بين مؤشرات رسمية تبعث على التفاؤل ومخاوف متزايدة لدى العاملين في القطاع، يتابع مهنيو السياحة في تونس بقلق تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة القطاع السياحي على الحفاظ على زخمه خلال موسم الصيف، الذي يمثل ذروة النشاط السياحي ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة في البلاد.
وتطمح تونس هذا العام لاستقطاب أكثر من 12 مليون سائح، بعد أن استقبلت نحو 11 مليون زائر خلال عام 2025، وفق تصريحات وزير السياحة سفيان تقية، غير أن استمرار الحرب في المنطقة يضع القطاع الحساس الذي دائما ما يتأثر بالاضطرابات الجيوسياسية أمام تحديات كبيرة.
قلق وحذر
ومع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، تسود حالة من الحذر لدى شركات الطيران ووكلاء الأسفار وأصحاب الفنادق، الذين يخشون أن تنعكس أجواء عدم اليقين على قرارات السفر والحجوزات الصيفية.
ويقول ناظم العبيدي، مدير أحد الفنادق التونسية، إن القطاع السياحي يعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه الأزمات الدولية، خصوصاً تلك المرتبطة بالأوضاع الأمنية.
وأضاف في حديث لـ"المشهد": "رغم البعد الجغرافي لتونس عن منطقة الصراع، فإنها ليست بمنأى عن تداعيات ما يحدث. السياحة تتأثر بالمناخ العام أكثر مما تتأثر بالحدود الجغرافية، وكل تصعيد في المنطقة ينعكس بدرجات متفاوتة على حركة السفر عالمياً".
وأشار إلى أن الفندق الذي يعمل به سجل تباطؤاً نسبياً في نسق الحجوزات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويتفق الخبير في السياحة هادي حمدي مع هذا التقييم، معتبراً أن الصورة التي تتشكل لدى السائح تلعب دوراً حاسماً في قرارات السفر.
وقال لـ"المشهد": "كثير من السياح الأوروبيين لا يميزون بدقة بين دول المنطقة، وقد يؤدي تصاعد التوترات إلى وضع كل وجهات الشرق ضمن دائرة المخاطر، حتى وإن كانت بعيدة جغرافياً عن الأحداث".
وأضاف:
- التغطية الإعلامية المكثفة للحرب تؤثر على قرارات السائح الذي بات يجعل من الاعتبارات الأمنية أولوية بالنسبة له.
- بعض الأسواق المصدرة للسياح تشهد حالة تريث في اتخاذ قرارات الحجز.
مؤشرات إيجابية رغم المخاوف
في المقابل، تبعث الأرقام الرسمية على التفاؤل بموسم سياحي ناجح، فقد أظهرت بيانات البنك المركزي التونسي ارتفاع العائدات السياحية إلى 1.449 مليار دينار خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 4.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما أكد محمد مهدي الحلوي، المدير العام للديوان الوطني للسياحة، أن الوجهة التونسية تواصل تسجيل حركية إيجابية مدعومة بعوامل الاستقرار الأمني والتنافسية السعرية.
ورغم إقراره بتسجيل بطء نسبي في نسق الحجوزات، شدد المسؤول التونسي على عدم تسجيل موجة إلغاءات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الراهنة.
ويرى مختصون أن تونس قد تستفيد نسبياً من موقعها الجغرافي البعيد عن بؤر التصعيد المباشر، خصوصا في ظل بحث عدد من السياح الأوروبيين عن وجهات أقل تكلفة وأكثر استقراراً مقارنة ببعض مناطق شرق المتوسط.
ارتفاع التكاليف.. التحدي الأكبر
لكن المخاوف لا تقتصر على صورة المنطقة في أذهان السياح، إذ يواجه القطاع تحدياً آخر يتمثل في ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
فالحرب وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة وحركة الطيران العالمية أدت إلى زيادة أسعار وقود الطائرات، وهو ما ينعكس تدريجياً على أسعار التذاكر.
ويُحذر حمدي من أن ارتفاع تكاليف السفر قد يؤثر في قرارات العطلات الصيفية لدى شريحة واسعة من السياح.
وأضاف أن أسعار التذاكر مرشحة لمزيد من الارتفاع مع بداية موسم الذروة، لافتاً إلى أن تأثيرات سوق الطاقة قد تستمر حتى في حال توقف العمليات العسكرية.
وفي المقابل، يتوقع أن تعوض حجوزات اللحظة الأخيرة الحجوزات المبكرة هذا الموسم، مع تفضيل العديد من السياح تأجيل قرارات السفر إلى حين اتضاح الرؤية في المنطقة.
تخفيضات وعروض مبكرة
وفي محاولة لجلب أكبر عدد من السياح هذا العام، أطلقت العديد من المؤسسات الفندقية التونسية عروضاً ترويجية وتخفيضات مرتبطة بالحجز المبكر.
وكان وزير السياحة قد أعلن على هامش صالون السياحة عن تخفيضات تتجاوز 50 % في بعض الوحدات الفندقية، بهدف تشجيع الحجوزات المسبقة وترسيخ ثقافة الحجز المبكر لدى السياح التونسيين والأجانب.
رهان الجوار والسياحة الداخلية
وفي مواجهة تقلبات الأسواق الدولية، تواصل تونس التعويل على السياحة الداخلية وسياحة الجوار، خصوصاً من الجزائر وليبيا، باعتبارهما أحد أهم مصادر التدفقات السياحية إلى البلاد.
وتشكل السياحة الداخلية وسياحة الجوار نحو نصف النشاط السياحي في تونس، فيما استقبلت البلاد خلال عام 2025 أكثر من 4 ملايين سائح جزائري.
وبين المخاوف المرتبطة بالحرب والمؤشرات الاقتصادية المشجعة، يجد القطاع السياحي التونسي نفسه هذا العام أمام اختبار جديد لمدى قدرته على التكيف مع الأزمات الخارجية واحتواء تداعياتها والحفاظ على صورة البلد كوجهة مستقرة وجذابة.
(المشهد)