يبدو أن فترة صمود الجنيه المصري مقابل الصدمات الخارجية تتراجع، كما أن البورصة المصرية فشلت في وقف أكبر موجة في نزيف هذا الأسبوع بفعل التوترات الأقليمية وخروج الأموال الساخنة ومخاوف من تصعيد في الشرق الأوسط تكون مصر طرفا فيه.
وسجل الدولار الأميركي مستوى قياسيا جديدا أمام الجنيه المصري هذا الأسبوع، متجاوزا حاجز 56 جنيها للمرة الأولى في التاريخ، مع ظل ضغوط متزايدة على سوق الصرف بفعل خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.
سوق الصرف يتحرك بقوة
وبلغ سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري، نحو 56.21 جنيها للشراء و 56.35 جنيها للبيع، فيما تشير البيانات التي اطلعت عليها منصة المشهد إلى تراجع الجنيه بنحو 6.4% منذ بداية أكتوبر، بما يعكس حجم الضغوط التي تواجه العملة المصرية خلال الفترة الحالية.
تراجع الجنيه ليس هو التطور الأبرز، حيث بلغت خسائر البورصة المصرية مطلع الأسبوع أكثر من 171 مليار جنيه، الأمر الذي دفع إدارة البورصة المصرية لوقف التداولات.
وقال الخبير المصرفي أيمن حسن، في تصريحات لمنصة"المشهد إن "التحركات الأخيرة في سعر الدولار تعكس تداخل مجموعة من العوامل منها:
- خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل بأرقام كبيرة في أكتوبر.
- ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة مع صعود برنت فوق 110 دولارات.
- ضغوط مستمرة في إيرادات قناة السويس أبرز مصادر العملة.
وأضاف أن تقييم وضع الجنيه لا ينبغي أن يعتمد على حركة الدولار اليومية فقط، بل يتطلب النظر إلى حجم الاحتياطي الأجنبي، وتدفقات النقد الأجنبي من المصريين بالخارج، وإيرادات القطاعات الرئيسية، إلى جانب طبيعة التدفقات الاستثمارية ومدى استقرارها.
و سجل فيه الاحتياطي الأجنبي مستويات قياسية، وارتفعت تحويلات المصريين بالخارج لتصل إجمالي الاحتياطات 57 مليار دولار.
الأموال الساخنة في صدارة أسباب تراجع الجنيه
وأضاف الخبير المصرفي، أن تحركات الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل في مقدمة العوامل الضاغطة على العملة مع اتجاه بعض المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من أدوات الدين الحكومي، المعروفة باسم الأموال الساخنة.
و سجل العرب والأجانب صافي بيع بنحو 711 مليون دولار خلال جلسة الخميس 22 أكتوبر، فيما بلغت التخارجات نحو 1.83 مليار دولار خلال 4 جلسات، بعد أسابيع شهدت تدفقات إيجابية إلى السوق المصرية.
ما هي الأموال الساخنة في مصر؟
الأموال الساخنة هي استثمارات سريعة الدخول والخروج للسوق المصري، وتتفاعل وتستجيب للتغيرات في أسعار الفائدة العالمية، ومستويات المخاطر، والتطورات الجيوسياسية، وهو ما يجعل تأثيرها على سوق الصرف سريعا، سواء في اتجاه دعم الجنيه عند دخولها أو زيادة الضغوط عليه عند خروجها.
وفي هذا السياق، أوضح أيمن حسن، أن الأموال الساخنة تمثل أحد مصادر التمويل التي يمكن أن تدعم السيولة الأجنبية في فترات الاستقرار، لكنها لا تصلح وحدها لتوفير أساس مستدام لاستقرار العملة.
وأضاف أن خروج جزء من هذه الاستثمارات لا يعني بالضرورة حدوث موجة تخارج شاملة، لكنه يرفع حساسية السوق تجاه أي تطورات خارجية، خصوصا عندما يتزامن مع زيادة الطلب على الدولار لتمويل الواردات والالتزامات الخارجية.
وبحسب بيانات البنك المركزي، بلغت حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الدين الحكومي 47 مليار دولار، وهو حجم يعكس أهمية هذه التدفقات، لكنه يوضح في الوقت نفسه مدى تأثر السوق بتغير اتجاهات المستثمرين.
أسعار النفط تزيد الضغوط على سوق الصرف
لا تتوقف أسباب صعود الدولار عند تحركات المستثمرين الأجانب بدخول وخروج الأموال الساخنة، إذ تمثل التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عاملا إضافيا في زيادة احتياجات الاقتصاد المصري من العملة الأجنبية خصوصا أن مصر دولة مستوردة للطاقة وكل ارتفاع في الأسعار يضغط على ميزان التجارة الخارجية للبلاد.
وارتفع خام برنت، إلى نحو 117 دولارا للبرميل خلال هذا الشهر، في حين أن مصر تضع البرميل عند بمستوى 75 دولارا في الموازنة، وهو ما يزيد الأعباء المرتبطة باستيراد النفط والوقود.
وتشير تقديرات الحكومة المصرية في منتدي مصر 2026 - حضرت منصة المشهد - بعض جلسات هذا المنتدى، إلى إمكانية وصول فاتورة واردات النفط والوقود إلى نحو 9 مليارات دولار خلال الربع الأخير من عام 2026، في حال استمرار مستويات الأسعار الحالية.
ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية تكلفة الواردات، بما يضيف ضغوطا على سوق الصرف، إذا لم تقابل هذه الزيادة تدفقات كافية من مصادر النقد الأجنبي الأخرى.
وقال أيمن حسن، إن تأثير أسعار النفط لا يقتصر على تكلفة الاستيراد المباشرة، بل يمتد إلى الموازنة العامة، وتكاليف الإنتاج والنقل، والاحتياجات التمويلية للاقتصاد.
وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يجعل الضغوط على الجنيه أكثر وتدفعه لمزيد من الانخفاض قرب 58 جنيها، بينما يمكن أن يؤدي تراجعها إلى تخفيف جانب من الطلب على النقد الأجنبي، بما يساعد على تهدئة سوق الصرف ونعود لمتوسط 53 جنيها للدولار.
خسائر الدولار في قناة السويس
يمثل تراجع إيرادات قناة السويس عاملا آخر في معادلة النقد الأجنبي بمصر، في ظل استمرار تداعيات اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر على حركة التجارة والشحن، وقال رئيس هيئة قناة السويس إن الخسائر المتراكمة الناتجة عن اضطرابات البحر الأحمر اقتربت من 17 مليار دولار حتى منتصف عام 2026.
ويؤدي استمرار تراجع الإيرادات إلى تقليص أحد المصادر المهمة للعملة الأجنبية، في وقت تواجه فيه مصر زيادة مستمرة في فاتورة الطاقة منذ اندلاع حرب إيران، إلى جانب هروب الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل والمعروفة باسم الأموال الساخنة.
ويرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، في حديث مع منصة "المشهد"، أن قراءة تطورات سعر الصرف يجب أن تأخذ في الاعتبار التوازن بين مصادر النقد الأجنبي واستخداماته، وليس حركة الاستثمارات قصيرة الأجل بمعزل عن بقية المؤشرات.
وأوضح أن ارتفاع الاحتياطي الأجنبي وتحويلات المصريين بالخارج يمثلان عامل دعم مهم للاقتصاد، لكن استقرار الجنيه يتطلب استمرار تدفقات النقد الأجنبي بمستويات قادرة على تغطية احتياجات الاستيراد وخدمة الالتزامات الخارجية.
وأضاف، أن تنويع مصادر النقد الأجنبي، وزيادة الصادرات، وتحسين إيرادات السياحة، واستعادة حركة الملاحة في قناة السويس، تمثل عناصر أساسية لتقليل تأثر سعر الصرف بالتقلبات الخارجية.
وأشار إلى أن التحسن في المؤشرات الخارجية لا يمنع حدوث ضغوط مؤقتة على العملة، خصوصا عندما ترتفع تكلفة الواردات أو تتغير اتجاهات المستثمرين الدوليين، لكنه يساعد على تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات.
وقال الخبير الاقتصادي، أن صندوق النقد الدولي قد أشار إلى قدرة مصر على امتصاص تداعيات الحرب بفضل سرعة الاستجابة ومرونة سعر الصرف وتحسن الاحتياطيات، مضيفا" لا يمكن أن ندافع عن استمرار الهبوط في الجنيه، لكن خروج الأموال السريعة كان في حاجة لتعامل سريع مثل تحريك سعر الصرف".
وتعتمد منذ مارس 2024 نظام سعر الصرف المرن، الذي يستهدف السماح لقيمة العملة بالتفاعل مع قوى العرض والطلب، بدلا من الدفاع عن مستوى ثابت للسعر كما حدث على مدار سنوات طويلة قبل 6 مارس 2024.
محافظ البنك المركزي حسن عبدالله، يرى أن تثبيت سعر الصرف يتطلب احتياطيات ضخمة، مؤكدا التزام البنك بمرونة تسمح للعملة بامتصاص الصدمات الخارجية.
وشدد "الشافعي"، على أن انخفاض قيمة الجنيه لا يعني بالضرورة أن البنك المركزي يستهدف الوصول بالدولار إلى مستوى معين، موضحا أن نظام الصرف المرن يسمح بتغير السعر وفقا لحركة العرض والطلب والظروف الاقتصادية.
وأضاف أن نجاح هذه السياسة يرتبط بقدرتها على الحد من الاختلالات في سوق الصرف والحد من ظهور السوق السوداء من جديد، مع الحفاظ على مستويات مناسبة من السيولة الدولارية.
وأشار إلى أن مرونة سعر الصرف قد تفرض ضغوطا قصيرة الأجل على المستوردين والمستهلكين، لكنها تقلل الحاجة إلى استنزاف الاحتياطيات في محاولة تثبيت سعر غير قابل للاستمرار في ظل الصدمات الخارجية.
التراجع في الجنيه المصري جاء قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده الخميس 29 أكتوبر، وسط مطالب برفع الفائدة على الجنيه للحد من تراجعه.
(المشهد)
