تشهد الولايات المتحدة اتساعا غير مسبوق في فجوة الثروة والدخل، في ظاهرة باتت توصف داخل الأوساط الاقتصادية بـ"الاقتصاد على شكل حرف K"، حيث يواصل الأثرياء تعزيز مكاسبهم بوتيرة متسارعة، بينما تتراجع قدرة الطبقات المتوسطة والمنخفضة على اللحاق بهذا النمو، خصوصا بعد موجة التضخم الحادة التي أعقبت جائحة كورونا.
توزيع الثروة في أميركا
وتكشف البيانات الاقتصادية الأميركية عن تحولات عميقة في توزيع الثروة داخل أكبر اقتصاد في العالم، إذ ارتفعت حصة الأسر الأميركية التي تنتمي إلى أعلى 10% من حيث الدخل من إجمالي ثروة البلاد من 32% فقط عام 1989 إلى نحو 68% بحلول عام 2025، وفقاً لبيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
هذا التحول رصده تقرير سي إن إن وكشف تركز الثروة في أيدي شريحة محدودة من الأميركيين، في وقت يواجه فيه أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف السكن والغذاء وأسعار الفائدة.
يشير مصطلح الاقتصاد على شكل حرف K إلى وجود مسارين مختلفين داخل الاقتصاد الواحد؛ مسار صاعد تستفيد منه الفئات الأعلى دخلا وثروة، ومسار هابط أو بطيء النمو يطال بقية الفئات الاجتماعية.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، اتسعت الفجوة بين طرفي هذا الحرف بشكل لافت، مع تفاقم أزمة التضخم التي ضربت الاقتصاد الأميركي عقب جائحة كورونا، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على اختلاف مستويات الدخل فقط، بل امتد إلى طبيعة الأصول التي يمتلكها الأميركيون، وقدرتهم على الاستثمار والإنفاق.
صافي ثروة الأميركيين
وتوضح البيانات أن صافي ثروة الأميركيين الأثرياء ينمو بوتيرة تفوق بكثير نمو ثروة الطبقات المتوسطة والفقيرة، حيث ارتفعت ثروة أعلى 1% من السكان بنسبة 30% خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما سجلت الفئة المتوسطة، التي تمثل نحو 40% من السكان، نمو يقل عن 10% فقط خلال الفترة نفسها.
ويستحوذ أصحاب الدخول المرتفعة في الولايات المتحدة على النسبة الأكبر من الأصول التي شهدت ارتفاعات قوية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها العقارات والأسهم.
ويمتلك أعلى 20% من الأميركيين أكثر من 3 أرباع الأسهم المتداولة في الولايات المتحدة، إضافة إلى أكثر من نصف التمويلات العقارية، كما يسيطرون على أكثر من نصف القيمة الإجمالية للمنازل.
وشهدت أسعار المنازل في الولايات المتحدة قفزات كبيرة خلال السنوات الماضية، ما عزز ثروات مالكي العقارات بشكل ملحوظ، في حين أدت أسعار الفائدة المرتفعة على التمويل العقاري إلى إبعاد شرائح واسعة من أصحاب الدخول المنخفضة عن سوق الإسكان، لتصبح فكرة امتلاك منزل أكثر صعوبة بالنسبة لهم.
وفي المقابل، لا يمتلك أدنى 20% من السكان سوى 3% فقط من إجمالي قيمة العقارات في الولايات المتحدة، ما يعكس عمق التفاوت في توزيع الأصول العقارية.
السياسات النقدية
كما ساهمت السياسات النقدية التي أعقبت جائحة كورونا في تعميق الفجوة الاقتصادية، إذ استفاد أصحاب المنازل من الانخفاض التاريخي في أسعار الفائدة على الرهن العقاري، وتمكنوا من إعادة تمويل قروضهم العقارية بشروط أكثر مرونة، وهو ما وفر لهم نحو 430 مليار دولار من قيمة أسهم منازلهم، ومنحهم دفعة مالية كبيرة عززت أوضاعهم الاقتصادية.
ولم تقتصر استفادة الأغنياء على العقارات فقط، بل امتدت إلى سوق الأسهم، حيث يمتلك أعلى 20% من السكان أكثر من ثلاثة أرباع الأصول المالية في البلاد، بينما يسيطر أعلى 1% وحدهم على أكثر من ربع هذه الأصول.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، حقق مؤشر «S&P 500» الأميركي مكاسب بلغت 86.2%، ما أدى إلى تضخم ثروات المستثمرين في الأسهم بشكل كبير، في وقت ظلت فيه العوائد على السيولة النقدية محدودة للغاية، إذ حقق الاحتفاظ بالكاش مكاسب تقل عن 1% سنوياً في المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
ضغوط التضخم
في الوقت الذي استفادت فيه الفئات الثرية من ارتفاع أسعار الأصول، واجه الأميركيون من أصحاب الدخول المحدودة ضغوطاً أكبر بسبب التضخم، خصوصا أن الجزء الأكبر من إنفاقهم يذهب إلى السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء والسكن.
وتشير البيانات إلى أن التضخم لم يؤثر على جميع الأميركيين بنفس الدرجة، إذ ارتفعت أسعار المستهلك الفعلية التي تواجه أدنى 20% من السكان بنسبة 57% بين عامي 2005 و2023، مقابل زيادة بلغت 46% فقط بالنسبة لأعلى 20% من السكان، بحسب بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس.
ويعني ذلك أن الأسر الأقل دخلا تحملت تضخم أكبر مقارنة بالأسر الأكثر ثراء، نظراً لأن السلع الأساسية التي تعتمد عليها شهدت زيادات سعرية أكبر من السلع والخدمات التي يستهلكها أصحاب الدخول المرتفعة.
كما أظهرت البيانات أن الأميركيين الذين تقل دخولهم السنوية عن 40 ألف دولار اضطروا إلى تقليص إنفاقهم بداية من يناير 2023، ولم يبدأوا في استعادة قدر من التوازن المالي إلا بحلول سبتمبر 2024.
وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، ارتفع إنفاق هذه الفئة، بعد احتساب التضخم، بنسبة 1.3% فقط، مقارنة بزيادة بلغت 7.6% لدى الأسر التي تحقق دخلاً سنوياً لا يقل عن 125 ألف دولار.
الطلب القوي من الأغنياء
ويرى محللون أن استمرار الإنفاق القوي من قبل أصحاب الدخول المرتفعة لعب دوراً في الحفاظ على مستويات الطلب المرتفعة داخل الاقتصاد الأميركي، وهو ما ساهم بدوره في استمرار الضغوط التضخمية على مختلف السلع والخدمات وفق سي إن إن.
فالأسر الثرية لا تمتلك فقط دخلا أكبر، بل تملك أدوات أكثر فعالية لتنمية ثرواتها، سواء عبر الاستثمار في العقارات أو الأسهم أو الاستفادة من ارتفاع قيمة الأصول، بينما يجد أصحاب الدخول المنخفضة أنفسهم خارج هذه الأسواق بسبب ارتفاع تكاليف الدخول إليها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الفجوة الاقتصادية في الولايات المتحدة مرشحة لمزيد من الاتساع، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الأصول المالية والعقارية، مقابل بقاء الضغوط التضخمية مرتفعة على الفئات الأقل دخلاً.
ويعكس هذا الواقع تحوّلاً هيكلياً في الاقتصاد الأميركي، أصبحت فيه فرص بناء الثروة مرتبطة بدرجة كبيرة بامتلاك الأصول والاستثمار فيها، وليس فقط بمستوى الدخل أو العمل، ما يعمق الانقسام الاقتصادي والاجتماعي داخل الولايات المتحدة بصورة غير مسبوقة.
(المشهد)