تفاقمت أزمة الكهرباء والوقود في ليبيا مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغوط على إمدادات الطاقة، في وقت تعاني فيه البلاد من مشكلات تتعلق بتقادم البنية التحتية، وتراجع إنتاج الغاز الطبيعي، واضطرابات إمدادات الوقود، إلى جانب انتشار تهريب المنتجات النفطية.
وأدت الأزمة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل على الشركات والمحال التجارية، بينما امتدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في شرق ليبيا وغربها لمسافات تصل أحيانا إلى 2 كيلومتر بحسب ما نشرته وكالة رويترز.
وارتفع سعر لتر الديزل في السوق السوداء إلى نحو 11 دينارا ليبيا، بما يعادل نحو 1.70 دولار، مقارنة بالسعر المدعوم البالغ 0.15 دينار.
خسائر الشركات
وقال نسيم العكاري، الذي يملك سلسلة مطاعم في العاصمة طرابلس، إن انقطاعات الكهرباء تسببت في خسائر تقدر بنحو 40 ألف دولار خلال بضعة أشهر، مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف.
وأضاف، أنه يضطر إلى تشغيل المولدات لتجنب تلف المواد الغذائية، وشراء وقود الديزل من السوق السوداء لمواصلة العمل، مشيرا إلى أن انقطاع الكهرباء في منطقة قصر بن غشير جنوب طرابلس قد يستمر لما يصل إلى 36 ساعة، ما يدفعه إلى إنفاق نحو 10 آلاف دينار، أي ما يقارب 1,600 دولار يوميا، على تشغيل مولدات الكهرباء.
وامتدت تداعيات أزمة الكهرباء إلى قطاع المياه، إذ توقفت إمدادات المياه من مشروع النهر الصناعي العظيم، الذي ينقل المياه الجوفية من الصحراء عبر شبكة واسعة من الأنابيب، عقب إعلان الشركة العامة للكهرباء انقطاعا شاملا للتيار.
وقالت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، خلال إحاطة في أغسطس، إن انقطاعات الكهرباء تمثل "مفارقة لافتة" في بلد ينفق نحو مليار دولار شهريا على واردات الوقود.
موجات الحر تضاعف الضغوط
وقال جلال حرشاوي، الباحث المساهم في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، إن موجات الحر كانت العامل المباشر وراء تفجر أزمة الكهرباء، بعدما أدت إلى زيادة استخدام أجهزة تكييف الهواء وفرض ضغوط إضافية على شبكة الكهرباء.
وأضاف أن الأزمة تفاقمت نتيجة تضافر عوامل أخرى، من بينها تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، ما دفع بعض محطات الكهرباء إلى التحول لاستخدام الوقود، في وقت تواجه فيه إمدادات الوقود ضغوطا بسبب انتشار عمليات التهريب.
ورغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في شمال أفريقيا، فإنها تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المنتجات النفطية المكررة التي تبيعها بأسعار مدعومة.
ويقول محللون وخبراء من الأمم المتحدة إن كميات كبيرة من هذه المنتجات يجري تحويلها بصورة غير قانونية وبيعها في الخارج لتحقيق أرباح.
وقالت منظمة "ذا سنتري" الأميركية الرقابية في أواخر العام الماضي إلى أن تهريب الوقود يكلف ليبيا نحو 6.7 مليارات دولار سنويا، مشيرة إلى أن أكثر من نصف الوقود المستورد يتم استنزافه بواسطة شبكات إجرامية.
بنية تحتية متهالكة
وتسهم مشكلات البنية التحتية في زيادة حدة أزمة الوقود، إذ قال أحمد المسلاتي، المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، إن 9 صهاريج تخزين في طرابلس دمرت خلال حرب عام 2014 ولم يتم إصلاحها حتى الآن.
ووفقا لتقرير صدر في يونيو عن ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في ليبيا، فإن المصافي الرئيسية الـ5 في البلاد تبلغ طاقتها النظرية نحو 380 ألف برميل يوميا، بينما يقل الإنتاج الفعلي عن هذه المستويات بفارق كبير.
كما تفاقمت أزمة الإمدادات عقب هجوم بطائرة مسيرة الشهر الماضي على مجمع نفطي في الزاوية، الواقعة غربي طرابلس، والتي تضم المصفاة الرئيسية في البلاد.
وقال "المسلاتي" إن الاضطرابات التي تشهدها مسارات الشحن عبر مضيق هرمز تسببت أيضا في تأخير بعض شحنات الوقود لمدة تصل إلى 12 يوما.
وقال تيم إيتون، الباحث في مركز تشاتام هاوس البريطاني للدراسات، إن أزمة انقطاع الكهرباء تعكس جانبا واسعا من المشكلات التي تواجه ليبيا.
وأضاف أن ليبيا تستورد كميات من الوقود تفوق بكثير احتياجات توليد الكهرباء، لكن جزءا كبيرا منها يخرج من المنظومة بسبب ما وصفه بـ"فساد يحظى بغطاء سياسي، والاختلاس، وخلل المؤسسات".
وأضاف أن المواطنين الليبيين يتحملون تكلفة هذه المشكلات، بينما لا يحصلون على مقابل مماثل من الخدمات.
محطات متنقلة لمواجهة أزمة الوقود
وفي محاولة لتخفيف حدة أزمة الوقود، أنشأت شركة البريقة لتسويق النفط محطة وقود متنقلة، مع تحديد حد أقصى يبلغ 300 لتر لكل مركبة.
ورغم هذه الإجراءات، لا تزال طوابير الانتظار أمام محطات الوقود تمتد لساعات، في ظل استمرار نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود في السوق السوداء.
(رويترز)
