تحولت "سفن الأشباح" أو ما يعرف بأسطول الظل إلى واحدة من أكثر الأدوات تأثيرًا في إبقاء النفط الخاضع للعقوبات متدفقًا في الأسواق العالمية، عبر شبكة معقدة من تغيير الأسماء والأعلام والملكية ومسارات الشحن، بما يسمح لشحنات النفط الروسية والإيرانية وغيرها بمواصلة الإبحار خارج الرقابة التقليدية، بحسب تقرير نشرته "anewz".
ويتضح أن هذه الأساطيل لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت تمثل نحو سدس أسطول ناقلات النفط في العالم، مستفيدة من ثغرات قانونية وتراخٍ رقابي ومصالح اقتصادية متشابكة، في وقت تتزايد فيه المخاطر البيئية والتجارية المرتبطة بها على السواحل والممرات البحرية الحساسة.
ما هو أسطول الظل ولماذا اتسع بهذه السرعة؟
يشير مصطلح "أسطول الظل" إلى ناقلات نفط، غالبًا ما تكون قديمة، تعمل خارج نطاق الإشراف البحري التقليدي، مستخدمة أعلام ملائمة وملكية مخفية عبر شركات واجهة متعددة، بهدف الالتفاف على العقوبات المفروضة على دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وروسيا البيضاء.
وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، فإن هذه الناقلات باتت تمثل نحو 17% من أسطول ناقلات النفط العالمي، مع وجود ما يقارب 600 سفينة تعمل في تجارة النفط الروسي وحده.
وهذا الحجم يكشف أن المسألة لم تعد مجرد حالات فردية متفرقة، بل أصبحت بنية موازية كاملة داخل سوق الشحن والطاقة.
يعتمد هذا النشاط على مجموعة من الأساليب المصممة لإخفاء هوية السفن ومواقعها الحقيقية.
ويقول أستاذ القانون البحري في جامعة سيتي سانت جورج بلندن ورئيس مجلس الأبحاث في المعهد البحري الماليزي جايسون تشواه، إن هناك 3 أدوات أساسية يستخدمها مشغلو هذه السفن للتهرب من الرصد والمساءلة.
الأداة الأولى هي إطفاء نظام التعرف الآلي AIS، وهو النظام الذي يتيح تتبع السفن. أما الثانية فهي "خداع نظام تحديد المواقع"، حيث تبث السفينة بيانات موقع مضللة تجعلها تبدو في مكان بينما تعمل فعليًا في مكان آخر.
أما الثالثة فهي "استنساخ الهوية"، حين تتبنى السفينة هوية سفينة أخرى شرعية، مستخدمة رقم المنظمة البحرية الدولية والعلم ونداء الاتصال الخاص بها، بما يصعب على السلطات تتبعها بدقة.
تغيير الأعلام والملكية جزء من اللعبة
يوضح التقرير، أن بعض السفن تغير اسمها وعلمها أكثر من مرة خلال سنوات قليلة، في عملية مقصودة لجعل تتبع تاريخها القانوني والتشغيلي أمرًا شديد الصعوبة.
وتحدث هذه التغييرات عبر دول مستعدة لقبول إعادة التسجيل مقابل رسوم محدودة نسبيًا، تصبح في نهاية المطاف ضئيلة للغاية مقارنة بقيمة شحنة نفط قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات.
وهذا يعني أن تكلفة إخفاء الهوية تظل محدودة للغاية، إذا ما قورنت بالعائد المتوقع من نقل شحنات نفط خاضعة للعقوبات، وهو ما يجعل هذه الممارسة جذابة اقتصاديًا لعدد كبير من المشغلين والوسطاء.
ومن أهم الأساليب التي يعتمد عليها أسطول الظل أيضًا، عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في المياه الدولية، حيث تنقل الشحنات من ناقلات مظللة إلى سفن تبدو قانونية على الورق.
وتتركز هذه العمليات في مناطق نشطة وحساسة، مثل مضيق هرمز ومضيق كيرتش في البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي.
وتوفر هذه الآلية طبقة إضافية من التمويه، لأن النفط لا يصل إلى المشتري النهائي مباشرة من السفينة الأصلية، بل يمر عبر سلسلة نقل تجعل إثبات مصدره ومسار ملكيته أكثر صعوبة، خصوصا في المياه الدولية التي لا تخضع لولاية مباشرة من دولة واحدة.
من المستفيد من استمرار هذا الأسطول؟
لا يقتصر المستفيدون على الدول الخاضعة للعقوبات فقط، فالدول المنتجة تحصل على منفذ لتصدير النفط بأسعار مخفضة، بينما تستفيد دول أخرى من شراء خام أرخص، خصوصا إذا كانت لا تعترف بشرعية بعض العقوبات الأميركية أو الأوروبية.
وتستفيد دول تسجيل الأعلام من رسوم إعادة التسجيل، فيما يحقق ملاك السفن أرباحًا من تشغيل ناقلات كان يمكن أن تخرج أصلًا من الخدمة، بسبب عمرها أو ضعف كفاءتها.
وبهذا المعنى، فإن التساهل مع أسطول الظل لا تحركه دائمًا اعتبارات سياسية فقط، بل أيضًا مصالح تجارية مباشرة، تجعل أطرافًا عدة تفضل غض الطرف عن المخاطر القانونية والبيئية طالما أن النشاط يتم بعيدًا عن سواحلها المباشرة.
قنبلة بيئية موقوتة في طرق الشحن
أخطر ما في أسطول الظل لا يرتبط فقط بالالتفاف على العقوبات، بل بما يحمله من مخاطر بيئية جسيمة.
فهذه السفن غالبًا ما تكون قديمة، وضعيفة التأمين وتعمل خارج مستويات الإشراف المطلوبة، وهو ما يزيد احتمالات الحوادث والانسكابات والتصادمات والحرائق.
ويحذر التقرير، من أن حادث تسرب كبير من ناقلة تابعة لأسطول الظل قد تصل كلفة تنظيفه إلى 1.6 مليار دولار، مع احتمال أن يتحمل دافعو الضرائب جزءًا مهمًا من الفاتورة، بسبب ضعف التغطية التأمينية أو غيابها أصلًا.
ويستحضر هذا الخطر ما حدث في أواخر 2024، عندما تحطمت ناقلتان روسيتان قديمتان قرب مضيق كيرتش، ما أدى إلى تسرب آلاف الأطنان من الوقود الثقيل إلى البحر الأسود.
رغم إدراك كثير من الجهات الدولية لحجم الخطر، فإن محاسبة هذا الأسطول ما زالت تصطدم بتشظي الاختصاصات بين دول العلم ودول الموانئ والدول الساحلية، إلى جانب الطبيعة القانونية المعقدة للمياه الدولية.
وحتى عندما اعتمدت المنظمة البحرية الدولية أول تعريف رسمي لأسطول الظل في ديسمبر 2023، ظل ذلك في إطار قرار غير ملزم قانونيًا.
(ترجمات)