في يوليو من عام 2019، اختتم صندوق النقد الدوليّ المراجعة الخامسة والأخيرة لأداء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع مصر، والذي حصلت بموجبه على 12 مليار دولار على مدار 3 سنوات، حيث نجحت القاهرة في تصحيح الاختلالات الداخلية والخارجية الكبيرة، وعززت من استقرار الاقتصاد الكليّ، ليكون بذلك هذا أنجح برنامج بين مصر والمؤسسة الدولية منذ إنشائها في عام 1945.
وحينها، أشاد صندوق النقد الدوليّ بالإصلاحات القوية والإجراءات الحاسمة على صعيد السياسات التي اتخذتها مصر، ليقول المدير العام لصندوق النقد الدوليّ بالنيابة ديفيد ليبتون: "لا تزال الآفاق المتوقعة إيجابية وتتيح فرصة مواتية للتقدم في الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى خلق فرص العمل، وتحقيق نموّ يشمل كل شرائح المواطنين ويقوده القطاع الخاص".
لكن، لم يمر سوى أقل من عام، حتى تعرّض الاقتصاد العالميّ لهزة عنيفة بفعل جائحة "كوفيد-19"، حيث هرب المستثمرون من الأسواق الناشئة ومن بينها مصر التي تراجع احتياطيّ النقد الأجنبيّ فيها بنسبة 13% خلال عام 2020، وفقا لبيان البنك المركزي، ليواصل بعدها الاقتصاد رحلة تعافٍ طويلة، مرهونة بتطورات الاقتصاد العالميّ خلال عام 2021، والذي شهد خلاله تحسّنا محدودا على مستوى بيئة الاقتصاد الكلي، اعتبرته مدير صندوق النقد الدوليّ كريستالينا غورغييفا في حديث لها، "بعمل جيد للغاية في إدارة الوباء وتأثيره الاقتصادي، حيث بلغ النمو في مصر 3.3%. ونتوقع أن يصل النمو إلى 5.2% للفترة 2021-2022".
وبينما كان الاقتصاد العالميّ في طريقه إلى التعافي وسط توقعات بنمو قويّ خلال عام 2022، اندلعت الحرب الروسية -الأوكرانية، والتي أدخلت الاقتصادات العالمية كافة في موجة عدم يقين، وسط ارتفاع جنونيّ بأسعار السلع، حيث لجأت البنوك المركزية العالميّة إلى تبنّي سياسة نقدية متشددة لمكافحة التضخم، الأمر الذي انتقل بشكل مضاعف إلى الاقتصادات الناشئة، التي بدأت تعاني تراجع القوة الشرائية لعملاتها المحلية، بالتوازي مع تضخم جامح.
ولم تكن مصر بعيدة عن هذه التطورات التي ألقت بظلالها على الاقتصاد خلال العام الماضي، حيث سحب المستثمرون الأجانب 20 مليار دولار من أسواق الدين المحلية، وتسارع التضخم العام من 7.3% في يناير 2022، على أساس سنويّ إلى 13.6% في يوليو 2022، مع فقدان العملة المحلية نحو 16% من قيمتها أمام الدولار، بالتزامن مع تنامي التعاملات غير الرسمية، الأمر الذي دفع السلطات في ديسمبر 2022، إلى الاتفاق على برنامج إصلاح جديد مع صندوق النقد الدولي، في إطار "تسهيل الصندوق الممد" لمدة 46 شهرا، يضمن حصول مصر 3 مليارات دولار قروض، إلى جانب تمويلات بنحو 14 مليار دولار تقريبا من شركائها الدوليّين والإقليميّين.
"الوقت المناسب"
ومنذ أن وافق صندوق النقد الدولي على البرنامج الجديد، حصلت القاهرة فقط على دفعة فورية بقيمة 347 مليون دولار، مع تأخر صرف الشريحة التالية، بعد تأجيل المراجعة الدورية للبرنامج من قبل المؤسسة الدولية، ما أثار ذلك التكهنات حول خلاف يلوح في الأفق، بعد رفض مصر الاستمرار في سياسة تحرير سعر صرف الجنيه التي تبناها البنك المركزي المصري قبل شهرين من الاتفاق على التمويل الجديد خلال عام 2022.
وأعلن البنك المركزي المصريّ في أكتوبر 2022، تبنّي سعر صرف مرن، يُحدّد وفق آليات العرض والطلب بالسوق، حيث انخفضت قيمة الجنيه مذاك وحتى مارس 2023، بنسبة 36% ليسجل سعر صرف الدولار أعلى مستوى على الإطلاق عند 30.83 جنيها للدولار الواحد، والذي استقر بعد ذلك عند المستوى ذاته حتى اللحظة، بحسب ما تشير بيانات البنك المركزي.
ومع تزايدت التكهنات حول الخلاف بين مصر وصندوق النقد الدولي بشأن الإصلاحات المتفق عليها ضمن البرنامج الجديد، تواصلت منصة "المشهد" مع المؤسسة الدولية، والتي أكدت في بيان عبر الإيميل على لسان المتحدث الرسمي جيري رايس، أنّ "صندوق النقد يواصل التعاون الوثيق مع السلطات المصرية، بما في ذلك تقديم المشورة بشأن السياسات والمساعدة الفنية"، مضيفا: "سنبلغكم بالتحديثات المتعلقة بالبرنامج (برنامج الإصلاح الاقتصادي) في الوقت المناسب".
ويعتبر خبراء ومراقبون تحدثوا لمنصة "المشهد"، أنّ "الوقت المناسب" الذي يتحدث عنه صندوق النقد الدولي، يتعلق بالأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلاد، مع قرب انطلاق الانتخابات الرئاسية في مصر، إذ يقول الخبير الاقتصاديّ والمحاضر بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية بالقاهرة هاني جنينة: "ليس هناك معلومة مباشرة، لكن وفق ما يتفق عليه المراقبون، فإنّ مصر ستواصل الإصلاحات المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي عقب الانتخابات الرئاسية المقبلة".
ويتفق مع هذا أيضا الخبير الاقتصاديّ المصريّ المقيم في لندن علي متولي، والذي يقول لمنصة "المشهد": "هناك سيناريوهان، الأول وهو الأقرب بنسبة 70%؛ تأجيل مراجعة صندوق النقد الدولي حتى النصف الأول من عام 2024. وهذا التأخير ينبع من السياق الاجتماعيّ المعقّد في مصر، لأنّ الاعتماد الدائم لسعر صرف مرن، لا يزال للأسف يواجه مقاومة قوية من المصريين، على عكس التعويم المؤقت أو التخفيضات المحسوبة التي شهدناها سابقا. أما السيناريو الثاني وهو سيناريو أقل احتمالية؛ أن يتم تبنّي الإصلاحات من تحرير سعر الصرف قبل نهاية 2023، بالاتفاق مع صندوق النقد".
ومن المتوقع أن تتفق مصر مع صندوق النقد الدولي على رفع حجم التمويل ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي، إلى ما قد يتراوح بين 6 و10 مليارات دولار خلال العام المقبل، حسبما يقول الخبير الاقتصاديّ هاني جنينة، والذي يضيف: "مصر ستقوم بسداد 5.2 مليارات دولار العام المقبل لصندوق النقد الدولي، وهي التزامات ومستحقات سابقة، وبالتالي سيكون هناك مساحة أكبر لزيادة حجم الاقتراض، ومن ثم أعتقد سيتم الاتفاق على زيادة حجم القرض من 3 مليارات إلى 6 و10 مليارات دولار".
ويعتقد جنينة، أنّ زيادة حجم التمويل سيرتبط بشكل رئيسّي بسرعة وقوة الإصلاحات الاقتصادية التي ستشرع بلاده في تنفيذها خلال عام 2024، مشيرا إلى أنّ "صندوق النقد الدولي سيوافق على هذا مع سداد مصر لمستحقات سابقة".
معضلة الإصلاحات
في الوقت الذي يواصل التضخم ارتفاعاته الكبيرة بمصر، حتى بلغ مستوى 36.4% في يوليو الماضي، يُصر صندوق النقد الدوليّ على تبنّي مصر سياسة سعر صرف مرن، وزيادة أسعار الطاقة والمحروقات، مبررا ذلك بحسب موقعه الإلكتروني، أنها "سياسات تجنّب تراكم اختلالات مزمنة في عرض العملات الأجنبية والطلب عليها في مصر، ويحافظ على احتياطيّ النقد الأجنبيّ لدى البنك المركزي، وستساعد الاقتصاد المحليّ على التكيّف بسلاسة أكبر في مواجهة الصدمات الخارجية، وتدعم قدرة مؤسسات الأعمال المصرية على بيع سلعها وخدماتها في الخارج، وتشجع على المزيد من الاستثمار".
ويتوقع الخبير الاقتصادي هاني جنينة خلال حديثه مع منصة "المشهد"، أن تتبنى السلطات سياسة سعر الصرف المرن في وقت لاحق مع بداية عام 2024، إذ يقول: "مع العودة مجددا إلى البرنامج سيتم تنفيذ الإصلاحات المتعلقة بأسعار الكهرباء والمحروقات، والتي تم تأجيلها منذ أشهر، وكذلك تحرير سعر صرف الجنيه. لكنّ السؤال هنا هل سيتم التحرير مرة واحدة أو من خلال خطوات تدريجية؟ أعتقد أنّ هذا سيتم التوافق عليه مع صندوق النقد الدولي".
بدوره، يعتبر الخبير الاقتصاديّ علي متولي، أنّ "نظام سعر الصرف المُدار، يعزز استمرار السوق السوداء غير القانونية للعملة، وأيضا هجمات المضاربة بالعملة. لكن رغم هذا، فإنّ تأثير السوق الموازية محدود؛ لأنّ الحكومة لا تزال تعلن بشكل عن التزامها بالحفاظ على استقرار العملة على الأقل حتى الإعلان عن السياسة الجديدة".
ويرى متولي، أنّ "التحول الدائم إلى سعر صرف مرن، سيؤدي إلى تقلبات مؤقتة في العملة، يُحتمل أن تستمر حتى الربع الثاني والربع الثالث من العام القادم. وقد يصل الجنيه إلى مستويات منخفضة غير مسبوقة مقابل الدولار، بسبب هجمات المضاربة. وهذا قد يخلق تحدّيات اقتصادية إضافية، مثل ارتفاع قياسيّ في معدلات التضخم، والذي قد يستمر حتى النصف الأول من عام 2024 على الأقل".
ومن المفترض أن يكون النظام المرن لسعر الصرف داخل مصر مبنيًا على التحرك في نطاق محدد، بحسب ما يرى علي متولي، والذي يضيف: "إذا تُركت العملة من دون تدخل من البنك المركزي خصوصا في الفترات الصعبة التي تمر بها الأسواق الناشئة من هجمات مضاربة عنيفة، ستكون النتيجة انخفاضات متكررة غير مبررة للعملة، تهوي بثقة المستثمرين في الاقتصاد، ما يؤثر في النهاية بالسلب على التصنيف الائتماني".
التصنيف الائتماني
الشهر الماضي، أعلنت وكالة "موديز" للتصنيفات الائتمانية السيادية، وضع تصنيف مصر السيادي قيد المراجعة السلبية للتخفيض، محذرة من أنّ "استمرار سوق سعر الصرف الموازي، يزيد احتمالية تجديد خفض قيمة العملة الرسمية، ما قد يؤدي إلى دفع مقاييس الاقتصاد الرئيسية إلى مستويات أكثر انسجاما مع مستوى تصنيف سياديّ أقل".
وأشارت "موديز" في تقريرها المنشور على الموقع الإلكتروني، إلى سعر الصرف في السوق الموازية "السوداء" عند 38 جنيها للدولار الواحد، مقابل السعر الرسميّ عند 30.9 جنيها، قائلة: "استمرار نقص النقد الأجنبيّ في السوق المحلي، يتجلى في ارتفاع سعر الصرف الموازي إلى 38 جنيها".
ويتوقع الخبير الاقتصادي والمحاضر بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية هاني جنينة، أن تُقدم مؤسسة "موديز" على تخفيض تصنيف مصر الائتماني في نوفمبر المقبل إلى "Caa1" من "B3".
ويعني التصنيف الائتماني السيادي عند "Caa1"، بحسب "موديز"، إنها "ذات وضع ضعيف وتخضع لمخاطر ائتمانيّة عالية جدا"، مقارنة مع التصنيف "B3" والذي يشير إلى "المخاطر الائتمانية العالية".
لكنّ هاني جنينة عاد ليقول، إنّ "موديز" قد تتراجع عن خطوة تخفيض التصنيف الائتماني لمصر، إذا كان هناك تطمينات أو خطوات بشأن مواصلة الإصلاحات المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى أنّ هذا قد يؤجل هذا التخفيض لتتجه المؤسسة لإبقاء التصنيف الائتمانيّ من دون تغيير".
وتابع: "لكن في حال تخفيض التصنيف الائتماني، سيكون هذا آخر تخفيض من قبل المؤسسة، لأنه عقب الإجراءات الإصلاحية التي ستتخذها مصر، ستتحول النظرة إلى إيجابية، وسترفع التصنيف الائتمانيّ مجددا خلال عام 2024".
بدوره، يستبعد الخبير الاقتصاديّ علي متولي تخفيض التصنيف الائتماني، متوقعا الإبقاء عليه من دون تغيير حتى العام القادم، "خصوصا بعد الإجراءات التي تم اتخاذها لتوفير العملة عن طريق بيع حصص في بعض الشركات المملوكة للدولة لمستثمرين استراتيجيّين، أو طرحها في البورصة".
وتتبنّى الحكومة المصرية خطة لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، كشفت عنها في وثيقة سياسة ملكية الدولة التي نشرها مجلس الوزراء قبل أكثر من عام تقريبا، إذ تستهدف من خلالها بيع أصول مملوكة للدولة بقيمة 40 مليار دولار للشراكة مع القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي خلال السنوات الـ4 المقبلة، فضلًا عن طرح شركات عامة بالبورصة المصرية.
وجمعت مصر في إطار برنامج الطروحات الحكومية، نحو 2.5 مليار دولار حتى الآن، بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية عن وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد، والتي تقول إنّ بلادها تستهدف جمع ما يصل إلى 5 مليارات دولار من بيع حصص في شركات حكومية بحلول يونيو المقبل.
(المشهد)