تعرض الذهب الأسبوع الماضي لاختبار صعب دفع الأونصة لتفقد جميع مكاسبها في 2026، لتغلق عند 4,328 دولارا بخسائر4.7% خلال أسبوع، لكن لماذا كل هذا الهبوط؟، وهل تقرير الوظائف الأميركي الأخير هو السبب في هذا الانخفاض، وهل هناك آمال لعودة الذهب للصعود مرة أخرى؟
طرحت منصة المشهد هذه الأسئلة على أسامة زرعي، المدير الإقليمي لشركة "غولد إيرا" لإنتاج وتداول الذهب، والذي أرجع الهبوط لأسباب عدة منها العائد المرتفع على السندات الأميركية، خصوصا السندات ذات الآجال عامين، بالإضافة إلى تحول كبير في السيولة، كما كشف عن حجم خسائر المتداولين من هذا الهبوط العنيف في أحد أهم أسواق التحوط في العالم.
إعادة تشكيل توقعات الذهب
وقال زرعي، إن "بيانات التوظيف الأميركية الأخيرة أعادت تشكيل توقعات الأسواق بشأن مستقبل أسعار الذهب، بعد أن دفعت المعدن الأصفر إلى تراجعات حادة عقب صدور أرقام قوية لسوق العمل هناك، خصوصا على مستوى نمو الأجور"، وهو ما حمل دلالات مهمة حول توجهات الفيدرالي الأميركي الفترة المقبلة بشأن الفائدة.
وأوضح أن نمو الأجور عند مستوى 3.4% عزز من قناعة الأسواق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال الفترة القريبة، مشيرًا إلى أن الفيدرالي ينظر إلى تضخم الأجور باعتباره أحد أخطر أنواع التضخم، لأنه يخلق حلقة مستمرة من ارتفاع الدخول والإنفاق والأسعار.
وأضاف أن قوة سوق العمل الحالية لا تعني بالضرورة خروج التضخم عن السيطرة، لكنها تمنح الفيدرالي مساحة للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما انعكس سريعًا على عوائد السندات الأمريكية ودفع الذهب إلى الهبوط.
3 سيناريوهات صعبة
وأشار زرعي إلى أن الفيدرالي أصبح محاصرًا بين 3 سيناريوهات صعبة؛ فرفع الفائدة يزيد من أعباء الدين الأمريكي، بينما تثبيت الفائدة قد يبقي التضخم أعلى من المستهدف، في حين أن خفض الفائدة قد يؤدي إلى ضعف الدولار وعودة الضغوط التضخمية، لافتًا إلى أن جميع هذه السيناريوهات تصب في صالح الذهب على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بتحركات سوق المشتقات، أوضح أن السوق شهد موجات بيع متسارعة نتيجة عمليات التحوط الإجباري من جانب البنوك والمؤسسات المالية، موضحًا أن إجمالي الرهانات الحالية على الذهب يقترب من تريليون دولار، فيما تؤدي التحركات السعرية الحادة إلى مكاسب وخسائر بمليارات الدولارات خلال ساعات قليلة.
بنوك كبرى تمتلك الذهب
وأضاف أن البنوك الكبرى مثل "جي بي مورغان" و"سيتي بنك" و"بنك أوف أميركا" تمتلك مراكز ضخمة في سوق الذهب، لكنها غالبًا ما تكون محايدة الاتجاه من خلال البيع في بورصة شيكاغو مقابل الشراء في لندن، وهو ما يجعل أرباحها الرئيسية قائمة على فروق الأسعار والعمولات وليس المضاربة المباشرة على الاتجاه.
وأكد "زرعي" أن صناديق التحوط والمضاربين كانوا الطرف الأكثر تضررًا من الهبوط الأخير، موضحًا أن خسائر المضاربين تجاوزت 2.6 مليار دولار في يوم واحد نتيجة امتلاكهم مراكز شراء ضخمة اقتربت من الذروة التاريخية، ما يزيد من احتمالات استمرار موجات التصفية خلال الفترة المقبلة.
خسائر 20 مليار دولار
وأشار إلى أن صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تعرضت لخسائر دفترية ضخمة تقترب من 20 مليار دولار، لكنها تظل خسائر غير محققة طالما لم يتم البيع الفعلي للأصول.
وفي سياق متصل، لفت المدير الإقليمي لشركة "غولد إيرا" إلى وجود مؤشرات قوية على استمرار الطلب الفعلي على الذهب رغم الهبوط، موضحًا أن مخزونات الذهب داخل بورصة شيكاغو تراجعت بصورة متزامنة سواء في الذهب الجاهز للتسليم أو الذهب المؤهل، وهو ما يعني خروج المعدن فعليًا من الخزائن وليس مجرد إعادة تصنيف داخلي للمخزون.
وأضاف أن سحب الذهب الفعلي من البورصة خلال فترات الهبوط يعد إشارة مهمة على دخول مؤسسات ومستثمرين كبار لشراء المعدن بأسعار منخفضة، مؤكدًا أن هذا السلوك غالبًا ما يظهر قرب تكوين القيعان السعرية.
وبسؤاله عن مستويات حركة الذهب، يرى أسامة زرعي، أن مستويات 4,200 إلى 4,050 دولارا للأوقية تمثل مناطق دعم قوية للذهب خلال المرحلة الحالية، بينما لا تزال المستويات المستهدفة طويلة الأجل عند 5,000 و 5,500 ثم 6,000 دولار قائمة ولم تتغير، خصوصا في ظل استمرار الضغوط التضخمية العالمية وارتفاع المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
أسعار الذهب في أسبوع
قوة الزخم الهابط دفع سعر الذهب خلال الأسبوع الماضي إلى كسر المتوسط المتحرك الأسي لـ200 يوم عند 4,380 دولارا للأونصة، ليغلق تداولات الأسبوع تحت هذا المستوى، وتزامن هذا مع كسري خط الاتجاه الصاعد متوسط الأجل، مما زاد من حدة الهبوط.
من بداية الأسبوع كان الذهب بيتحرك في تذبذب بين صعود وهبوط، ولكنه كان يميل إلى الهبوط، وذلك في ظل فشل مفاوضات وقف حرب إيران في التوصل إلى اتفاق لإنهاء التدخل العسكري في لبنان، أو في الوصول إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
تسبب هذا في زيادة التوقعات في الأسواق باستمرار التضخم في التزايد والضغط على البنوك المركزية العالمية بسبب استمرار التوترات الجيوسياسية وتوقف إمدادات النفط والطاقة في مضيق هرمز وفق تحليل شركة غولد بيليون لتداول الذهب.
وارتفعت توقعات الأسواق بأن البنك الفيدرالي الأميركي في طريقه إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه في ديسمبر قبل نهاية هذا العام لتصل إلى 50%، وهو الأمر الذي ضغط بشكل سلبي على أسعار الذهب الذي لا يقدم عائد لحائزيه.
(المشهد)