في يوليو عام 2022، قضت المحكمة الإدارية الفرنسية العليا بحظر ارتداء ملابس السباحة التي تغطي الجسم بالكامل، بما في ذلك البوركيني، في حمامات السباحة العامة في مدينة غرونوبل، وأيدت أمرا سابقا أصدرته محكمة أدنى.
صوت مجلس مدينة غرونوبل لصالح السماح باستخدام البوركيني في 16 مايو، مما أثار احتجاجات من السياسيين المحافظين واليمينيين المتطرفين الذين قالوا إن هذه الخطوة ستقوض مبدأ العلمانية في فرنسا.
وقال مجلس غرونوبل، في بيان عقب نشر الحكم، "إن البلدية تأسف لأن مجلس الدولة يُنسب إليها نوايا ليست لديها". وقالت إن "هدفها الرئيسي هو ضمان معاملة متساوية لجميع مستخدمي المسابح".
واحتدم الجدل حول البوركيني في فرنسا منذ عام 2016، حينما ألغت السلطات الفرنسية حفلة خاصة في مارسيليا أقيمت في حديقة مائية، تمت فيها دعوة النساء لارتداء لباس بحر يغطي الجسم والشعر.
حظّر مرسوم صدر العام نفسه في مدينة كان الفرنسية، ارتداء الملابس الدينية أو البوركيني على الشواطئ. مما أدى إلى اندلاع معركة قانونية بين من يُدرج ذلك ضمن "الإسلاموفوبيا" وبلدية المدينة. بعدها بأسبوعين اتخذت بلدية سيسكو في كورسيكا قرارا مشابها.
الحظر غير موجود في جميع أنحاء البلاد، لكنه محظور في العديد من حمامات السباحة العامة. بدوره عبر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درمانان، في أكثر من تصريح له، عن رفضه لارتداء البوركيني، معتبرا الزي "استفزازي"، ويتعارض مع قيم العلمانية الفرنسية.
من الشواطئ الفرنسية والمتنزهات المائية الأوروبية إلى ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية الأولمبية، أثارت ملابس السباحة المحتشمة أو البوركيني جدلا واسعا، و لا يزال يُشعل حرارة البعض كل صيف.
فما هو البوركيني؟ ما تاريخ الجدل المثار حوله؟ من صنع البوركيني؟ وما استخداماته؟
تسمية البوركيني
يُعدّ البوركيني لباس سباحة للنساء. يغطي الجسم كله باستثناء الوجه. تساعد هذه البدلة على تغطية الجسم بالكامل أثناء السباحة. يبدو وكأنه بذلة غوص مع قبعة السباحة. لذا فالبوركيني مقاوم للماء يجف بسرعة ويحمي المرأة من الأشعة فوق البنفسجية. يُصنع من نفس المواد التي تصنع منها ملابس ركوب الأمواج.
وفي تعريف قاموس كامبريدج للمصطلح، ذُكر أن البوركيني هو عبارة عن ملابس مخصصة للسباحة وخصوصا للمرأة، ويتكون من قطعة أو أكثر ويغطي كامل الجسم ماعدا الوجه، اليدين، والقدمين، والمرادف لمعنى الكلمة هو ملابس سباحة أو ملابس رياضية.
يتكون البوركيني من مزيج بين كلمتي البرقع والبيكيني. والبرقع لباس شرعي يغطي الحسم والوجه واليدين، إلا أن البوركيني قد يغطي الشعر لكن لا يغطي الوجه واليدين والقدمين.
يدخل البوركيني ضمن الملابس المحتشمة التي صممت خصيصا للنساء اللاتي تردن تغطية الجسم بالكامل، وتظهرن أنيقات في الوقت نفسه ولا تفضلن لباس البيكيني.
ويتكون البوركيني من قطعة واحدة وتنورة قصير أو قطعتين مكونتين من سروال وتونيك طويل. ويُصنع غالبا من قماش ليكرا، حيث يكون قابلا للمط ويجف بسرعة بعد الخروج من المياه. كما يسمع بالسباحة للمحجبات بسهولة. عند الشراء يجب الانتباه إلى جودة القماش لتكون ممتازة، وإلا سيتم الاستغناء عن البوركيني من أول نزول في المياه.
يجب أن يكون التواجد في الماء تجربة سلسة وخالية من العوائق لا يشوبها وزن ملابس السباحة المترهلة. تستخدم البوركيني تصميما مبتكرا لتكون المرأة خفيفة الوزن عندما تكون في الماء، وسوف تجف في لحظة عندما تكون بالخارج. علاوة على ذلك، يحمي القماش من الأشعة فوق البنفسجية ويحمي من حروق الشمس أثناء وجود الشخص بالخارج.
وتعتبر حليمة عدن أول عارضة أزياء محجبة ترتدي البوركيني. ظهرت في إصدارها السنوي من ملابس السباحة في ملابس السباحة، والتي تغطي الجسم بالكامل باستثناء الوجه واليدين والقدمين.
وتقول حليمة عدن على حسابها في إنستغرام إن "النوع المناسب من ملابس السباحة يظهر مدى ثقتك بنفسك بينما يسمح لك باستعراض أسلوبك الفريد الذي تشعر فيه براحة أكبر، وقد يتوافقان كلا من البيكيني والبوركيني مع راحتك".
أسعار البوركيني
ويعتمد سعر البوركيني على العديد من العناصر. بداية على المواقع والعلامات التجارية، فسعر البوركيني متنوع للغاية. بشكل عام يتراوح السعر بين 30 و150 دولارا تقريبا. يبلغ متوسط سعر ملابس السباحة البوركيني حوالي 80 دولارا.
تاريخ البيكيني
لم يكن البيكيني أول زي لملابس السباحة. في اليونان القديمة والعصر الروماني، كانت النساء يرتدين قمصانا وسراويل داخلية للمشاركة في البطولات الرياضية، كما يوضح ذلك فسيفساء فيلا كاسال الرومانية. بينما في العصر الفيكتوري، أثناء ظهور المنتجعات البحرية، كانت الملابس المغطاة مفضلة للشاطئ مثل البوركيني، حيث تظهر صور قديمة نساء يرتدين فساتين طويلة وبنطلونات تتأرجح في الأمواج.
ولكن خلال النصف الأول من القرن العشرين، تقلص طول القماش في ملابس السباحة بشكل كبير. ولم يخل هذا التغيير من الجدل، فاعتقلت السباحة الأسترالية أنيت كيليرمان في بوسطن عام 1907 بتهمة "الفحش"، لارتدائها ملابس سباحة ضيقة، رغم أنها كانت تغطيها من رقبتها حتى أصابع قدمها. في عام 1913، أطلق المصمم كارل جانتزن قطعتين تتكونان من شورت وصدرية ضيقة، وكانت موضع جدل أيضا.
في حلول الثلاثينيات من القرن الماضي، كُشف عن أجزاء أكثر في الجسم. في هوليوود منذ عام 1934، مُنع عرض ملابس السباحة التي تظهر السرة على الشاشة. في عام 1946، قُدم أول بيكيني في باريس. لقد صدم العالم بأسره، حتى أنه حُظر في فرنسا وعلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط الأخرى في عام 1949.
واسم بيكيني، هو في الأساس اسم جزيرة في المحيط الهادئ من مجموعة جزر مارشال، اشتهرت من خلال أول اختبار للقنبلة الذرية أجرته البحرية الأميركية في عام 1946. واعتمد هذا الاسم بعد فترة وجيزة في فرنسا لبدلة سباحة نسائية.
كما البوركيني حُظر البيكيني في العديد من الشواطئ إلى غاية خمسينيات القرن الماضي. رغم الحظر ستستمر شعبية البيكيني في النمو منذ سبعينيات القرن الماضي، مع ظهور نوع أقمشة جديدة وترويج المشاهير له. فيما يلي تواريخ مهم لتطور لباس السباحة النسائي:
- العصر الحجري الحديث: ارتدت النساء في كاتالهويوك، في تركيا الحالية، أول ملابس تشبه البيكيني حوالي 7000 قبل الميلاد.
- 1400 قبل الميلاد: في اليونان القديمة كانت النساء الرياضيات يرتدين ملابس صغيرة من قطعتين.
- 300 ميلادية: فسيفساء فيلا ديل كاسال، في صقلية، تقدم نساء يرتدين سراويل داخلية قصيرة وضمادة على الصدر.
- القرن التاسع عشر: تخفي النساء أجسادهن في لباس سباحة من 3 قطع يشبه البوركيني.
- 1907: ترتدي السباحة والكوميدية الأسترالية أنيت كيليرمان بدلة سباحة من دون أكمام، مما سيعرضها لدفع غرامة مالية في بوسطن بالولايات المتحدة. ثم ستشهد السنة نفسها إطلاق موضة السباحة في قطعة واحدة.
- 1932: صمم الفرنسي جاك هايم أول ملابس سباحة من قطعتين، تتكون من سراويل قصيرة عالية الخصر تخفي السرة.
- 5 يوليو 1946: عرض البكيني الأول، مع سراويل داخلية قصيرة أسفل السرة، خلال عرض أزياء لمنتجات الاستحمام في باريس.
- 1949: حظر البيكيني على شواطئ فرنسا وكذلك فى بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا.
- 1953: صُوّرت الفنانة الفرنسية بريجيت باردو تلبس البيكيني على شاطئ كارلتون في مهرجان كان السينمائي.
- 1967: %67 من الشابات الأميركيات يعتمدن البكيني حسب مجلة تايم الأميركية.
- 2003: تصميم البوركيني وانتشاره في عدد من البلدان العربية والأجنبية.
- 2016: حظر البوركيني في عدد من المدن الأوروبية والسماح فقط للنساء بالسباحة بالبيكيني.
نشأة البوركيني
في عام 2004، صممت الأسترالية من أصل لبناني عايدة زناتي البوركيني بغرض نفعي وتجاري وليس إيديولوجيا. حيث خطرت لها الفكرة حينما كانت تنظر إلى ابنة أختها الصغيرة تلعب كرة السلة. وهي تكافح مع حجابها وبدلتها الرياضية. وقالت لصحيفة لوموند الفرنسية: "أجريت بعض الأبحاث ولم أجد ملابس مناسبة للمرأة الرياضية المحتشمة".
أنشأت شركتها Ahiida، وبدأت في تسويق علامتها التجراية "BURKINI" في أستراليا وفي العديد من البلدان الأخرى. كانت تضع في اعتبارها رفاهية النساء اللواتي يرتدين الحجاب لكن كان هناك اعتبارات تجارية أيضا. تقول صاحبة المشروع إنه سرعان ما تم بيع "أكثر من 500 ألف ثوب سباحة" خلال عشرات السنين. في عام 2016 فقط، ارتفعت مبيعاتها بنسبة 40٪.
أنتجت شركتها أزياء مماثلة لزي البوركيني لا تغطي الشعر، موجهة أساسا للنساء اللواتي يرغبن ببساطة في حماية أنفسهن من الشمس. وأكدت المصممة العربية أن ملابس السباحة التي تنتجها أخف من البرقع ولها قطعتان مثل البكيني لذا أطلقت عليها مصطلح "البوركيني".
ما هو المايوه البوركيني؟
يطلق المايوه على ملابس السباحة المكونة من قطعة واحدة. استخدم مصطلح "مايوه" Maillot لأول مرة لوصف ملابس السباحة المكونة من قطعة واحدة في عشرينيات القرن الماضي. وتعود ملابس السباحة ذات القطعة الواحدة إلى عام 1850، حينما كانت الطبقة الأرستقراطية الفرنسية تحب السباحة.
في القرن التاسع عشر كان هناك من يرى أن ملابس السباحة نفسها كانت رمزا لتحرير المرأة، بينما رآها البعض تحمل أوامر هيمنة الذكور على أجساد الإناث.
بيكيني، مونوكيني، تريكيني وبوركيني، جميعها تشير إلى مايوه السباحة لكن الاختلاف في عدد أو طول القطعة المكونة للزي. لكن بحسب المؤرخة الفرنسية أودري ميليت فإن جميع هذه الملابس ذات بعد سياسي أكثر منه نسوي. تاريخ هذه السنتيمترات المتفاوتة من القماش هي نتاج لواقع سياسي معين.
فمثلا في فرنسا، البوركيني يثري خطابات اليمين واليمين المتطرف اللذان طالبا أكثر من بمزيد من "الرقابة"، بموجب قانون، على ارتداء البوركيني في حمامات السباحة.
البوركيني في أوروبا
بعد 100 عام من عمره فقد البيكيني جدله، عندما انتقلت الأعين إلى البوركيني خلال صيف 2016، ليضع ملابس السباحة في قلب الجدل السياسي والاجتماعي. والمشكلة عند البعض أن البوركيني، حتى لو كانت ترتديه أيضًا النساء اللواتي لا يرغبن في الكشف عن أجسادهن أو حماية أنفسهن من الآثار الضارة للشمس على الجلد أثناء الاستمرار في الاستحمام، وترتديه في الغالب لأسباب دينية.
بما أن هذا الزي يترك الوجه مكشوفا، فإنه لا يتعارض مع قانون حظر النقاب في الأماكن العامة. لذلك فإن طبيعتها الدينية وحدها لا يمكن أن تبرر من حيث المبدأ حظرها.
فرنسا
ومع ذلك، فإن فكرة "الإخلال بالنظام العام" قد طرحها بعض رؤساء البلديات في دول أوربية، مثل مدينة كان الفرنسية، لتبرير الحظر. ينص مرسوم كان على ما يلي: "تحظر ملابس البحر التي تدل بوضوح على الانتماء الديني".
صُدق على هذا النص من قبل المحكمة الإدارية، لكن هذا القرار على الأرجح لا يعني نهاية الجدل القانوني حول البوركيني في فرنسا، بينما لا تزال الإجراءات الأخرى جارية.
يمكن أيضا حظر البوركيني في المؤسسات الخاصة أو العامة بحجة النظافة. يعتبر البعض أنه على الرغم من أن الزي مناسب للسباحة، إلا أنه يمكن ارتداؤه في الخارج، وبالتالي يمكن استبعاده من شورتات السباحة.
بريطانيا
في بريطانيا الوضع مختلف مقارنة بفرنسا. في عام 2016 قالت المتحدثة باسم الحكومة إنه لا يوجد حظر على ارتداء البوركيني في الأماكن العامة. وأكدت الحكومة حينها على دعم حقوق الأفراد التي تُعدّ من مبادئ الدولة، ومن ضمن هذه الحقوق الحق في اختيار اللباس المناسب لثقافة الشخص ما دام لا يتعدى على حقوق الآخر.
النرويج
في عام 2009 أعلنت سلطات أوسلو أنه يمكن للنساء الذهاب إلى منتجعات السباحة العامة بلباس البوركيني، لكن فرضت شرطا واحدا، وهو دخول المياه بملابس نظيفة مصممة للاستحمام.
حصص السباحة أساسية في مدارس النرويج، لذلك دعت إدارة المدارس الوالدين إلى شراء البوركيني لبناتهم وعدم حرمانهن من هذه الرياضة، لأن ملابس البكيني لا تتناسب مع تقاليدهم أو معتقداتهم.
النمسا
قبل سنوات عدة، صدر في النمسا مرسوم يمنع النساء المسلمات من ارتداء البوركيني في حمامات السباحة لكونه "ملابس غير آمنة". لم تكن النمسا متشددة على البوركيني فحسب، بل دعت السياسيين إلى حظر ارتداء النقاب والحجاب في الأماكن العامة.
إيطاليا
غرامة قدرها 500 يورو، هي عقوبة أي امرأة تظهر بالبوركيني في حمامات السباحة في إيطاليا أو على شواطئها، التي تحظر البوركيني منذ عام 2009.
بلجيكا
أشار رئيس بلدية "أنتويرب" إلى البوركيني على أنه "خيام" يمكن ارتداؤها بعد صدور قرار بحظرها قبل عدة سنوات، مما أثار احتجاجات من قبل النساء المسلمات.
ألمانيا
حظرت ألمانيا ارتداء البوركيني على الشواطئ لفترة طويلة، لكن قبل 3 سنوات ألغت محكمة ألمانية الحظر المفروض على ارتداء البوركيني في حمامات السباحة في كوبلنز، بعدما رفعت امرأة مسلمة دعوى قضائية ضد الحظر.
سويسرا
في عام 2017، أقرت مدينة جنيف السويسرية قانونا يلزم السباحين بارتداء ملابس سباحة لا تنخفض عن الركبة وإبقاء ذراعي السباح مكشوفتين. قوبل القانون باحتجاجات عمت أرجاء البلاد.
الجدل حول البوركيني لا يقتصر على الدول الأوروبية وإنما ينتشر حتى في بعض الدول العربية خصوصا في الصيف. في عام 2014، فرضت بعض مسابح المغرب حظرا على ملابس السباحة الطويلة بسبب مشاكل تتعلق بالنظافة.
قضية البوركيني تحمل تناقضا بين "الجسد المغطى" باعتباره مقيدا، و"الجسد العاري" باعتباره حرا: البوركيني والبيكيني يمثلان قياس حرية المرأة في أوروبا المعاصرة. يتساءل البعض هل البيكيني يعني بالضرورة حرية المرأة؟ وهل البوركيني بالضرورة يمثل رمزا للتطرف؟
من المهم عدم الخلط بين الحجج المؤيدة والمعارضة للبوركيني ،مع الحجج المؤيدة للحجاب والمعارضة له، وهو شكل آخر مثير للانقسام من الملابس الدينية التي يسمح بارتدائها في معظم الدول الغربية. ولكنه يثير الغضب عند حدوث هجمات إرهابية في العالم لكنه ليس مبررا.
وبناء على ما سبق، فالبوركيني ليس مجموعة جديدة من ملابس السباحة والأزياء، وفي الوقت نفسه ليس زي السباحة الوحيد الذي أثار جدلا في الرأي العام.
من جهة أخرى ليس من قيم الحرية إخبار النساء بالملابس التي يمكنهن أو لا يمكنهن ارتداؤها ما دامت لا تشكل خطرا على الآخر.
(المشهد)