قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إن المفاوضين الأميركيين ينظرون إلى اللغة الفرنسية في كندا باعتبارها "مصدر إزعاج"، مؤكدا أن حماية اللغة الفرنسية تمثل حقوقا أساسية في كيبيك، وذلك بعد أيام من تلقيه إشادة واسعة من القادة السياسيين لرفضه مقترحا تجاريا أميركيا اعتبره كثيرون إضعافا للثقافة الفرنكوفونية في البلاد.
تصاعد الخلاف
وجاءت تصريحات كارني بعد أن كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، أن كندا "تستغل الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات"، مهددا بفرض سلسلة من الرسوم الجمركية الجديدة على السيارات والشاحنات، بما قد يلحق أضرارا اقتصادية كبيرة.
وكان كارني قد أصدر تعليماته لمفاوضيه بالانسحاب من المحادثات التجارية الأسبوع الماضي.
ودخلت الرسوم الجمركية على مجموعة من المنتجات الكندية حيز التنفيذ خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أثر على نحو 5% من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، فيما أعلنت كندا أنها سترد بالمثل في أوائل سبتمبر.
وخلال جولة في حوض لبناء السفن برفقة رئيس وزراء كيبيك، قال كارني للحضور إن كندا "لا يمكنها قبول" اتفاقية تجارية مقترحة من شأنها إضعاف الحماية التي توفرها اللغة الفرنسية، وذلك بعد انهيار المحادثات التجارية بين البلدين الأسبوع الماضي، مضيفا أن حكومته "لن تقدم ما طلبوه".
وأثار قرار رئيس الوزراء بالتخلي عن المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة تصريحات من قادة سياسيين ومحللين في كندا، اعتبروا أن البلاد باتت منخرطة بشكل كامل في حرب اقتصادية مع حليفتها القديمة.
وطالما سعت كيبيك، المقاطعة الكندية ذات الأغلبية الناطقة بالفرنسية، إلى حماية هويتها المتميزة، مستخدمة في بعض الأحيان قوانين تتعارض مع الحكومة الفيدرالية والميثاق الكندي للحقوق والحريات.
وفي السنوات الأخيرة، أثارت هذه القواعد أيضا استياء المفاوضين الأميركيين، الذين وصفوها بأنها مصدر إزعاج في العلاقات التجارية.
وصف المنتجات باللغة الفرنسية
فعلى سبيل المثال، يُلزم مشروع القانون رقم 96 المنتجات المباعة في كيبيك بتقديم وصف باللغة الفرنسية، كما يلزم العلامات التجارية التي تستخدم مصطلحات عامة بترجمتها إلى الفرنسية، بينما يلزم مشروع القانون رقم 109 خدمات الإعلام مثل نتفليكس وسبوتيفاي وآبل بالترويج للمحتوى الفرنسي وإعطائه الأولوية لمستخدمي كيبيك.
وقالت رئيسة وزراء كيبيك، كريستين فريشيت، إن كارني اتخذ القرار الصائب بالانسحاب من المحادثات التي بدت وكأنها تتجاوز "خطا أحمر" بالنسبة للناطقين بالفرنسية.
وصرحت للصحفيين خلال عطلة نهاية الأسبوع بأن الثقافة واللغة أساسيتان لهوية كيبيك، مؤكدة أهمية استبعادهما من طاولة المفاوضات، وأنهما لن يتغيرا حتى في ظل التهديد بفرض تعريفات جمركية مختلفة.
وأظهرت استطلاعات رأي أجريت في وقت سابق من هذا الشهر أن نسبة النفور من ترامب هي الأعلى في كيبيك.
وشهد الانفصاليون في المقاطعة انخفاضا حادا في الدعم وسط الضربات الاقتصادية التي ألحقتها الولايات المتحدة بهم.
وفي الأسبوع الماضي، قال بول سانت بيير بلاموندون، السياسي السيادي الأوفر حظا للفوز في الانتخابات الإقليمية المقبلة، إن حزبه سيؤجل أي استفتاء محتمل على انفصال كيبيك عن كندا إلى حين انتهاء ولاية ترامب.
وكتب "أن تحديد مصير كيبيك السياسي "يجب ألا يُختطف بفعل اضطرابات السياسة الأميركية، أو تصريحات رئيس غير متوقع، أو حملة ترهيب".
ووصف اتحاد غرف التجارة في كيبيك الرسوم الجمركية بأنها "أسوأ سيناريو" لشركات المقاطعة.
كيبيك الأكثر تضررا من الرسوم الجمركية
وقالت فريشيت إن كيبيك كانت الأكثر تضررا من الرسوم الجمركية منذ بداية الحرب التجارية، مضيفة أن الشركات في جميع مناطق المقاطعة تواجه خطر فقدان العقود، وأن هذا الأمر بدأ بالفعل.
وفي المقابل، وصف جاميسون غرير، كبير الممثلين التجاريين في إدارة ترامب، يوم الاثنين التقارير التي تفيد بأن حماية اللغة الفرنسية مطروحة للنقاش بأنها "قصة ملفقة ومضحكة".
وقال غرير لشبكة سي إن بي سي، إن ذلك غير صحيح، مؤكدا إعجابه بسكان كيبيك والفرنسية التي يتحدثون بها، ومضيفا أنه وأبناءه يتحدثون الفرنسية.
وادعى غرير أن القضية المطروحة تتمثل في رفض الأميركيين "إجبار" كندا لشركات البث العملاقة في الولايات المتحدة على دفع جزء من أرباحها لدعم المحتوى الكندي. لكن كندا كانت قد تراجعت عن هذا الموقف، إذ تخلت سابقا عن بعض بنود ضريبة الخدمات الرقمية.
وأضاف أنه يتفهم رغبة سكان كيبيك في الحصول على محتوى باللغة الفرنسية، معتبرا أن ذلك أمر ذو قيمة كبيرة، ومشجعا الدول على إعطاء الأولوية لبلدانها وهوياتها الوطنية.
ورفض كارني هذا الطرح، قائلا للصحفيين إن الأمر ليس "مضحكا"، وإن هناك "تفاوتا هائلا" في وجهات النظر.
وفي يوم الاثنين أيضا، كثف ترامب جهوده لشن حرب اقتصادية ضد حليف بلاده السياسي والأمني والاقتصادي القديم.
وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن "كندا تستغل الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات"، منتقدا "الرسوم الجمركية المرتفعة بشكل فاحش" التي تفرضها كندا على المزارعين الأميركيين، ومؤكدا أن هذا الوضع "غير مستدام، ولن يستمر".
وتعهد الرئيس الأميركي، الذي يواجه تزايدا في القلق الداخلي بسبب نزاعه التجاري مع كندا، بزيادة الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات والصلب ابتداء من الأول من يناير، وكتب بأحرف كبيرة: "لسنا بحاجة إلى كندا، بل هم من يحتاجون إلينا!".
(المشهد)
