المال يخنق كرة القدم.. ببطء

آخر تحديث:

شاركنا:
المعركة الحقيقية لم تعد تُحسم على أرضية الملعب بل في سوق الانتقالات (إكس)

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تنافسية محصورة في "مستطيل أخضر" بل تجاوزت الحدود منذ زمن.

المشكلة أنّ ما يدور في الملعب بات بنسبة حاسمة رهنَ ما يُتداول في "بورصة اللاعبين". هذا الرابط آخذ في الرسوخ أكثر فأكثر، سنة بعد أخرى، لأهداف قد لا تكون رياضية فحسب، بل اقتصادية وتسويقية، حتى سياسية أحياناً.

أندية تغيّر جلدتها موسمياً غير آبهة بهوية شكّلتها مجموعة من اللاعبين في الموسم السابق. "لغة الأموال" طاغية بشكل جامح. لا رادع ولا حسيب رغم قوانين تحدد سقوفاً آخذة في مقارعة السماء، وقواعد لعب مالي نظيف تراقب بحدّة وتعاقب بخفّة، فقط لا غير.

اللافت أنّ سوق الانتقالات العالمية الخاصة بالرجال حققت رقماً قياسياً جديداً خلال فترة الانتقالات الصيفية التي أعقبت كأس العالم 2026، فقد تجاوز إجمالي الإنفاق 8.51 مليارات يورو، وفق أحدث بيانات الاتحاد الدولي.

ويمثل الرقم زيادة بنحو 1.5% مقارنة بفترة الانتقالات الصيفية 2025، ليواصل سوق الانتقالات العالمية نموه رغم إقامة كأس العالم خلال الفترة نفسها.

وكان لنجوم مونديال تأثير كبير في هذا النشاط، إذ انتقل أكثر من 260 لاعباً شاركوا في البطولة، من 47 جنسية، إلى أندية جديدة مقابل أكثر من 2.84 مليار.

وحقق "سوق الانتقالات" رقماً قياسياً من حيث عدد الصفقات، مع تسجيل أكثر من 12.5 ألف انتقال، وهو أعلى رقم يُسجل في نافذة صيفية.

ميزانيات حكومية

بات أمراً معتاداً أن تكسر إنجلترا الرقم القياسي على مستوى النافذة الواحدة في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة مع إنفاق أندية الدوري الممتاز 4.1 ملايين يورو.

مبلغ يضاهي ميزانيات حكومية سنوية لدول عدة مثل مالطا (4.22 مليارات)، بوركينا فاسو (4.1)، جورجيا (4)، ويتعداها أحياناً كما في أفغانستان وموزمبيق (3.8) وغانا (3.6).

مانشستر سيتي تزعّم قائمة الأكثر إنفاقاً بعدما ضخ نحو 533 مليون يورو لإبرام تعاقدات جديدة بعد رحيل مدربه الإسباني الأسطوري جوسيب غوارديولا. تفوّق على تشلسي الذي صرف 406 ملايين، يليه توتنهام بـ 353 مليوناً.

وشهد سوق "الممتاز" صفقة قياسية تمثلت بانتقال الأرجنتيني إنزو فيرنانديز من تشلسي إلى "سيتي" (145 مليوناً) لتعادل صفقة انتقال السويدي ألكسندر إيزاك من نيوكاسل إلى ليفربول في الموسم الماضي.

كما عاشت "الانتقالات الصيفية" ثلاث صفقات قياسية أخرى احتلت المراكز من الثالث إلى الخامس تاريخياً في إنجلترا تمثلت في تحول مورغان روجرز إلى تشلسي (138)، إليوت أندرسون إلى "سيتي" (135)، والفرنسي برادلي باركولا إلى ليفربول (125).

تقدم مطّرد

حتى إيطاليا التي تعاني أنديتها مادياً منذ فترة شهدت تقدماً مطرداً لتحتل المركز الثاني إنفاقاً خلف إنجلترا بـ 1.16 مليار يورو رغم أنها ما زالت بعيدة جداً عن مقارعة "الكبار" في دوري أبطال أوروبا.

يوفنتوس تصدر اللائحة بعدما صرف 164.4 مليون، متقدماً على ميلان (163.7)، فيورنتينا (150.3)، روما (124.5)، كومو (124)، إنتر ميلان (101) ونابولي (71.2).

جاء ذلك في ظل نزيف مستمر إذ تُسجل الأندية الإيطالية خسائر مجمعة تتجاوز 730 مليون يورو سنوياً. كما تراكمت، منذ 2008، خسائر إجمالية مرعبة تقترب من 9.3 مليارات بينما تجاوز إجمالي الديون حاجز الـ 5.5 مليارات.

وتتخلف الأندية الإيطالية عن الدوري الممتاز لأسباب تجارية عدة أبرزها أزمة الملاعب القديمة، تراجع عوائد البث التلفزيوني، كتلة الأجور المرتفعة التي تتجاوز الـ 100 مليون يورو في الأندية الخمسة الكبرى (إنتر، يوفنتوس، نابولي، روما، ميلان).

ويبقى إنتر، بحسب موقع "بونكتاي"، في صدارة المرشحين للتتويج باللقب بنسبة 48 في المئة أمام نابولي (14)، روما (11)، يوفنتوس (10) وميلان (7).

تشكيلة ناجحة

وجاءت ألمانيا في المركز الثالث بعد إنفاق بلغ 781.8 مليون يورو. موقعٌ اعتاد عليه السوق، لكن الجديد أن "صيف بايرن ميونيخ" كان هادئاً إذ لم يبرم "العملاق البافاري" إلا صفقتين، محلية عبر نثانيال براون، وخارجية عبر المغربي إسماعيل الصيباري. "بايرن" أراد الاستقرار على التشكيلة الناجحة التي منحته لقبي الدوري والكأس المحليين وذهبت به بعيداً في دوري الأبطال خلال الموسم الماضي، لذا احتل المركز الثالث ألمانياً بإنفاقه 106.95 مليون يورو، خلف بوروسيا دورتموند الثاني (108.5) وباير ليفركوزن الأول (157).

هذه الأرقام لا تعني بأن أحداً قادر على زعزعة زعامة رجال المدرب البلجيكي فينسان كومباني.

عودة برشلونة

إسبانيا جاءت رابعة رغم أن دوريها يحتل المركز الثاني أهمية، ربما، في أوروبا، مع إنفاق بلغ 755.3 مليون يورو.

اللافت أن برشلونة عاد قوة شرائية معتبَرة إذ بلغت نفقاته في سوق الانتقالات الصيفية 184 مليوناً رغم قيود قواعد اللعب المالي النظيف، وهي القيمة الأعلى في حقبة رئيس النادي خوان لابورتا.

وتعتبر صفقات النادي الكاتالوني، في الصيف الراهن، واحدة من أكبر الحملات التي قام بها في السنوات الأخيرة بعد أزمات طويلة كادت أن تفرض عليه الإفلاس.

وجاء الإنجليزي أنتوني غوردون على رأس قائمة الأغلى بـ 80 مليوناً، أمام "رودري" (60 مع المتغيرات)، الألماني كريم أديمي (22) والبرازيلي غابرييل جيزوس (10).

وبلغت مداخيل برشلونة من بيع اللاعبين 82 مليوناً، أبرزها صفقة فيران توريس إلى باريس سان جرمان الفرنسي (48.5) وأنسو فاتي إلى مواطنه موناكو (11).

جاء كل ذلك مع إعلان النادي المتوج بطلاً للدوري المحلي في الموسمين الماضيين، عن تجاوز عتبة المليار يورو في الإيرادات للمرة الأولى في تاريخه وذلك عن الموسم الماضي.

برشلونة حل ثانياً في اللائحة الإسبانية خلف ريال مدريد في الحقبة الثانية للمدرب البرتغالي جوزيه مورينيو معه. "الملكي" يسعى لاستعادة الزعامتين، المحلية والأوروبية، لذا استثمر في السوق نحو 225 مليوناً وتمثلت أبرز الصفقات في العاجي يان ديوماندي (125)، مارك كوكوريا (55) والهولندي دينزل دومفريس (20).

وحل أتلتيكو مدريد ثالثاً بإجمالي إنفاق تراوح بين 123 و142 مليون يورو. ركّز "روخيبلانكوس" على تدعيمات قوية أبرزها الأرجنتيني كريستيان روميرو من توتنهام مقابل 40 مليوناً.

اللافت أن "الثلاثي العملاق" استحوذ على أكثر من 70 في المئة من إجمالي الإنفاق العام للدوري الإسباني.

وكالعادة، احتل الدوري الفرنسي المركز الخامس على سلم "الأكثر إنفاقاً" في أوروبا بـ 609.1 ملايين يورو لكن اللافت أنه تحول هذا الصيف إلى "منجم أموال" ومصدر رئيسي لتصدير المواهب، مع إيرادات قياسية غير مسبوقة من بيع اللاعبين بلغت 1.33 مليار يورو، ليكون صافي الأرباح العام للمسابقة أكثر من 720 مليوناً.

باريس سان جرمان، بطل أوروبا، صرف نحو 152 مليوناً على الصفقات الجديدة فيما حقق أرباحاً تاريخية بلغت 334 مليوناً من بيع اللاعبين.

الأندية الأخرى شهدت تراجعاً حاداً في الإنفاق ولجأت إلى البيع بشكل مكثف لتعويض النقص الكبير في عائدات البث التلفزيوني المحلي.

لغة الأموال

انطلقت الدوريات الكبرى منذ فترة قبل أن يقفل باب الانتقالات أخيراً. تركزت التقارير، في الآونة الأخيرة، على الحديث عن سباق لضم هذا اللاعب أو ذاك. كانت بحق مباراة من نوع آخر اعتاد عليها الشارع الرياضي موسمياً. والأكثر من ذلك أنها مباراة لا تتحدث سوى بلغة الأموال مع جماهير تدعو وأخرى تطالب بضم هذا النجم أو ذاك.

منذ فترة طويلة، ودّعت كرة القدم فكرة الوفاء على مستوى الأندية. باتت المهمة "مادية" تماماً. صحيح أن الجماهير الوفية ستبقى على وفائها رغم تبدّل طبيعة الصراع، بيد أن الاستقرار في التشكيلة والذي يصنع ذاك الرابط العفوي بين قيمة الانتصار "شعبوياً" ورغبات التعويض ورد الاعتبار، والشعور بالحسرة على خسارة والشعور بالنشوة على فوز، بات شيئاً من الماضي، إلا على نطاق ضيق جداً.

قالها المدرب الجديد لمنتخب ألمانيا، يورغن كلوب: "تركتُ التدريب اليومي لأن اللعبة التي أحببتها عندما كنت طفلاً لم تعد موجودة. كنا نتحدث عن التكتيك، الشغف، والجماهير. الآن في العام 2026، نتحدث فقط عن قضايا اللعب المالي النظيف، حقوق البث، وعقود الرعاية الفلكية. المال يخنق اللعبة ببطء".