وسعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نطاق المواجهة التجارية مع الصين، بعدما اتهم البيت الأبيض أكثر من 40 دولة، بمساعدة الشركات الصينية على تمرير صادراتها إلى السوق الأميركية، عبر مسارات غير مباشرة للاستفادة من رسوم جمركية أقل.
وتضع الاتهامات عددًا من أبرز حلفاء وشركاء الولايات المتحدة، من بينهم كندا والمكسيك واليابان وكوريا الجنوبية والهند، في قلب النزاع التجاري قبل أسابيع من الاجتماع المرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن.
40 دولة في مرمى الاتهامات الأميركية
قال البيت الأبيض، في تقرير جديد إن الصين تستخدم شبكة واسعة من الدول لإعادة توجيه صادراتها إلى الولايات المتحدة، بعد إعادة تغليفها أو إجراء تعديلات محدودة عليها وتقديمها باعتبارها منتجات منشؤها الدولة الوسيطة.
ويتيح تغيير بلد المنشأ المعلن للسلع، الاستفادة من معدلات جمركية أقل من تلك المفروضة على الواردات الصينية، ما يقلص الرسوم التي تحصلها الخزانة الأميركية ويضعف تأثير الإجراءات التجارية التي تستهدف بكين.
وضمت قائمة الدول التي أشار إليها التقرير كندا والهند والمكسيك واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب فيتنام وماليزيا وكمبوديا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي.
ولم تصدر ردود فورية من معظم الدول الواردة في التقرير، بينما تواصلت بي بي سي مع سفارات عدد من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة للحصول على تعليق.
تشير إعادة الشحن إلى نقل البضائع عبر دولة وسيطة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، وهي ممارسة شائعة ومشروعة في التجارة الدولية عندما تكون لأسباب لوجستية ويجري الإفصاح عن المنشأ الحقيقي للسلع.
لكن الممارسة تتحول إلى مخالفة جمركية عندما تستخدم الدولة الوسيطة لإخفاء بلد المنشأ، أو تجرى عمليات محدودة مثل إعادة التغليف أو إضافة مكونات بسيطة بهدف تقديم السلعة باعتبارها منتجًا محليًا والاستفادة من رسوم أقل.
وقدم التقرير مثالًا على إرسال منتجات صينية شبه مكتملة إلى دولة أخرى، حيث تجرى عليها تعديلات بسيطة قبل تصديرها إلى الولايات المتحدة بوثائق منشأ جديدة.
أين ينتهي الاستثمار ويبدأ التحايل؟
لا تمثل كل زيادة في صادرات الدول المرتبطة بسلاسل التوريد الصينية دليلًا على التحايل، إذ نقلت شركات صينية بالفعل خطوط إنتاج وتجميع إلى دول أخرى لتقليل التكاليف والاقتراب من الأسواق المستهدفة.
ويصبح المنتج منسوبًا بصورة مشروعة إلى الدولة الجديدة إذا خضع لتحول جوهري في عملية التصنيع، وفقًا لقواعد المنشأ الأميركية. أما إعادة التغليف أو التجميع المحدود فلا تكون كافية عادة لتغيير المنشأ.
وتشكل هذه النقطة أحد أبرز التحديات أمام السلطات الأميركية، إذ يتعين عليها التمييز بين الاستثمارات الصناعية الحقيقية وعمليات التمويه التي تهدف فقط إلى تجاوز الرسوم.
قدر البيت الأبيض قيمة التجارة التي مرت عبر عمليات إعادة الشحن بنحو 60 مليار دولار، بينما تراوحت تقديرات حكومية وخاصة أوردها التقرير بين نحو 40 مليارًا و303 مليارات دولار.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن الخزانة الأميركية تفقد ما يتراوح بين 19 و26 مليار دولار من إيرادات الرسوم الجمركية سنويًا نتيجة إخفاء المنشأ الحقيقي لبعض الشحنات.
وقال المستشار التجاري للبيت الأبيض بيتر نافارو إن هذه الممارسات كلفت الولايات المتحدة وظائف وإيرادات بمليارات الدولارات، وساعدت قطاع التصنيع الصيني على الاحتفاظ بوصوله إلى السوق الأميركية.
ويعتقد البيت الأبيض أن اتساع الفروق بين الرسوم المفروضة على الصين والدول الأخرى خلق حافزًا اقتصاديًا قويًا لإعادة توجيه البضائع عبر الدول ذات المعدلات الجمركية الأقل.
الذكاء الاصطناعي يطارد الشحنات
أعلنت الإدارة الأميركية، استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الشحن والفواتير ووثائق المنشأ، ورصد التحولات غير المعتادة في التدفقات التجارية.
وتستهدف هذه الأدوات اكتشاف الارتفاعات المفاجئة في صادرات دولة معينة من منتجات لا تمتلك قاعدة صناعية كافية لإنتاجها، أو مقارنة المكونات والأوزان ومسارات الشحن لمعرفة المصدر المحتمل للبضاعة.
كما تسعى واشنطن إلى تشديد قواعد المنشأ وإدراج بنود لمكافحة إعادة الشحن في الاتفاقيات التجارية، بما يسمح بفرض رسوم إضافية أو تحصيل الرسوم بأثر رجعي عند اكتشاف بيانات جمركية مضللة.
ورقة تفاوض قبل لقاء ترامب وشي
يصدر التقرير قبل أسابيع من الاجتماع المتوقع بين ترامب وشي جين بينغ في واشنطن خلال سبتمبر، ما قد يحول إعادة الشحن إلى إحدى أوراق الضغط الأميركية في المفاوضات التجارية.
ويمكن لواشنطن الدفع بأن الصين احتفظت بوصول غير مباشر إلى السوق الأميركية رغم الرسوم، وأن أي تسوية تجارية جديدة يجب ألا تقتصر على الصادرات المباشرة، بل تشمل السلع الصينية التي تمر عبر دول ثالثة.
كما قد تواجه الاقتصادات المرتبطة بقوة بسلاسل التوريد الصينية تكاليف إضافية، تشمل تشديد عمليات التفتيش وتأخر الإفراج الجمركي عن الشحنات وزيادة متطلبات إثبات المنشأ.
رفضت السفارة الصينية في واشنطن الإجراءات الجمركية الأميركية، مؤكدة أن الحروب التجارية لا تحقق مكاسب لأي طرف، وأن بكين تعارض استخدام سلطة الدولة لاستهداف الشركات الصينية.
وحذرت الصين من أن أي إجراءات أو اتفاقيات أميركية تتعلق بالبضائع المعاد شحنها يجب ألا تستهدف أطرافًا ثالثة أو تضر بمصالحها التجارية.
ويزيد الملف الجديد تعقيد المفاوضات بين أكبر اقتصادين في العالم، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على حجم الرسوم المباشرة، بل امتدت إلى قواعد المنشأ ومسارات الشحن والاستثمارات الصينية داخل الدول الشريكة للولايات المتحدة.
(ترجمات)
