسفة اليونانية

تتميز الفلسفة اليونانية بعدد من الخصائص الأساسية وأبرزها أنها فلسفة طبيعية لم تفصل بين المادة والروح بل نظرت إلى الكون كوحدة متكاملة.

كما تميزت بشمولها لمختلف فروع المعرفة من منطق ورياضيات وفلك وأخلاق.

واتسمت بالنزعة العقلية التي جعلت من التفكير الحر أداة للوصول إلى الحقيقة.

ولم يكن هدف الفلاسفة اليونانيين من طلب العلم المنفعة المادية أو الدينية بل المعرفة بحد ذاتتها باعتبارها غاية سامية.

أسباب ظهور الفلسفة اليونانية

كانت هناك عدة عوامل تسببت في ظهورها ومن أبرزها تأثر اليونانيين بالحضارات المجاورة كالمصرية والرافدية والفينيقية التي سبقتهم في مجالات العلم والفكر إضافة إلى الموقع الجغرافي المميز لمدن آسيا الصغرى التي شكلت جسور تبادل تجاري وثقافي بين الشرق والغرب. كما أسهم الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في خلق بيئة محفزة على التأمل والنقاش الحر فكان الثراء على الصعيد المادي يسمح للطبقات المثقفة التفرغ للفكر والفن.

أبرز فلاسفة اليونان

أنجبت الحضارة اليونانية فلاسفة كبار وعظماء غيروا وجه التاريخ مثل سقراط الذي جعل من الحوار طريقا لاكتشاف الحقيقة وأفلاطون الذي حلم بمدينة فاضلة يحكمها الحكماء وأرسطو الذي وضع منهج التفكير المنطقي الذي ظل أساسا للفكر العلمي لقرون طويلة. وفي ما يلي نعرض نبذة عن أبرزهم:

فيثاغورس - Pythagoras

يعتبر فيثاغورس من أوائل الفلاسفة الذين جمعوا بين التفكير العقلي والجانب الروحي وهو شخصية فريدة أثارت الجدل عبر التاريخ. ولد عام 570 قبل الميلاد في جزيرة ساموس وهاجر في الأربعين من عمره إلى مدينة كروتون في جنوب إيطاليا، وهناك أسس جماعته المعروفة بـ "الإخوان الفيثاغوريين"، التي جمعت بين التعاليم الدينية والمفاهيم العلمية والفكرية. لم يكن فيثاغورس فيلسوف فقط بل كان عالم رياضيات بارع وقد أثرت أفكاره في فلاسفة كبار مثل أفلاطون وأرسطو.

تقوم فلسفة فيثاغورس على رؤية كونية تعتبر أن العالم منظم وفق علاقات عددية ومبادئ أخلاقية وأن النظام الرياضي هو أساس كل وجود. كما اعتقد أن الكواكب والأجرام السماوية تتحرك وفق نسب موسيقية متناغمة وأن الكون بأسره يقوم على توازن عددي دقيق. وكان يرى أن الروح خالدة تنتقل بعد الموت من جسد إلى آخر في سلسلة من التناسخات المستمرة حتى تبلغ الكمال الروحي.

سقراط - Socrates

يلقب سقراط بـ "أب الفلسفة" الغربية لما قدمه من أفكار ومنهج فكري غيّر مسار الفلسفة من التأمل في الطبيعة إلى التأمل في الإنسان ذاته. ولد في أثينا نحو 470 قبل الميلاد وتوفي سنة 399 قبل الميلاد بعد أن حكم عليه بالإعدام عبر إجباره على تجرّع السم بتهمة إفساد الشباب وإنكار الآلهة. كان ابن نحات وممرضة، إلا أنه ترك أثرا فكريًّا كبيراً تجاوز حدود عصره.

ارتكزت فلسفة سقراط على مبدأ اعرف نفسك بنفسك ورأى أن الفضيلة هي المعرفة وأن الجهل أصل كل خطأ. ومن أعظم إسهاماته أنه نقل التفكير الفلسفي من دراسة الظواهر الطبيعية إلى دراسة السلوك الإنساني والأخلاق. كما طور أسلوب الحوار الجدلي القائم على طرح الأسئلة وهو ما عرف بالمنهج السقراطي الذي يهدف إلى تحفيز التفكير النقدي وكشف التناقضات في الأفكار. وقد اعتبر أن الدين الحق يتمثل في الحكمة والخير لا في الطقوس أو القرابين مؤكداً أن العقل هو وسيلة الإنسان لفهم الإله والفضيلة.


أفلاطون - Plato

يعتبر أفلاطون من أعظم فلاسفة اليونان وأكثرهم تأثيرا في الفكر الإنساني. ولد في أثينا عام 427 قبل الميلاد لأسرة أرستقراطية وكان تلميذاً لسقراط وتأثر بموته بشكل كبير جعله يسافر لسنوات بحثا عن الحكمة والمعرفة قبل أن يؤسس أكاديمية أفلاطون في أثينا والتي تعتبر أول مؤسسة تعليمية فلسفية في التاريخ.

تقوم فلسفة أفلاطون على ما يعرف بنظرية النماذج أو المثل حيث يرى أن العالم المادي الذي نراه ليس إلا انعكاسا ناقصا لعالم مثالي خالد هو عالم المثل الذي توجد فيه الحقائق المطلقة لكل شيء. كما طرح في مؤلفه الشهير الجمهورية تصورا للدولة المثالية التي يحكمها الفلاسفة لأنهم الأقدر على إدراك العدالة والحقيقة. قسم أفلاطون النفس الإنسانية إلى 3 أجزاء هي: العقل والعاطفة والرغبة. ورأى أن انسجامها يحقق السعادة كما يحقق انسجام طبقات المجتمع العدل في الدولة.

أرسطو - Aristotle

كان أرسطو تلميذ أفلاطون لكنه خالفه في كثير من آرائه ووضع أسس التفكير العلمي والمنطقي التي أثرت في الفكر الإنساني لسنوات طويلة. ولد عام 384 قبل الميلاد في مقدونيا وكان والده طبيبا لملك مقدونيا ما أتاح له معرفة مبكرة بعلم الأحياء. التحق بأكاديمية أفلاطون في أثينا وبقي فيها نحو 20 عاما ثم أسس مدرسته الخاصة.

تعتبر فلسفة أرسطو الأكثر شمولا في الفكر القديم إذ تناولت مجالات متعددة من المنطق والميتافيزيقيا إلى السياسة والفنون والعلوم الطبيعية. رفض أرسطو نظرية المثل الأفلاطونية ورأى أن الحقيقة تدرك من خلال دراسة الواقع المادي لا التأمل المجرد.

كما اعتبر أن السعادة هي الغاية القصوى للحياة الإنسانية وأنها تتحقق من خلال ممارسة الفضيلة والعقلانية. أسهم أرسطو كذلك في تأسيس علم المنطق ووضع منهجا للتحليل العقلي. 

فن العمارة والفن التشكيلي

يعتبر فن العمارة والفن التشكيلي في الحضارة اليونانية من أبرز مظاهر الإبداع. فقد جسد الفن التشكيلي اليوناني السعي نحو المثالية والجمال المتناسق حيث ركز الفنانون على الدقة وتوازن الأشكال لتجسيد الأبطال والآلهة في تماثيل نحتت من الرخام والبرونز أبرزها تمثال الإسكندر الأكبر وتمثال لاوكون وأبناؤه. كما تميزت الرسوم على الأواني الفخارية بألوانها الزاهية التي صورت مشاهد من الأساطير والحياة اليومية.

أما فن العمارة فقد بلغ قمة تطوره في المعابد الإغريقية مثل البارثينون الذي يجسد عظمة الفكر الهندسي والذوق اليوناني معتمداً على الأعمدة الضخمة والتناسق بين الأجزاء.

الدين في الحضارة اليونانية

كان الدين في الحضارة اليونانية القديمة جزءا أساسيا من الحياة اليومية إذ ارتكز على عبادة عدد كبير من الآلهة أبرزهم الآلهة الـ12 الأولمبيون الذين يعتقد أنهم يقطنون جبل الأوليمبوس مثل زيوس كبير الآلهة وهيرا وأثينا وأبولو. وقد كانت العبادة عندهم تعتمد على تقديم القرابين والصلوات في المعابد والمنازل الخاصة طلبا لحماية الآلهة ورضاها وكان الإغريق يؤمنون بأن للآلهة تأثيرا مباشراً على مصير الإنسان والمدن. ومع مرور الزمن، ظهرت عبادات جديدة مثل عبادة الأبطال والأرواح وتنوعت المعتقدات حول الحياة بعد الموت بين الإيمان بالخلود. 

الأساطير اليونانية

تعكس الأساطير اليونانية خيال الإغريق ومعتقداتهم حول الكون والآلهة والبشر إذ نسجت حولها قصص تمزج بين السحر والحكمة والعبر.

فقد آمن اليونانيون بأن الآلهة تسكن جبل الأوليمبوس حيث تتولى كل إلهة أو إله مهمة خاصة تمسّ حياة الإنسان والطبيعة. فـ"هيستيا" مثلاً كانت رمز دفء البيت وقداسته و"هيبي" تجسيد الشباب والجمال الأبدي و"نمسيس" إلهة القصاص التي تنزل العدل بالمذنبين بينما مثّلت "ليتو" رمز الأمومة و"ريا" أمّ الآلهة التي أنجبت الجيل الأول من كبار الآلهة مثل زيوس وبوسيدون وهيرا.

(المشهد)