تستعد كرة القدم الإفريقية لدخول مرحلة جديدة مع إطلاق بطولة دوري الأمم الإفريقية، التي يخطط الاتحاد الإفريقي لكرة القدم "كاف"، لإقامتها بمشاركة منتخبات القارة الـ54، ضمن إعادة هيكلة واسعة لروزنامة مسابقات المنتخبات خلال السنوات المقبلة.
وتستمد البطولة الجديدة فكرتها من دوري الأمم الأوروبية، لكنها تعتمد نظامًا إقليميًا يضع المنتخبات المتجاورة في مواجهات مباشرة ومتكررة، قبل انتقال أبطال المناطق إلى مرحلة نهائية تحدد بطل القارة، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات قوية بين منتخبات شمال إفريقيا، وفي مقدمتها مصر والمغرب والجزائر وتونس.
وعاد الحديث عن المسابقة المُستحدثة خلال الأيام الأخيرة، بعد أن أثار النظام المقترح حالة واسعة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل المخاوف من أن تؤدي كثرة المواجهات الإقليمية إلى زيادة حدة المنافسات الجماهيرية، خصوصًا في شمال إفريقيا الذي يضم عددًا من أكثر الخصومات الكروية حساسية في القارة.
وفي السطور التالية، نستعرض كل ما تريد معرفته عن بطولة دوري الأمم الإفريقية، وموعد انطلاقها ونظامها وأسباب استحداثها وعلاقتها بكأس أمم إفريقيا، إلى جانب أبرز التساؤلات التي لم يحسمها "كاف" حتى الآن.
ما هي بطولة دوري الأمم الإفريقية؟
دوري الأمم الإفريقية مسابقة جديدة للمنتخبات أعلن عنها باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، خلال ديسمبر 2025، ضمن خطة لإعادة تنظيم مسابقات القارة وتوفير مباريات تنافسية بصورة منتظمة لجميع الاتحادات الأعضاء.
وتشبه البطولة في فكرتها دوري الأمم الأوروبية، إذ تهدف إلى استبدال جزء من المباريات الودية بمواجهات رسمية، مع منح المنتخبات فرصة خوض مباريات ذات قيمة تنافسية وتسويقية أكبر.
ومن المقرر أن تضم المسابقة جميع منتخبات الاتحادات الوطنية الـ54 المنضوية تحت مظلة "كاف"، على أن تبدأ المنافسات في مجموعات إقليمية قبل انتقال المتأهلين إلى نهائيات قارية تحدد البطل.
ووصف موتسيبي المشروع بأنه فرصة لإقامة منافسة إفريقية كبيرة كل عام، مع ضمان مشاركة أبرز اللاعبين الأفارقة المحترفين في الدوريات العالمية خلال فترات التوقف الدولي المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
متى تنطلق دوري الأمم الإفريقية؟
من المنتظر إطلاق النسخة الأولى من دوري الأمم الإفريقية عام 2029، بعد دخول النظام الجديد لكأس أمم إفريقيا حيز التنفيذ.
ويخطط "كاف" لإقامة المرحلة الإقليمية خلال فترتي التوقف الدولي في سبتمبر وأكتوبر من كل عام، بينما تُلعب المرحلة النهائية خلال نوفمبر في دولة واحدة.
وكان موتسيبي قد أشار عند الإعلان الأول عن البطولة إلى استخدام فترات التوقف الدولي في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، مع تخصيص فترة قد تصل إلى 17 يومًا لإقامة منافساتها.
ولا يزال الاتحاد الإفريقي مطالبًا بالكشف عن الجدول التفصيلي الكامل، خصوصًا أنّ تلك الفترات تُستخدم تقليديًا في إقامة تصفيات كأس العالم وكأس أمم إفريقيا.
كيف سيكون نظام دوري الأمم الإفريقية؟
تعتمد البطولة المقترحة على تقسيم القارة إلى 4 مناطق جغرافية، هي شمال إفريقيا، وغرب إفريقيا، وشرق إفريقيا، ووسط وجنوب إفريقيا.
ومن المنتظر أن تضم منطقة شمال إفريقيا 6 منتخبات، بينما تضم كل منطقة من المناطق الـ3 الأخرى 16 منتخبًا.
وتتنافس المنتخبات في المرحلة الأولى داخل نطاقها الإقليمي، بدلًا من إجراء قرعة مفتوحة تجمع فرقًا من مختلف أنحاء القارة، على أن يتأهل الفائزون إلى النهائيات القارية.
ويُقام الدور النهائي في مكان واحد خلال نوفمبر، لكنّ "كاف" لم يحسم بصورة واضحة شكل هذه المرحلة، بعدما أشارت التصريحات الأولية إلى أكثر من تصور.
ففي حين تفترض الصيغة المباشرة إقامة نهائيات بمشاركة أبطال المناطق الـ4، تحدث موتسيبي أيضًا عن احتمالية تنظيم حدث نهائي أوسع، من دون توضيح عدد المنتخبات أو آلية التأهل بصورة نهائية.
ويحتاج الاتحاد الإفريقي إلى إصدار لائحة رسمية تكشف عدد المجموعات، وطريقة توزيع المنتخبات، ونظام الصعود والهبوط المحتمل، ومعايير تصنيف الفرق، وعدد المباريات التي يخوضها كل منتخب.
لماذا تثير منطقة شمال إفريقيا جدلا؟
يضع التقسيم الجغرافي منتخبات شمال إفريقيا في مواجهات متكررة منذ المرحلة الأولى، ما يعني احتمالية إقامة مباريات بين مصر والمغرب والجزائر وتونس بصورة منتظمة.
وتحمل مباريات هذه المنتخبات تاريخًا طويلًا من المنافسة، كما تحظى عادة باهتمام جماهيري وإعلامي واسع، وقد تتحول نتائجها سريعًا إلى سجالات حادة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتزايدت هذه المخاوف بعد السجالات التي شهدتها المنصات الرقمية بين جماهير دول شمال إفريقيا خلال كأس العالم 2026، حيث تبادل المشجعون السخرية والانتقادات عقب نتائج المنتخبات المختلفة.
لكنّ النظام نفسه قد يمنح البطولة قيمة جماهيرية وتسويقية ضخمة، لأنّ مباريات مصر والجزائر أو المغرب وتونس أو مصر والمغرب قادرة على جذب نسب مشاهدة مرتفعة واهتمام واسع داخل القارة وخارجها.
لماذا قرر "كاف" إطلاق البطولة الجديدة؟
يرى الاتحاد الإفريقي أنّ دوري الأمم يوفر للمنتخبات مباريات رسمية ومنتظمة، بدلًا من الاعتماد على المواجهات الودية، التي لا تحظى دائمًا بالاهتمام الجماهيري أو العائد التجاري المطلوب.
كما يعتقد موتسيبي أنّ البطولة ستفتح مصادر دخل سنوية جديدة من خلال حقوق البث والرعاية والتذاكر، بما يساعد "كاف" على تمويل مشروعات تطوير البنية التحتية والمسابقات في مختلف الدول الإفريقية.
وقال رئيس الاتحاد الإفريقي عند الإعلان عن المشروع، إنّ المسابقة ستجذب مزيدًا من الأموال والرعاة والشركاء، مستفيدًا من التعاون مع "فيفا" وحضور أبرز اللاعبين الأفارقة المحترفين في أكبر الدوريات.
وأوضح أنّ الإيرادات الجديدة قد تُستخدم لزيادة الجوائز المالية، وتطوير الملاعب، وتحسين البنية التحتية، وضمان إقامة مباريات تنافسية في جميع الدول الإفريقية الـ54.
كما ترتبط الخطوة بمحاولة تحقيق قدر أكبر من التوافق مع الروزنامة الدولية، وتقليل الصدام المستمر بين الأندية الأوروبية والمنتخبات الإفريقية بشأن استدعاء اللاعبين.
ما علاقة دوري الأمم بتغيير موعد كأس أمم إفريقيا؟
جاء الإعلان عن دوري الأمم الإفريقية بالتزامن مع قرار تاريخي بإقامة كأس أمم إفريقيا كل 4 سنوات بدلًا من تنظيمها مرة كل عامين.
وتستمر نسخة 2027، المقررة في كينيا وأوغندا وتنزانيا، وفق الجدول المعتاد، ثم تُقام نسخة أخرى عام 2028، قبل انتقال البطولة إلى النظام الرباعي، لتقام النسخ التالية في 2032 و2036.
وتهدف دوري الأمم إلى تعويض تقليل عدد نسخ كأس الأمم، من خلال توفير بطولة سنوية تمنح المنتخبات مباريات تنافسية وتوفر للاتحاد الإفريقي إيرادات منتظمة.
وكانت كأس أمم إفريقيا تُقام كل عامين منذ انطلاقها عام 1957، لكنّ التوسع إلى 24 منتخبًا منذ نسخة 2019، إلى جانب زيادة عدد المشاركين الأفارقة في كأس العالم، جعلا تنظيمها بهذه الوتيرة أكثر تعقيدًا.
كما أصبحت فترات إقامة البطولة محل خلاف دائم مع الأندية الأوروبية التي تعتمد على عدد كبير من اللاعبين الأفارقة خلال الموسم.
وأوضح موتسيبي أنّ من واجب "كاف" مراعاة مصالح اللاعبين والأندية والمنتخبات، مؤكدًا أنّ وضع اللاعب بين ناديه ومنتخب بلاده في صراع متكرر، ليس أمرًا عادلًا.
هل تحل البطولة مكان كأس أمم إفريقيا للمحليين؟
تشير التصورات المعلنة إلى أنّ دوري الأمم الإفريقية ستأتي على حساب بطولة كأس أمم إفريقيا للمحليين "الشان"، المخصصة للاعبين الذين ينشطون داخل الدوريات المحلية بالقارة.
ويبدو أنّ "كاف" يتجه إلى إلغاء أو استبدال "الشان" ضمن عملية إعادة الهيكلة، خصوصًا أنّ دوري الأمم ستضم أفضل اللاعبين المحترفين والمحليين معًا، وتحظى بأولوية أكبر في الروزنامة والرعاية.
لكنّ هذه الخطوة تثير مخاوف تتعلق بفقدان بطولة كانت تمنح اللاعبين المحليين فرصة الظهور الدولي وجذب اهتمام الأندية الخارجية.
كما لم يوضح الاتحاد الإفريقي بصورة رسمية مصير النسخ المقبلة من "الشان"، أو كيفية دعم اللاعبين المحليين بعد اختفاء المسابقة المحتمل.
ماذا سيحدث للبطولات الإقليمية القديمة؟
يطرح النظام الجغرافي الجديد تساؤلات حول مستقبل بطولات المناطق القائمة بالفعل، مثل كأس اتحاد جنوب إفريقيا "كوسافا"، وكأس شرق ووسط إفريقيا "سيكافا"، وبطولات غرب القارة وشمالها.
وقد تجعل دوري الأمم هذه المسابقات أقل أهمية، لأنّ المنتخبات ستخوض بالفعل مواجهات رسمية أمام جيرانها في فترات التوقف الدولي.
ويُحتمل أن تختفي بعض البطولات الإقليمية أو تتحول إلى مسابقات للمنتخبات المحلية والشباب، لكنّ "كاف" لم يعلن حتى الآن خطة واضحة بشأنها.
وتزداد حساسية الأمر بالنسبة إلى بطولات تاريخية مثل كأس "سيكافا"، التي تمتد جذورها إلى عام 1926، ما يجعل إلغاءها أو تهميشها قرارًا يتطلب تنسيقًا واسعًا مع اتحادات المناطق.
كيف ستقام تصفيات كأس العالم وكأس أمم إفريقيا؟
يُعد ازدحام الروزنامة من أكبر الأسئلة التي لم يقدم الاتحاد الإفريقي إجابة واضحة عنها.
فإذا استحوذت دوري الأمم على فترات التوقف في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، فسيكون على "كاف" إيجاد مواعيد بديلة لتصفيات كأس العالم وكأس أمم إفريقيا.
ويتمثل أحد الحلول المحتملة في استخدام نتائج دوري الأمم ضمن مسار التأهل إلى البطولتين، أو منحها دورًا جزئيًا مشابهًا للنظام الأوروبي.
لكنّ هذا التصور قد يزيد تعقيد المسابقة، ويؤثر في العدالة الرياضية إذا اختلفت قوة المناطق وعدد المنتخبات والمباريات بينها.
كما لم يتضح ما إذا كانت دوري الأمم ستقام في أعوام كأس أمم إفريقيا نفسها، أم ستتوقف مرة كل 4 سنوات لإفساح المجال أمام البطولة القارية الكبرى.
هل تنجح البطولة ماليًا؟
يعتمد "كاف" حاليًا بدرجة كبيرة على إيرادات كأس أمم إفريقيا، التي تمثل نحو 80% من موارده، ولذلك يشكل تقليل عدد نسخ البطولة مخاطرة مالية واضحة.
ويراهن موتسيبي على أنّ الإيرادات السنوية لدوري الأمم، ستعوض إقامة كأس الأمم مرة كل 4 سنوات، من خلال زيادة حقوق البث والرعايات والمباريات ذات الجاذبية الجماهيرية.
وقال رئيس "كاف" إنّ النظام الجديد سيساعد الكرة الإفريقية على تحقيق استقلال مالي مستدام، بدلًا من انتظار عائد كأس الأمم كل عامين.
ومع ذلك، لم يقدم الاتحاد الإفريقي أرقامًا تفصيلية بشأن حجم الدخل المتوقع، أو قيمة الجوائز، أو العقود التجارية المرتبطة بالمسابقة.
وتزداد الشكوك بسبب تجربة دوري كرة القدم الإفريقي للأندية، الذي أُطلق بنسخة تجريبية عام 2023 وسط وعود مالية كبيرة، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى بطولة مستقرة ومنتظمة.
ماذا عن جوائز كأس أمم إفريقيا؟
تزامن الإعلان عن دوري الأمم مع الكشف عن زيادة جائزة بطل كأس أمم إفريقيا من 7 ملايين دولار إلى 10 ملايين دولار.
ورغم الزيادة، لا تزال الجائزة أقل من المكافآت التي يحصل عليها أبطال كأس أوروبا وكوبا أميركا.
كما تحدث موتسيبي عن خطط لزيادة جوائز دوري أبطال إفريقيا وكأس الكونفدرالية، لكنه لم يكشف تفاصيل مالية محددة.
ومن المنتظر أن يعلن "كاف" لاحقًا قيمة جوائز دوري الأمم الإفريقية، وطريقة توزيع العائدات على الاتحادات المشاركة وأبطال المناطق والمتأهلين إلى المرحلة النهائية.
(المشهد)
