تحول ميكيل ميرينو إلى أحد أبرز عناوين منتخب إسبانيا في كأس العالم 2026، بعدما فرض نفسه بطلاً غير متوقع في مشوار "لا روخا" نحو الدور نصف النهائي، بفضل أهداف حاسمة سجلها رغم مشاركاته المحدودة، ليصبح الورقة الرابحة التي يعتمد عليها المدرب لويس دي لا فوينتي قبل المواجهة المرتقبة أمام فرنسا.
وفي مقابلة مطولة مع صحيفة "ماركا" الإسبانية، استعرض ميرينو تفاصيل رحلته الاستثنائية من الإصابة القاسية التي كادت تحرمه من المشاركة في المونديال، إلى التحول إلى أحد أكثر لاعبي البطولة حسماً، متحدثاً عن فلسفته داخل الملعب، وأسباب نجاحه كلاعب بديل، واستعداده لمواجهة كيليان مبابي ورفاقه في نصف النهائي.
رحلة قاسية من الإصابة إلى كأس العالم
أكد ميرينو أن مجرد وجوده مع المنتخب الإسباني في كأس العالم يمثل بالنسبة إليه انتصاراً شخصياً قبل أي شيء آخر، بعدما عاش فترة وصفها بأنها الأصعب في مسيرته بسبب الإصابة الخطيرة التي تعرض لها في القدم مطلع العام.
وأوضح أنه أمضى نحو شهرين غير قادر على ملامسة الأرض بقدمه، وكان يعتمد على الآخرين في أبسط تفاصيل حياته اليومية، قائلاً: "أتذكر نفسي وقدمي مرفوعة ومتورمة بالكامل، وأعاني من الألم، ولم أكن أستطيع حتى الوقوف لإحضار كتاب، بل كنت أطلب المساعدة في كل شيء. شهران دون أن أضع قدمي على الأرض كانا طويلين للغاية، ولذلك فإن مجرد وجودي هنا يجعلني أقدر كل لحظة أعيشها".
وأشار إلى أن تلك التجربة غيّرت نظرته لكرة القدم والحياة، وجعلته يدرك قيمة العودة إلى الملاعب والمشاركة في بطولة بحجم كأس العالم.
البديل الذهبي
رغم أنه لم يحظ بوقت طويل داخل المستطيل الأخضر، فإن ميرينو أصبح أحد أكثر اللاعبين تأثيراً في البطولة، بعدما سجل هدف الفوز أمام البرتغال بعد دقائق قليلة من مشاركته، قبل أن يكرر السيناريو ذاته بإحراز هدف قاتل أمام بلجيكا في الدقيقة 88 من مباراة ربع النهائي.
وأرجع لاعب الوسط الإسباني هذه الفاعلية الكبيرة إلى العقلية التي تربى عليها، مؤكداً أنه لا يهتم بعدد الدقائق التي يشارك فيها بقدر اهتمامه بتقديم الإضافة للفريق.
وقال: "قد يرغب أي لاعب في خوض المباراة كاملة، لكن عندما لا يحدث ذلك، يجب أن تحاول تقديم أكبر فائدة ممكنة في أقل وقت. إذا رأى المدرب أن مصلحة الفريق تقتضي أن أبدأ على مقاعد البدلاء، فعليّ أن أتقبل القرار. لا فائدة من الغضب، وإذا منحني 5 دقائق فقط، فيجب أن أستغلها بأفضل صورة".
وتعكس أرقامه في البطولة حجم هذا التأثير، بعدما سجل هدفين في آخر مباراتين رغم مشاركته لدقائق معدودة، مع نسبة تمريرات ناجحة بلغت 100% في كلتا المباراتين.
الذكاء التكتيكي.. سلاحه أمام المنافسين
ويرى ميرينو أن سر تميزه لا يكمن في السرعة أو القوة البدنية، وإنما في قراءة تفاصيل المباراة واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة.
واستعاد تفاصيل الهدف الذي سجله أمام البرتغال، موضحاً أنه استغل انشغال البرتغالي برناردو سيلفا بالاحتجاج على الحكم وعدم انتباهه لسير اللعب، ليقرر تنفيذ الكرة بسرعة مباغتة.
وقال: "لست سريعاً مثل كيليان مبابي، لذلك أحاول تعويض ذلك بالتفكير أكثر داخل الملعب. أحاول أن أجعل قراءة اللعب واحدة من نقاط قوتي، لأن كرة القدم لا تعتمد فقط على السرعة".
وأضاف أن اتخاذ القرار الصحيح في أجزاء من الثانية قد يكون أكثر أهمية من امتلاك المهارات البدنية وحدها.
إشادة بمبابي وثقة قبل مواجهة فرنسا
وعن المواجهة المنتظرة أمام فرنسا، وصف ميرينو كيليان مبابي بأنه أحد أفضل لاعبي العالم، مشيراً إلى أنه يمتلك السرعة والقوة والقدرة على حسم المباريات الكبرى.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن منتخب إسبانيا يملك بدوره عناصر قادرة على صناعة الفارق، مؤكداً أن مفتاح الانتصار سيكون في فرض شخصية المنتخب الإسباني والسيطرة على مجريات اللقاء.
وقال: "مبابي لاعب من النخبة، وصنع للمباريات الكبيرة، لكننا نمتلك أيضاً لاعبين بجودة هائلة. علينا أن نبقى أوفياء لأسلوبنا، وأن نفرض سيطرتنا على المباراة، مع أعلى درجات التركيز في المواجهات الفردية".
وأكد أن الترشيحات المسبقة لا تعني شيئاً في الأدوار الإقصائية، حيث تحسم التفاصيل الصغيرة مثل هذه المباريات.
لاعب يعيد تعريف أدوار خط الوسط
وبات ميرينو يحظى بإشادة واسعة من كبار المدربين والمحللين في إسبانيا، الذين يرون أنه واحد من أكثر لاعبي الوسط اكتمالاً في الكرة الأوروبية حالياً.
وأكد مدرب خيتافي خوسيه بوردالاس أن ميرينو يمتلك فهماً استثنائياً للعبة، ويعرف متى يهاجم ومتى يدافع ومتى يمنح الفريق التوازن، معتبراً أنه لا يحتاج إلى مركز ثابت لأنه ينجح في تطوير أي مركز يشغله.
بدوره، يرى دافيدي أنشيلوتي؛ نجل مدرب البرازيل كارلو أنشيلوتي، أن أفضل نسخة من اللاعب حالياً هي عندما يؤدي دور المهاجم الوهمي، بعدما أثبت امتلاكه حساً تهديفياً استثنائياً وقراءة مثالية لتحركات الكرة داخل منطقة الجزاء.
أما لويس دي لا فوينتي، مدرب منتخب إسبانيا، فوصفه بأنه لاعب متكامل يستطيع أداء أدوار لاعب الارتكاز وصانع الألعاب ولاعب الوسط المتقدم وحتى رأس الحربة، مؤكداً أنه يمتلك فهماً استثنائياً لكل تفاصيل المباراة، وأنه كان يفكر بالفعل في الدفع به مهاجماً أساسياً أمام بلجيكا.
العائلة.. مصدر القوة في أصعب اللحظات
ورغم النجومية التي يعيشها حالياً، يؤكد ميرينو أن عائلته كانت العامل الأهم في عودته إلى الملاعب بعد الإصابة.
وأوضح أن وجود ابنه الصغير إلى جانبه في معسكر المنتخب يمنحه شعوراً مختلفاً، حتى وإن كان الطفل لا يدرك بعد قيمة ما يحدث.
وقال: "عائلتي كانت سندي الحقيقي خلال أصعب فترات الإصابة. كانوا يمنحونني الطاقة والدعم باستمرار، ويقولون لي: انطلق، أنت الأفضل. لذلك فإن كل ما أحققه الآن يحمل قيمة أكبر بالنسبة إليهم ولي".
واختتم نجم منتخب إسبانيا حديثه بالتأكيد على أنه لا ينوي التوقف عند ما حققه حتى الآن، معتبراً أن تسجيل الأهداف في كأس العالم أمر بالغ الصعوبة، لكنه يؤمن بأن عقلية الرياضي الحقيقي تقوم دائماً على البحث عن الإنجاز التالي، قائلاً: "لا تعتادوا على ذلك، لأن التسجيل في كأس العالم ليس سهلاً، لكن يجب أن تكون لدى كل رياضي رغبة دائمة في تحقيق المزيد".
(المشهد)