كثيرا ما تقول أو تفعل شيئا ما ثم تعتذر قائلا: "إنها زلة لسان" أنا آسف، أو ترى حلما ما واقعي أو يصيبك بالحيرة، وتتساءل ما المشكلة؟
لا توجد مشكلة، إنه العقل الباطن، المخزن الكبير الذي يعمل كحارس أمن للإنسان ومشاعره وفقا لأكثر من تعريف في علم النفس.
ما هو العقل الباطن؟
العقل الباطن يتكون من مجموعة من العمليات التي تحدث في العقل بشكل أوتوماتيكي، وهي غير متاحة للاستبطان، وتشمل عمليات التفكير، والذكريات، والاهتمامات، والدوافع. وذلك وفقا للجمعية الأميركية للطب النفسي.
ورغم وجود العمليات تحت سطح الوعي، إلا أنها على الجانب النظري لديها تأثير على السلوك، وصاغ هذا التعبير الفيلسوف الألماني فريدريك فيلهيلم يوزف شيلن، وقُدم بعد ذلك بالإنجليزية بواسطة الشاعر الإنجليزي صامويل تايلر كولدريدج في القرن الـ 18.
الأدلة الناجمة عن تجارب، أوضحت أن ظواهر اللاوعي والعقل الباطن تشمل المشاعر المكبوتة والمهارات التلقائية والتصورات اللاشعورية وردود الفعل التلقائية وفي بعض الأحيان الرغبات والرهاب المرعب الخفي وغيرها.
أصبح مفهوم العقل الباطن واللاوعي رائجا بسبب العالم النمساوي الشهير سيغموند فرويد، ففي نظرية علم النفس، عمليات اللاوعي تظهر بشكل مباشر في الأحلام وكذلك زلات اللسان والنكات.
لذا مفهوم العقل الباطن واللاوعي يظهر في أكثر من تعريف دارج، إذ أن اللاوعي مسؤول عن الأحلام والأفكار الأوتوماتيكية التي تظهر من دون سبب مباشر أو واضح، أو في جانب يُطلق عليه "مستودع الذكريات المنسية" والتي يمكن الوصول إليها في الوعي بعد ذلك، وموضع المعرفة الضمنية (وهي الأشياء التي تعلمناها بشكل جيد ونفعلها دون تفكير).
ماذا يفعل العقل الباطن؟
في نظرية سيغموند فرويد للشخصية، العقل الباطن واللاوعي هو مستودع من الأفكار والمشاعر والمحفزات والذكريات خارج الوعي.
من هذا المفهوم، فكل محتويات اللاوعي تعتبر غير مقبولة، أو مشاعر غير سعيدة، مثل الشعور بالألم، أو القلق أو الصراع.
فرويد اعتقد أن اللاوعي يستمر في التأثير على السلوك رغم أن الناس لا تعرف كيف يتأثرون به.
وفقا لسيغموند فرويد هناك 3 مستويات متفرقة من العقل:
1. عقل ما قبل الوعي
عقل ما قبل الوعي أو The Preconscious mind يتكون من أي شيء وأي فكرة يمكن أن تصل إلى العقل الواعي والإدراك الحسي.
2. العقل الواعي
يحتوي على كل الأفكار والذكريات والمشاعر والأمنيات التي نعرفها أو نشعر بها في أي وقت، وهذا هو الجانب الطبيعي من معالجة العقل للطريقة التي يمكنه التفكير والتحدث بها بعقلانية.
3. العقل الباطن واللاوعي
المكان الذي تُحتجز به الأفكار والمشاعر والدوافع والذكريات خارج الوعي الحسي والإدراكي، اللاوعي فيه محتويات غير مقبولة وغير سارة.
كيف يعمل العقل الباطن واللاوعي؟
مع تصور العقل اللاوعي وتعريفه، سيكون من المفيد مقارنة العقل بما يُعرف بـ "الجبل الجليدي" وفقا لموقع SimplyPsychology المختص بعلم النفس.
كل ما فوق الماء يمثل الوعي والعقل الواعي، كل ما أسفل الماء من الجبل يمثل اللاوعي والعقل الباطن.
الأمر مشابه لرؤيتك لذلك الجبل الجليدي، جزء صغير فقط سيبدو لك فوق الماء، لكن ما لا يمكنك رؤيته هو الكمية الكبيرة من الجليد التي صنعت هذا الجبل نفسه أسفل الماء في الأعماق.
والأشياء التي تمثل الوعي الحسي أو الإدراك الباطني أو الوعي الواعي، هي قمة ذلك الجبل الجليدي، بقية المعلومات خارج الوعي الحسي أو الإدراك الباطني تقع أسفل السطح، في حين أن المعلومات قد لا تصل إلى الإدراك، لكنها تؤثر على السلوك الحالي للإنسان.
ما الفارق بين العقل الواعي والعقل الباطن؟
العقل الواعي أو الوعي الحسي هو أن تكون مدركا وقاصدا ومستجيبا، والعقل الباطن واللاوعي على الجانب الآخر يشير إلى عدم الوعي أو فعل شيء ما بدون ملاحظة.
ما تأثير العقل الباطن واللاوعي على الإنسان؟
أفكار اللاوعي والمعتقدات والمشاعر يمكن أن تتسبب في عدد من المشاكل من ضمنها:
- الغضب.
- التحيز.
- السلوكيات القهرية.
- صعوبة التواصل الاجتماعي.
- تشتت الانتباه.
- مشاكل في العلاقات.
علم النفس، يرى أن العديد من مشاعرنا ورغباتنا تُكبح أو تُحجز خارج الوعي لأنها مُهددة للغاية، سيغموند فرويد على سبيل المثال يرى أنه في بعض الأحيان تلك الرغبات والآمال تظهر من آن إلى آخر في الأحلام وزلات اللسان أو ما عُرف بـ "زلات فرويد".
كذلك، الغرائز الأساسية ودوافعنا يتم كبحها في اللاوعي والعقل الباطن، غرائز الموت والحياة هي مثال على ذلك، إذ أنها توجد في اللاوعي.
الغرائز الحياتية والإنسانية، على سبيل المثال الجنسية منها، أو التي تتصل بغريزة البقاء والموت وما شابه هي أفكار ناجمة عن الصدمات النفسية والعنف والغضب.
مثل تلك الدوافع يتم الاحتفاظ بها في العقل الباطن، بعيدا عن الوعي الحسي أو الإدراكي الذي يعتبر مثل هذه الدوافع والمشاعر غير مقبولة، فيحتفظ بها بعيدا.
سيغموند فرويد يرى أن الناس تستخدم عددا من الآليات الدفاعية المختلفة لمنع تلك المشاعر والدوافع من الارتقاء للوعي.
منزلق أو زلة فرويد
لتوضيح طريقة عمل العقل الباطن أو للإجابة عن ماذا يفعل، فهناك طريقة عُرفت بـ "منزلق أو زلة فرويد" أو زلة اللسان. العديد منا اختبر تلك الظاهرة بطريقة أو بأخرى، في علم النفس يُطلق عليها "منزلق أو زلة فرويد".
تلك المصطلحات أو الكلمات التي نقولها بلا وعي أو بدون إدراك ونطلق عليها "زلة لسان" يُعتقد أنها تندرج تحت أفكار أو مشاعر اللاوعي.
سيغموند فرويد يعتقد أنه رغم عدم إمكانية الوصول إلى العقل الباطن، فإن محتوياته قد تخرج بشكل غير متوقع من آن إلى آخر بأشكال مختلفة.
كيف أستخدم العقل الباطن؟
هناك مصطلح دارج حينما يُطرح مثل هذا السؤال، وهو حافز اللاوعي أو Unconscious Motivation، وهو يشير إلى الرغبات غير المعروفة والمخبئة وهي السبب الحقيقي وراء تصرفات الأشخاص.
على سبيل المثال، إن كان هناك شخص لا يمكنه الاستمرار في علاقة طويلة الأمد، ودائما ما يجد سببا للخروج من علاقاته، ويُصر على أن هناك سببا منطقيا للرحيل، لكن أفعاله قد تكون منساقة بواسطة رغبة غير واعية تجاه الحب والانتماء والخوف غير الطبيعي من الرفض.
وفي قرارة نفسه يرغب في العلاقة ويحتاجها، لكنه يجد طريقة وأسباب للرحيل وإنهاء العلاقة خوفا من الرفض بطريقة أو بأخرى.
هانز ستاينر طبيب نفسي من جامعة ستانفورد ناقش فكرة العملية العقلية في الوعي وكيفية استغلال حافز اللاوعي والعقل الباطن لصالح الإنسان.
وقال هانز لمدونة جامعة ستانفورد: "رغم عدم معرفتنا العامة بنشاط الدماغ غير الواعي، فهناك تأثير كبير منه على سلوكنا وآرائنا وردود أفعالنا العاطفية، على سبيل المثال، عملية حافز اللاوعي ستحدد تقبلك لفيلم ما وكيف ستتفاعل معه عاطفيا".
وواصل "في نهاية المطاف، أعمق طبقة من النشاط العقلي هي الإرشاد اللاواعي، وتلك عمليات عقلية مثل النشاط العصبي لا يمكنها الوصول إلى وعينا مطلقا، وكنتيجة لا يمكن أن تتحول إلى وعي، هذا جزء من طريقة تحكم الدماغ ككل في كل شيء مثل التنفس أثناء مشاهدة شيء ما".
وتابع "لذا حينما يتحدث الأطباء النفسيون مع مريض، فهم ينتبهون للتلميحات العاطفية خلال المحادثة، كامل المشاعر وليس الكلمات فقط، لذا تقدم تلك ما يشبه مؤشرات على الحافز غير الواعي، وباتباعها، يمكن للطبيب النفسي الوصول للعمليات التي يقوم بها اللاوعي والتي تشكل سلوك المريض".
لذا لا يمكنك استخدام عقلك الباطن بشكل فعلي، لكن يمكنك في المقابل التواصل معه والوصول إلى ما يجعلك أفضل بعض الشيء.
وفقا لمجلة "فوربس" فالعقل الباطن بمثابة حارس أمين لمنطقتك الآمنة المريحة وليس العكس، في نفس الوقت، قد يصبح المجال الذي إما يجعلك تعتاد على أن تتوقع وتبحث بشكل روتيني عن أعمال قد تبني وتعزز نجاحك وسعادتك، أو تشفي حياتك من أمر ما.
إليكم أبرز النصائح التي قدمتها "فوربس" للتعامل مع العقل الباطن:
- كن مستعدا لتقبل أو رؤية تغيير لم تعتقد أنه سيحدث
الخطوة الأولى في تغيير الحياة ليست التفكير أو الاعتقاد بأن الأمر وارد الحدوث، لكن هي رغبة معرفة إذا ما كان ذلك ممكنا، فعلى سبيل المثال لن تتحول من شخص متشكك إلى مؤمن تام، هناك خطوة بين الأمرين وهي الانفتاح على إمكانية حدوث الأمر ذاته.
- امنح نفسك الإذن لكي تكون ناجحا
بدلا من التفكير الدائم في القصة المعروفة بأنك ستكون سعيدا إن حصلت على مبلغ إضافي أو شيء ما، اسمح لحياتك بأن تكون أفضل.
- لا تسمح لمخاوف الآخرين بإصابتك بالشكوك
طريقة استجابة الناس لأخبار نجاحك ستعرفك على طريقة تصرفاتهم في حياتهم.
إن أعلنت على سبيل المثال خطبتك، فالأشخاص السعيدون في زواجهم سيكونون سعداء من أجلك ويشجعونك كثيرا، في حين أن الأشخاص الذين ليسوا سعداء في زواجهم سيحذرونك من أن الأمر صعب، وأنك يجب أن تستمتع بوقتك كعازب وهكذا.
- أحط نفسك بالإيجابية
الكثير من الإيجابية مطلوبة أحيانا، تأكد من محاوطة نفسك بذلك الشعور والأمل، لأن ذلك ما سيمنحك الطاقة.
- تحدث عن نجاحك كحقيقة واضحة وليس خطة مستقبلية
هذا لا يعني أنه يجب أن تطلق على نفسك لقب "مدير" أو "رئيس" أو "مدير تنفيذي" إن لم تكن حقيقية، لكن ابدأ في الحديث عما تريده من حياتك بطريقة لا تضع ضغطا عليك لكن بطريقة أنك تسير في ذلك الطريق وتفعل ما يمكنك.
فبدلا من قول "يوما ما" يمكنك القول: "وضعت استراتيجية لطريقة فعل ذلك الأمر الآن"، وبدلا من فكرة "سأكون سعيدا في مكان أو وقت آخر من حياتي" فكر في "أنك قادر على السعادة الآن وفي أي وقت".
- اخلق مساحة من الرؤية
القدرة على تخيل ما تريده في حياتك أساسي لخلق رؤية، لأنه إن لم تعلم ما ستفعله فلن تعرف أي طريق تخطو به أولا.
بمجرد خلق صورة واضحة في عقلك لما ترغب به وكيف تسعى للعيش، فستكون قادرا على بداية التفاعل والتحرك.
- تعرف على سبلك للمقاومة
حينما يقوم العقل الباطن بمنعك من فعل شيء تحبه، ذلك لأننا نحمل صراعا بداخلنا حوله فقط.
للتعرف على سبل المقاومة، يجب أن تسأل نفسك، مثلا لماذا تشعر أنك أفضل كلما تكاسلت عن فعل شيء ما، أو ما الذي قد يدفعك لفعل شيء ما، حينما تضع الأمور في نصابها الصحيح جد طريقة للتعرف على احتياجاتك قبل التصرف دوما.
استخدامات العقل الباطن وفقا لأبحاث علم النفس
سيغموند فرويد كان يرى أن ظهور محتويات اللاوعي إلى الوعي أمر مهم لتخفيف الضائقة النفسية، ومؤخرا أوضح الباحثون أن هناك تقنيات توضح كيفية تأثير اللاوعي على السلوك.
فيما يلي أبرز طرق وضوح العقل الباطن وظهوره مع الوعي وفقا لموقع Verywellmind.com المختص بأخبار الصحة النفسية وعلم النفس.
التداعي الحر
اعتقد فرويد أن مشاعر العقل الباطن تظهر في الوعي باستخدام تقنيات التداعي الحر، إذ كان يطلب من مرضاه الاسترخاء وقول ما يجول بخاطرهم دون وضع أي اعتبارات ممكنة أو محرجة.
بتتبع ما يقال، كان فرويد يرى أن بإمكانه معرفة محتويات العقل الباطن، والكشف عن رغباتهم الدفينة.
تفسير الأحلام
العالم النمساوي فرويد كان يرى أن الأحلام مجرد طريق إلى اللاوعي، وقال إنها قد تظهر غالبا بشكل مستتر.
وبناء على المعطيات، من وجهة نظر فرويد، تفسير الأحلام قد يحدث من خلال اختبار المحتوى الكامل للحلم، من أجل محاولة معرفة معنى الحلم نفسه.
الكبت المستمر للوميض
تقنية تدعى الكبت المستمر للوميض أو Continuous Flash Suppression، يستطيع الباحث عرض صورة دون أن يراها الناس بوعيهم لأنهم بدلا من ذلك يُشتتون عبر عرض مرئي آخر.
بمعنى آخر، الناس ستقيم رؤية بصرية بشكل سلبي حينما تقترن بصورة نيغاتيف أو نوع من الصور يدفعك برغبة أقل في مشاهدتها (مثلا صورة وجه غاضب)، رغم عدم وعي الناس برؤية هذه الصور فالتعرض لها لديه تأثير على سلوكهم واختياراتهم.
المشاكل والزلات المحتملة
في علم النفس المعرفي، الباحثون ركزوا على الخصائص التلقائية والضمنية لوصف الأشياء التي نسبت سابقا للا وعي.
وفقا لهذا النهج، هناك العديد من الوظائف المعرفية التي تحدث خارج الوعي، وقد لا يدعم هذا البحث تصور فرويد للعقل الباطن أو اللاوعي، لكنه يقدم دليلا على أن الأشياء التي لا نعيها، قد تؤثر على السلوك بشكل مستمر.
(المشهد)