النفق الأسود للاقتصاد العالمي.. هل انتهي عصر الاستقرار المالي؟

آخر تحديث:

شاركنا:
تغير واضح في خريطة الأموال حول العالم وإعادة هيكلة الديون مطلب اقتصادي (رويترز)
هايلايت
  • خبير اقتصادي : انتهى عهد الاقتصاد الحر والعالم يخوض مرحلة تفكك وضبابية.
  • مصرفي: الدين العالمي يتجاوز 350 تريليون دولار والإنفاق على التسلح يغير هيكل الاقتصاد.
  • تحول استراتيجي في سلاسل الإمداد والأمان والمرونة يتقدمان على التكلفة الأرخص للشركات.
  • تباطؤ التجارة العالمية لـ 2.2% ومخاوف التضخم تهبط بتوقعات النمو في 2026.
  • اقتراض قياسي مرتقب بـ 29 تريليون دولار عبر أسواق السندات.
  •  خبير اقتصادي يقترح جدولة الديون النامية لتجنب موجة تخلف عن السداد.

يتغير المشهد في الاقتصاد العالمي عاما تلو الآخر، فلم يعد الأمان والاستقرار الاقتصادي الذي توفر لعقود طويلة عقب الحرب العالمية الثانية موجود حاليا، وأصبح التقلب العنيف في السياسات أحد أهم مميزات هذه المرحلة، تغير واضح في شكل التجارة العالمية وكذلك في ميزان القوى الاقتصادية حول العالم، الأمر الذي فرض علينا واقعًا جديدًا يخلق حالة من الخوف تدفع الاستثمارات ورؤس الأموال للبحث عن الثقة والأمان من جديد.

تبدد آمال الاقتصاد في الاستقرار

مع عودة الحرب في الشرق الأوسط تبددت آمال العالم حول إيجاد استقرار اقتصادي، خصوصا مع تضرر سلاسل التوريد والإمداد عالميا، ورغم أن هذا التضرر بدأ منذ أزمة فيروس كورونا ثم حرب روسيا وأوكرانيا، إلا أن بوادر هذه الأزمة "سلاسل التوريد والامداد" أضيف لها مشكلات الطاقة وهو ما يدفع التضخم إلى مستويات أعلى حول العالم، وهذا يفرض سياسات تشددية لدى البنوك المركزية حول العالم.

"الاقتصاد حاليا يركز على مصالح الدول الكبرى، التي تحاول تجنب مواطنيها المزيد من التضخم وارتفاع الأسعار، لن يكون هناك اقتصاد حر من جديد خصوصًا مع تصعيد ترامب التجاري الذي بدأ في أبريل 2025" هكذا وصف الدكتور هاني قداح المستشار السابق لدى أحد مؤسسات التمويل الدولية والخبير الاقتصادي، وضع الاقتصاد في العالم.

يقول خلال حديث مع منصة المشهد، "نحن نعيش الآن في مرحلة "التفكك الاقتصادي والجيوسياسي، ويمكن النظر إلى أحدث التقارير الصادرة من صندوق النقد الدولي (IMF)، البنك الدولي (World Bank)، والمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) لعام 2026، ستجد أن الوضع العالمي يتجه نحو مزيد من التعقيد، ورغم أن المرحلة الحالية والتصعيد العسكري تشكل جزءا من هذا التعقيد، لكن سبقت هذه المرحلة مشكلات أخرى جعلت الاقتصاد أكثر هشاشة".

توقعات الاقتصاد العالمي

وخفّض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 2.5%، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي نسبة متفائلة تقف عند 3.0%)، وكلا الرقمين أقل بكثير من متوسط ما قبل الجائحة البالغ 3.2%.

وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر في يونيو 2026، فإن السياسات الحمائية والتوترات تكلف الاقتصاد العالمي خسائر مباشرة تتراوح بين 213 إلى 307 مليارات دولار سنوياً في المدى القصير، وفي سيناريو التصعيد الأسوأ، قد تؤدي هذه التوترات إلى انكماش النمو العالمي بنسبة تصل إلى 6.4%.

أكد الدكتور "قداح"، أن الضبابية الاقتصادية العالمية دفعت الدول للتركيز فقط على حماية نفسها من المخاطر المتصاعدة، خصوصا مع عدم الثقة في الاقتصاد الأميركي الذي تراجع بقوة خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلي لجوء الإدارة الأميركية لسياسات جنائية طالت الجميع وهذا أثر بقوة في حركة التجارة وتغير سلاسل التوريد.

وبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، فقد تباطأت حركة التجارة العالمية بشكل حاد لتسجل 2.2% فقط في عام 2026 مقابل 4.7% خلال بيانات العام الماضي.

يضيف الخبير الاقتصادي هاني قداح، أن هذه البيانات تكشف عن اندفاع الشركات خلال العام الماضي نحو تخزين البضائع والمنتجات الحيوية و الرقائق وغيرها من السلع والمدخلات الإستراتيجية، وهذا يشير لحالة من الفزع والخوف الشديد لدى الشركات العالمية، في ظل الإشارات الواضحة بدخول العالم نحو صدام اقتصادي تجاري ثم صدام عسكري تظهر مراحله الأولى في الشرق الأوسط حالياً.

إلى أين يتجه اقتصاد العالم؟

وبسؤال الدكتور قداح عن المرحلة المقبلة يقول"المفهوم الأشمل للاقتصاد حاليا يكشف عن بحث الشركات والاستثمارات عن الأمان والاستقرار أكثر من التكلفة الأقل، بمعنى أن عمليات التصنيع في الماضي كانت تبحث عن الدول الأرخص، لكن حاليا تبحث عن تجنب الابتزاز الاقتصادي والتجاري، كما تبحث الاستثمارات وعمليات التصنيع عن مناطق قريبة جغرافيا من الأسواق من أجل تقليل مخاطر الشحن، خصوصا مع أزمة مضيق هرمز وتضرر الملاحة في البحر الأحمر"

وفقاً لمنتدى الاقتصادي العالمي WEF، فإن 74% من قادة الأعمال يضعون "المرونة والأمان" كأولوية قصوى قبل التكلفة عند توجيه الاستثمارات ورؤوس الأموال.

أزمة ديون حادة

ذهب الدكتور أيمن حسن صاحب الخلفية المصرفية الكبيرة إلى نقطة أبعد في النظرة الاقتصادية للعالم حالياً، ليؤكد أن أزمة الديون العالمية أصبحت أكثر تعقيدا مع التطورات الأخيرة في آخر 5 سنوات .

وقال لمنصة المشهد، "تواجه دول في الشرق الأوسط وإفريقيا أشد الضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة، مما يهدد بتخلف بعضها عن سداد الديون، وهذا ناجم عن أسعار طاقة قفزت بقوة وقبلها فائدة تجاوزت 4 % لدى أكبر سوق للديون في العالم بأميركا.

وأضاف، أن بيانات معهد التمويل الدولي" (IIF) تكشف عن أن إجمالي الدين العالمي (الذي يشمل ديون الحكومات، الشركات، والأسر) يتجاوز حاجز 350 تريليون دولار بحلول الربع الأول من عام 2026، بعد أن أنهى عام 2025 عند مستوى قياسي بلغ 348 تريليون دولار، وهذا يحمل إشارات خطيرة عن الوضع الاقتصادي.

وأشار إلى أن هذه القفزة في المديونية تكشف عن التغير الهيكلي للاقتصاد العالمي، فهذا الارتفاع ليس مجرد زيادة في أرقام الدين العالمي فحسب، بل هو نتيجة مباشرة وناتجة عن الهيكل الجديد للاقتصاد القائم على توسيع الإنفاق على التسلح، زيادة كبيرة لتأمين الموارد، والاستثمار الفائق في التكنولوجيا المتقدمة بعيدا عن القطاعات الاقتصادية الأخرى التي توفر التشغيل والسلع وتساند في دعم سلاسل التوريد والإمداد.

تشير التوقعات لعام 2026 إلى أن الحكومات والشركات في طريقها لاقتراض رقم قياسي جديد يصل إلى 29 تريليون دولار من أسواق السندات وحدها، وهو ما يزيد بنسبة 17% عما كان عليه الوضع قبل عامين.

ما الحل لأزمة الاقتصاد العالمي؟

يرى رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية خالد عبد القادر الشافعي، أنه لا يوجد حل فوري لأزمات الاقتصاد، لكن يجب التوقف عن التلويح بفرض حزم ضخمة من التعريفات الجمركية وخصوصا مع التغيرات السياسية في الولايات المتحدة، كما أن الأمور لن تستقيم بدون وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط لأن له أبعاد اقتصادية مهمة تؤثر على التضخم العالمي الذي يتأثر بالنفط الذي قفز هذا الأسبوع فقط 12% كما يؤثر على قرارات البنوك المركزية حول العالم.

وأضاف: "يجب أن تضمن الدول أمنها في السلع الحساسة مع الإبقاء على الحدود مفتوحة في التجارة التقليدية من الأغذية، المنسوجات، والسلع الاستهلاكية وقبلهم النفط لمنع انهيار سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار، فالأزمة الحالية "هيكلية" وتحتاج لفترة طويلة لتعود الأمور لمرحلة الاستقرار ولا أقول هنا إن الأمور ستعود لما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

واقترح "الشافعي"عملية جدولة ديون الدول المتعثرة وشطب أجزاء منها، بمشاركة الصين والدائنين من القطاع الخاص وبمشاركة مجموعة العشرين، لحماية الاقتصاد العالمي من موجة تخلف جماعي عن السداد قد تلوح في الأفق خلال السنوات الخمس المقبلة.

وشدد على ضرورة التعددية الاقتصادية وعدم اعتماد العالم على مورد واحد وهو الصين حتى يحدث إصلاح في سلاسل التوريد والامداد حول العالم.

(المشهد)