مع دخول العقوبات الأممية على إيران حيّز التنفيذ نهاية سبتمبر الماضي، وإعلان الترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) تفعيل آلية الزناد، تواجه الجمهوية الإسلامية الإيرانية عقوبات دولية تطال قطاعات حيوية منها السلاح والأنشطة النووية والصواريخ البالستية والمجالات المالية والمصرفية، ما أثار تساؤلات حول التداعيات المحتملة على الدول المجاورة لطهران والمتشابكة معها بعلاقات اقتصادية وإقليمية، في مقدمتها العراق.
وتشكّل هذه العقوبات أحد أبرز العوامل التي ستؤثر على العراق، نتيجة التداخل الاقتصادي والجغرافي والسياسي وامتداد الحدود المشتركة بين البلدين، ما وصفه مراقبون بأنه النقطة الحرجة التي ستفصل بغداد عن طهران اقتصادياً وتُعيد للمنتج المحلي العراقي مكانته في الأسواق العراقية، بينما يرى آخرون أن الملف الاقتصادي العراقي مرتبط بالحياة السياسية العراقية التي تسيطر عليها طهران عبر أذرعها العسكرية و السياسية في البلاد.
ويستورد العراق من إيران مختلف أنواع المنتجات الغذائية والزراعية والحيوانية، كالبيض والخضرراوات والحبوب والتمور والبقوليات، إضافة إلى الأجهزة الإلكترونية كالمكيفات والمبردات والتلفزيونات والمراوح وغيرها، لكن أبرز الملفات الاقتصادية المعقدة هو ملف استيراد الغاز الطبيعي الإيراني، حيث يستورد العراق مايقارب 45 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي من إيران يومياً، يتم استخدامها لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية التي تغذي 3 محافظات رئيسية: بغداد والبصرة وديالى.
فهل لدى الحكومة العراقية سياسية اقتصادية جديدة قادرة على إنقاذ المواطن العراقي من الظلام؟ أم أن الخلافات داخل الحكومة العراقية ستعيق أي حل اقتصادي بعيداً عن إيران؟
اتفاقيات سرية
عن ذلك يقول مصدر اقتصادي حكومي فضل عدم الكشف عن اسمه، لمنصة "المشهد" إن الحكومة العراقية أدركت حقيقة الأمر، لذلك اتفقت بشكل غير معلن مع دول عربية التي ستزودها بالوقود لتشغيل محطات الكهرباء، كما أن العمل جاري على إعادة تشغيل بعض المنشآت العراقية ومدها بالغاز العراقي، كل ذلك يتم بدعم وموافقة واشنطن التي أكدت استعدادها لتوفير فرص جديدة للمنشآت العراقية لإنتاج الطاقة الكهربائية بشكل محلي عوضاً عن استيراد الغاز الإيراني.
كما تعمل الحكومة العراقية بالتعاون مع واشنطن على إعادة هيكلة بعض المؤسسات الزراعية والصناعية لإعادة انتاج بضائع محلية عراقية بديلة عن البضائع الإيرانية، مثلاً بدلاً من استيراد البيض من إيران ننتجه محلياً، لكن المشكلة بغياب التوافق السياسي، حيث يوجد أحزاب سياسية مرتبطة بإيران داخل الحكومة ترغب باستمرار التعامل الاقتصادي معها. بحسب المصدر.
ويشرح المصدر: "العقوبات الدولية تمنع إيران من التعامل بالدولار الأميركي أو العملة الصعبة، كما أن الدولار في العراق مراقب من قبل شركة (أولفير وايمان) الأميركية التي تراقب حركته في الأسواق، لذلك يظهر القلق لدى بعض الجهات الحكومية من قيام أحزاب عراقية مرتبطة بإيران بشراء الغاز الإيراني مقابل الذهب العراقي بدلاً عن الدولار، بالتالي سيستنفذ العراق احتياطه من الذهب ما ستؤدي لارتفاع أسعاره في الأسواق المحلية وتراجع الاقتصاد العراقي".
وعن أسباب الدعم الأميركي للاقتصاد العراقي، يجيب المصدر:
- يتم حالياً بالتنسيق بين الحكومة العراقية وواشنطن، إنتاج الحديد والصلب والباطون وبعض المواد الزراعية والإنشائية والغذائية محلياً في المدن العراقية.
- كما تدعم واشنطن إعادة تشغيل الشركات والمعامل المحلية العراقية، لدينا أكثر من 62 ألف معمل وشركة زراعية متوقفة عن العمل منذ عام 2003، وتم مؤخراً فسح المجال لبعض هذه الشركات وإطلاق يدها لإعادة الإنتاج.
- لكن المشكلة التي أدركتها واشنطن أن هذه المعامل عندما بدأت بالإنتاج لم تتمكن من تصريف منتجاتها، لأن الأسواق العراقية مُغرقة بالبضائع الإيرانية وهي أرخص من المنتج العراقي المحلي.
- لذلك بدأت بالتنسيق مع الحكومة العراقية على دعم الإنتاج المحلي.
- الدعم الأميركي ليس مادياً بل هو دعم توجيهي معنوي إضافة إلى تخيفض الضرائب وتسهيلات لإنعاش الاقتصاد العراقي محلياً.
ما هي خطة الحكومة العراقية؟
وفي سياق متصل، يقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية الدكتور علاء الدين القصير إن العقوبات الدولية على إيران دخلت حيز التنفيذ، وفي المقابل لا يوجد خطة عراقية واضحة بديلة عن استيراد الغاز الإيراني، كما لم يتم نشر أي برنامح حكومي اقتصادي واضح للعمل به مستقبلاً، كل ما تم هو عبارة عن اتصالات مع دول الخليج وتركيا لمد العراق بالكهرباء، وما زلنا إلى الآن عاجزون عن مد خطوط الكهرباء للمحافظات العراقية، لذلك نحتاج إلى قرار اقتصادي حاسم لإعادة تشغيل المصانع والمعامل ومحطات الطاقة العراقية.
ويوضح القصير، أن إقليم كردستان وضعه الاقتصادي مختلف تماماً، لأنه يُغذي محطات الطاقة من الغاز المحلي المنتج على أراضيه لذلك لن يتأثر بالعقوبات الدولية على إيران، وقد خرج الإقليم عن منظومة العراق الكهربائية ونجح بخلق فرص استثمارية ممتازة، حيث بذلت حكومة إقليم كردستان قوى جبارة لإنجاح هذه الخطوة وذلك نتيجة السياسة الكردية الحكيمة فيما يخص الاستثمار الوطني، أما الحكومة العراقية ورغم الجهود التي يبذلها رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، إلا انها لم تنجح بتأمين ملف الكهرباء، نتيجة لتشعّب الكتل السياسية داخل البرلمان واختلاف ولاءاتها وعدم اتفاقها على قرار وطني موحّد يخدم المواطن العراقي. المطلوب اليوم من الحكومة العراقية اتخاذ خطوات سريعة لتأمين الأمن الغذائي، وإيجاد حلول بديلة لإنتاج الكهرباء وإنهاء مسألة الفساد والمحاصصة داخل البرلمان.
وعلى المستوى السياسي، لا تُخفي بعض الأطراف السياسية العراقية دعمها لإيران، بينما تَظهر قوى سياسية أخرى تعارضها وتنادي باستقلال القرار السياسي والاقتصادي العراقي، عن ذلك يقول الباحث في الشؤون الإستراتيجية والسياسية الدكتور زياد العرار، إن العلاقات الحكومية العراقية مع طهران قوية جداً خصوصا مع قوى الإطار التنسيقي التي ستحاول تقديم االمساعدة لطهران، وستعمل مع بعض القوى الشيعية القادرة على توجيه القرار الحكومي العراقي على دعم إيران لتجاوز مشكلة العقوبات، في المقابل يوجد بعض القوى الشيعية التي لا تدعم طهران لكن قرارها غائب عن البرلمان، وسيبقى القرار للكتل الأكبر في البرلمان العراقي. مضيفاً: الاعتماد على الغاز الإيراني هو نتيجة لفشل الحكومات المتعاقبة في ايجاد طرق بديلة لانتاج الطاقة الكهربائية، وسيبقى هذا الملف مرهوناً بالشخصيات التي ستشكل الحكومة العراقية الجديدة ومدى قربها أو بعدها عن الجانب الإيراني.
كيف يبدو المشهد الإيراني؟
ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الموصل الدكتور فراس إلياس أن المشهد الاقتصادي الإيراني يواجه تحديات كبيرة، رغم أن إيران طوّرت بدائل اقتصادية منذ سنوات طويلة، عن طريق خلق إنتاج اقتصاد موازي يعمل وفقاً لمفهوم اقتصاد المقاومة، هذا الاقتصاد يقوم على أساس التجارة غير المشروعة كالمخدرات وتهريب النفط خارج منظمة أوبك، ساهم نوعاً ما في صمود الاقتصاد الإيراني حتى هذه اللحظة، لكن تكاملية سياسة العقوبات هذه المرة تجعل الواقع مختلفاً، أي أن إيران تشهد اليوم عقوبات أوروبية أميركية مشتركة ستحيّد هذه البدائل الاقتصادية التي أوجدتها، مضيفاً: بالتأكيد إيران لن تلتزم بهذه العقوبات لأنها تعيش واقع اقتصادي واجتماعي معقد جداً، وهي أيضاً تعمل على إنتاج بدائل للصمود كي لا تقدم تنازلات جوهرية فيما يتعلق بالمفاوضات النووية.
ويوضح إلياس أن العراق سيكون الساحة الأبرز لإيران لإعادة تشكيل وضعها الاقتصادي وفقاً للمستجدات الدولية، بما يخفف من وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليها، هذا كان واضحاً من خلال الزيارات التي أجراها المسؤولون الإيرانيون إلى العراق وحتى من خلال محاولتها إعادة النظر في بعض الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع العراق، بما يجعل الساحة العراقية إحدى منافذ الحياة الإيرانية خلال الفترة القادمة، لأنه ليس لديها بدائل أخرى حتى مع دول الجوار.
وفي سياق متصل، يقول المختص في الشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط وجدان عبد الرحمن إن إيران ستلتف على العقوبات خصوصًا أن لديها خبرة طويلة في هذا المجال، لكنها ستواجه واقعاً دولياً مختلفاً، حيث إن العديد من الدول التي كانت تتغاضى سابقًا عن العقوبات الأميركية لن تكرر الأمر مع العقوبات الأممية، الدليل على ذلك أن العديد من الموانئ الصينية امتنعت مؤخراً عن استقبال النفط الإيراني خشية التعرّض للعقوبات الدولية، أما بالنسبة للعراق تُظهر المؤشرات الحالية أن بغداد بدأت تلتزم بالعقوبات الدولية. وقد شاهدنا بالفعل أن العراق أعاد شحنات من الخضروات والفواكه الإيرانية إلى الداخل الإيراني، وينطبق الأمر ذاته على ملفي الغاز والكهرباء.
للمزيد :
- أخبار بغداد اليوم
(المشهد)