نجح نادي أرسنال في إنهاء فترة الانتظار لتحقيق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز "بريميرليغ" بعد غياب دام 22 عامًا، وذلك بعد تعثر مانشستر سيتي أمام بورنموث في فخ التعادل وتحقيق فريق المدرب ميكيل أرتيتا، فوز صعب يوم الاثنين على حساب بيرنلي بهدف نظيف.
وظهرت مفارقة ساخرة في الطريقة التي بنى بها المدرب ميكيل أرتيتا فريقه البط، حيث لم يعتمد على المثالية وأسلوب اللعب الجمالي الذي ارتبط به النادي تاريخيًا، سواء في السنوات الأولى لأرتيتا أو في حقبة المدرب آرسين فينغر، بل من خلال الواقعية الصارمة والاعتماد على السلاح الفتاك، وهو الكرات الثابتة.
أرسنال يتخلى عن أسلوب اللعب الجمالي
وقد أصبحت كفاءة أرسنال العالية في استغلال الكرات الثابتة، للتغلب على الإصابات التي ضربت خط الهجوم والتكتلات الدفاعية العنيدة للمنافسين، حيث شكلت أفكار المدرب المُساعد، نيكولاس خوفر، حجر الزاوية لقدراتهم التهديفية هذا الموسم، ليتحول أرسنال إلى فريق عنيد ومُمل من وجهة نظر منافسيه.
ولا يعني ذلك أن أرسنال تخلّى تمامًا عن الأفكار الهجومية ككل، لكن هذا التحول الطفيف فرضته الظروف عندما واجه فرقًا تتكتل في الدفاع ولا تمنحهم سوى مساحات ضيقة للغاية لممارسة سحرهم داخل ومنطقة الجزاء.
وبعد إنهاء الدوري في المركز الـ2 في 3 سنوات متتالية، أدرك أرتيتا أن الأمور يجب أن تتغير إذا أرادوا وضع أيديهم على الكأس للمرة الأولى منذ أن غزا فريق "اللاهزيمة" بقيادة أرسين فينغر إنجلترا في موسم 2003-2004. ومع ذلك، لم يغير المدرب الإسباني هوية النادي بقدر ما قام بتوسيع وتنويع أسلحته الهجومية.
لقد كان الفريق يسجل الأهداف من اللعب المفتوح كما يشاء في دوري أبطال أوروبا، حيث كانت المباريات أكثر انفتاحاً، لكن الدوري الإنجليزي الممتاز فرض نوعًا مختلفًا من التحديات.
وفي هذا الصدد، قال أرتيتا في مارس الماضي: "أود أن ألعب بـ3 لاعبين إضافيين في نصفيّن من الملعب لتقديم كرة قدم جميلة، لكن هذه ليست حقيقة كرة القدم الحالية".
وأضاف: "إذا كنت تريد مشاهدة هذا النوع من كرة القدم، فعليك الذهاب إلى بلد آخر، لأن هذا ليس هو الحال في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال الموسمين أو الـ3 مواسم الماضية".
أرقام قياسية تاريخية في الكرات الثابتة
من خلال وضع ثقته في مدرب الكرات الثابتة لنادي أرسنال، نيكولاس جوفر، اكتشف أرتيتا شيئًا أقل رومانسية ولكنه ربما كان أكثر حسمًا بل أيضا هو سلاح فتاك بكل المقاييس، فالأرقام لا تكذب.
تقول الأرقام إن أرسنال سجل هذا الموسم 24 هدفًا من كرات ثابتة في الدوري الإنجليزي الممتاز، محطماً بذلك الرقم القياسي للفرق المتوجة باللقب، والذي كان مسجلاً باسم مانشستر يونايتد في موسم 2012-2013.
ووفقاً للمحللين الإحصائيين في شبكة "أوبتا"، فإن أهدافهم الـ 18 التي جاءت من ركلات ركنية تجاوزت الرقم القياسي السابق لأي فريق في موسم واحد من الدوري الإنجليزي الممتاز.
كما سجلوا أعلى نسبة أهداف من الكرات الثابتة بنسبة بلغت (36%) من بين جميع الأبطال التاريخيين، مما يفسر الجدل المحتدم حول "فوز أرسنال القبيح".
وعندما سُئل أرتيتا عن اعتماد أرسنال الكبير على أهداف الكرات الثابتة، أجاب دون أي شعور بالذنب قائلًا: "أنا مستاء لأننا لم نسجل المزيد منها!".
فوضى عارمة داخل منطقة الجزاء
أصبح مشهد احتفال لاعبي أرسنال بالحصول على ركلة ركنية مصدراً للقلق والذعر للمنافسين، في حين أتقن فريق أرتيتا فن خلق "فوضى عارمة" داخل منطقة الجزاء في اللحظة التي يرفع فيها ديكلان رايس أو بوكايو ساكا أيديهم قبل إرسال كرة عرضية متقنة.
وتم تنفيذ خطط الكرات الثابتة بدقة متناهية باستخدام لاعبين كـ "طُعم" وآخرين لعمل حواجز (بلوكات) لإرباك المدافعين وحراس المرمى، إلى جانب لمسة من "الفنون المظلمة" (الخبث الكروي الذكي) التي كانت خفية ودقيقة بما يكفي لتفلت حتى من حسم أعين حكام تقنية الفيديو (VAR).
هذا التحول أعاد أيضًا تشكيل أرسنال من الناحية البدنية، حيث أصبح الآن فريقًا مهيبًا يمتلك هيبة واضحة يلاحظها الخصوم حتى في النفق المؤدي للملعب أثناء اصطفاف الفريقين قبل انطلاق المباريات.
ويعد هذا تحولاً جذرياً مقارنة بالفترات الهشة لأرسنال في السنوات الأولى لفينغر على استاد الإمارات، عندما كانوا يُهزمون ويُستغلون بدنيًا بسهولة داخل منطقة الجزاء والدليل على ذلك أن أرسنال لم تُحتسب ضده أي ركلة جزاء ولم يُطرد أي لاعب من الفريق خلال الموسم مما يدل على شدة التركيز من جميع اللاعبين في الملعب.
الآن، يندفع لاعبون مثل غابرييل نحو الكرة دون أي مبالاة بسلامتهم الشخصية، في حين يضفي يوريان تيمبر والعملاق ويليام ساليبا ومتوسط الميدان ميكيل ميرينو، مزيجًا من التهديد والسطوة الدفاعية.
ولأن سباقات اللقب يمكن أن تحسمها لحظات فارقة في المباريات، فلا عجب أن أرسنال حطم أيضًا الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف الحاسمة للفوز بالمباريات والتي سُجلت من ركلات ركنية في موسم واحد، وذلك منذ شهر مارس الماضي.
ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الأسلوب قادراً على تحقيق النجاح على الساحة الكبرى، حيث يستعد أرسنال لمواجهة باريس سان جيرمان في نهائي دوري أبطال أوروبا، والذي سيكون الاختبار النهائي للاستراتيجية الصارمة والفعالية الباردة التي ميزت موسمهم التاريخي.
(رويترز)