المعادن الحرجة تعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بإفريقيا

آخر تحديث:

شاركنا:
الصين أدركت أهمية الثروة المعدنية الإفريقية منذ عقود (رويترز)
هايلايت
  • السياسة الأميركية في إفريقيا تتحول من منطق المساعدات إلى منطق التجارة والاستثمار.
  • المعادن الحرجة في إفريقيا أصبحت ضرورية للتفوق الأميركي في الذكاء الاصطناعي والطاقة والدفاع.
  • الصين تسيطر على أجزاء واسعة من سلاسل توريد المعادن من المناجم إلى المعالجة والبنية التحتية.

في تقرير لـ "The National Interest"، قالت مهناز خان إن الولايات المتحدة تستطيع بناء سياسة أكثر استدامة تجاه المعادن الحرجة في إفريقيا، إذا تحركت برؤية إستراتيجية تقوم على المصالح المشتركة، بدلًا من الاكتفاء بالمساعدات أو محاولة تقليد النموذج الصيني.

وترى الكاتبة، أن سياسة واشنطن تجاه إفريقيا يجري إعادة تشكيلها تدريجيًا، بعدما ظلت لعقود مرتبطة في الأساس بالمساعدات التنموية، قبل أن يبدأ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تحويل المسار نحو الاستثمار في البنية التحتية الإستراتيجية، خصوصًا عبر ممر لوبيتو الذي يربط المناطق الغنية بالمعادن في وسط إفريقيا بالأسواق العالمية.

الصين سبقت واشنطن إلى معادن إفريقيا

توضح خان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دفع هذا التحول خطوة أبعد، عبر اختصار العلاقة الجديدة مع إفريقيا في عبارة "التجارة لا المساعدات".

وبحسب المقال، فإن الجانب التجاري من هذه المعادلة يتمحور حول المعادن الحرجة، التي أصبحت ضرورية للهيمنة الصناعية الأميركية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة والدفاع.

لكن إفريقيا تواجه واقعًا هيكليًا صعبًا، إذ لم تتحول ثرواتها المعدنية الضخمة تحت الأرض إلى ثروة تجارية كافية فوق الأرض، وهو وضع تسعى الحكومات الإفريقية إلى تغييره.

تقول الكاتبة، إن الصين أدركت أهمية الثروة المعدنية الإفريقية منذ عقود، وعملت على بناء حضور واسع عبر سلسلة الإمداد بأكملها، من المناجم والمعالجة إلى السكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية للطاقة.

وتظهر نتائج هذا النهج بوضوح في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أكبر منتج للكوبالت في العالم، والتي شكلت 3 أرباع إنتاج المناجم العالمي في 2025، بينما يتجه معظم الكوبالت المستخرج والمكرر منها إلى الصين.

وبحسب التقرير، فإن المعادن تخرج من إفريقيا، بينما تبقى القيمة المضافة الناتجة عن المعالجة والتصنيع داخل الصين.

إفريقيا تريد التصنيع لا تصدير الخام فقط

ترى خان أن كثيرًا من الحكومات الإفريقية لم تعد مستعدة لقبول نموذج استخراج الخام وتصديره فقط، بل تضغط من أجل تعظيم القيمة المحلية عبر المعالجة والتكرير والتصنيع داخل القارة.

وهنا تلتقي المصالح الأميركية والإفريقية، إذ تحتاج الولايات المتحدة إلى المعادن التي تمتلكها إفريقيا للحفاظ على تفوقها الصناعي، بينما تحتاج إفريقيا إلى رأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق التي يمكن أن توفرها واشنطن.

وتؤكد الكاتبة أن التنمية الإفريقية وإعادة التصنيع الأميركي ليسا هدفين متعارضين، بل يمكن أن يكونا هدفين متكاملين إذا اعتمدت السياسة الأميركية على اعتراف صريح بهذا التوافق.

يقترح المقال أن تقوم سياسة "التجارة لا المساعدات" على 3 ركائز رئيسية، هي رؤية إستراتيجية مشتركة تستند إلى المصالح المتبادلة، وهيكل تجاري يوفر يقينًا طويل الأمد، ونموذج استثماري قادر على تحويل المشروعات إلى نطاق واسع.

وترى خان أن هذه الركائز تمثل الأساس الضروري لإستراتيجية تجارية حديثة بين الولايات المتحدة وإفريقيا، خصوصًا في ملف المعادن الحرجة.

رؤية إستراتيجية تبدأ من القطاعات الأميركية

تقول الكاتبة، إن بناء رؤية إستراتيجية لإفريقيا يجب أن يبدأ من تحديد القطاعات التي تريد الولايات المتحدة السيطرة عليها، ثم تحديد المعادن المطلوبة لهذه القطاعات، وبعدها اختيار الدول الإفريقية القادرة على توفيرها.

وتشير إلى أن الصين اتبعت هذا النهج لعقود عبر خططها الخمسية، التي تحدد القطاعات ذات الأولوية، وتؤمن المعادن من إفريقيا، ثم تبني البنية التحتية اللازمة لضمان وصول الإمدادات إلى الداخل الصيني.

وقد نجحت هذه الإستراتيجية في جعل الصين لاعبًا مهيمنًا في سلاسل توريد المعادن الحرجة، إذ تسيطر على نحو 60% من إنتاج المعادن النادرة، وتعد المكرر الرئيسي لـ19 من أصل 20 معدنًا أساسيًا، بمتوسط حصة معالجة عالمية يبلغ 70%.

ترى خان أن الولايات المتحدة لا تستطيع مجاراة حجم الاستثمار الصيني في إفريقيا، ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك.

فالأولوية، بحسب المقال، ليست تكرار نموذج بكين الاستخراجي، بل بناء نموذج أكثر استهدافًا، يحدد بدقة أين تريد واشنطن الاستثمار، وما الذي سيحصل عليه الشركاء الأفارقة في المقابل.

وتوضح الكاتبة أن النموذج الأميركي يجب أن يساعد الدول الإفريقية على تحويل المناجم إلى اقتصادات منتجة، لا مجرد مصادر خام لخدمة صناعات الخارج.

النحاس في الكونغو وزامبيا مفتاح الذكاء الاصطناعي

يضرب المقال مثالًا بالذكاء الاصطناعي، إذ يتطلب الحفاظ على التفوق في أنظمة الحوسبة وبناء مراكز البيانات تأمين النحاس، ما يجعل حزام النحاس في الكونغو الديمقراطية وزامبيا بالغ الأهمية.

وتشير خان إلى أن كلا البلدين يمتلك بالفعل جزءًا من قدرات المعالجة المحلية، إذ تصهر زامبيا جزءًا من النحاس وتكرره إلى كاثود، بينما تتحرك الكونغو الديمقراطية نحو أول مصفاة متكاملة.

لكن هذه القدرات لم تواكب نمو الإنتاج، ما يترك مليارات الدولارات من إيرادات القيمة المضافة خارج الاقتصادين المحليين.

ترى الكاتبة أن الاستثمار الأميركي في النحاس يجب أن يقترن بالتزام واضح بسد فجوة المعالجة المحلية، عبر بناء قدرات القوى العاملة الفنية، ودعم توسع المناجم والمصاهر.

وتؤكد أن هذه الالتزامات هي ما طالبت به الدول الإفريقية منذ عقود، وهي وعود قدمتها الصين مرارًا لكنها نادرًا ما نفذتها بصورة كافية.

المعادن النادرة ساحة منافسة أخرى

ينتقل المقال إلى المعادن النادرة، موضحًا أن بناء سلسلة إمداد أميركية للمغناطيس يتطلب تأمين مواد خام من إفريقيا، خصوصًا المعادن النادرة الثقيلة.

وتشير خان، إلى أن موقع مريما هيل في كينيا يحتوي على رواسب مؤكدة من المعادن النادرة، بينما يعد موقع غاكارا في بوروندي من بين أعلى المواقع جودة في العالم، بحسب تقارير.

وترى الكاتبة أن هذه المعادن يجب أن تتجه نحو الولايات المتحدة لا الصين، خصوصًا بعدما استخدمت بكين قيود التصدير للتحكم في وصول واشنطن إلى المعادن النادرة والمغناطيس.

تخلص خان، إلى أن نجاح الرؤية الأميركية يعتمد على مواءمة احتياجات إعادة التصنيع في الولايات المتحدة، مع طموحات إفريقيا في تعظيم القيمة المحلية من مواردها.

وتؤكد أن بناء شراكات تحقق مكاسب للطرفين هو الطريق الوحيد لسياسة معادن حرجة أكثر دوامًا، تسمح لواشنطن بتقليص نفوذ الصين، وتمنح الدول الإفريقية فرصة أكبر لتحويل ثرواتها المعدنية إلى نمو صناعي حقيقي.

(ترجمات)