اختتم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، زيارته الأولى إلى واشنطن بسلسلة من اتفاقات الطاقة ولقاءات مع شركات أميركية كبرى، في محاولة لتحويل العلاقات بين البلدين من التركيز على التعاون الأمني إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أوسع.
ورغم تصدر مشروعات النفط وخطوط التصدير نتائج الزيارة، قد يكون جذب استثمارات أميركية لالتقاط الغاز المحروق وتطوير قطاع الكهرباء هو المكسب الأكثر أهمية للعراق، لما يحمله من قدرة على تقليل الاعتماد على إمدادات الطاقة الإيرانية.
اتفاقات تتجاوز 60 مليار دولار
التقى الزيدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأعضاء في الكونغرس، قبل أن ينتقل إلى هيوستن لإجراء محادثات مع مسؤولين في شيفرون وإكسون موبيل وشل وهاليبرتون وبيكر هيوز وغيرها من الشركات.
وقدم رئيس الوزراء زيارته باعتبارها مهمة اقتصادية، تستهدف جذب رؤوس الأموال الأميركية إلى قطاعات الطاقة والتمويل والبنية الأساسية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
ويعكس ذلك تحولًا عن الزيارات العراقية السابقة إلى واشنطن، التي كانت تركز بصورة أساسية على الوجود العسكري والتعاون الأمني ومواجهة تنظيم داعش.
شهدت قمة الأعمال الأميركية العراقية، توقيع أكثر من 50 اتفاقًا وشراكة ومذكرة تفاهم تتجاوز قيمتها المعلنة 60 مليار دولار.
وشملت التفاهمات قطاعات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والكهرباء والرعاية الصحية والتكنولوجيا والبنية الأساسية.
لكن القيمة الكبيرة لا تعني أن الأموال ستتدفق فورًا، إذ تظل اتفاقات عديدة غير ملزمة وتحتاج إلى مفاوضات تجارية ودراسات فنية وموافقات وتمويل قبل تنفيذها.
عمالقة النفط يعودون إلى العراق
أثمرت الزيارة اتفاق كونوكو فيليبس على الاستحواذ على حصة 42% في شركة بي.بي إنرجي أوف كركوك، لتنضم إلى بي.بي في إعادة تطوير أربعة حقول نفطية منتجة في شمال العراق.
كما تقدمت شيفرون نحو دخول حقلي غرب القرنة 2 والناصرية، ضمن خطط بغداد لاستقطاب شركات أميركية تمتلك رأس المال والخبرة الفنية اللازمة لزيادة الإنتاج.
وتوفر هذه الصفقات للعراق فرصة لتنويع قاعدة المستثمرين، بعد أن توسع حضور الشركات الصينية في قطاع النفط خلال السنوات الماضية.
خطوط جديدة لتجاوز مضيق هرمز
كشفت الحرب في الشرق الأوسط، عن هشاشة اعتماد العراق شبه الكامل على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية.
وتدرس شيفرون المشاركة في تطوير بنية أساسية تسمح بنقل الخام العراقي إلى البحر المتوسط، بالتزامن مع اتفاق العراق وسوريا على إعادة تأهيل خط الأنابيب بين البلدين.
ومن شأن توفير منفذ غربي، أن يمنح بغداد مرونة أكبر في التصدير، ويحد من تعرض الإيرادات العامة لأي إغلاق أو اضطراب في مضيق هرمز.
رغم تركيز الحكومة على رفع القدرة الإنتاجية للنفط، يمثل الغاز المصاحب فرصة استثمارية أكثر ارتباطًا بأمن العراق الاقتصادي والسياسي.
ويحرق العراق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بسبب نقص منشآت التجميع والمعالجة والنقل، ثم يستورد الغاز من إيران لتشغيل محطات الكهرباء.
ويمكن لاستثمارات الشركات الأميركية في التقاط الغاز ومعالجته، أن تحول موردًا مهدورًا إلى وقود محلي، وتخفض تكاليف الاستيراد والانقطاعات المتكررة للكهرباء.
الطاقة بوابة تقليص النفوذ الإيراني
تنظر إدارة ترامب إلى الاستثمارات الأميركية باعتبارها وسيلة لربط العراق اقتصاديًا بالغرب وتقليل اعتماده على إيران.
ويمنح الاعتماد على الغاز والكهرباء الإيرانيين طهران نفوذًا على الاقتصاد العراقي، خصوصًا خلال الصيف عندما يرتفع استهلاك الكهرباء.
لذلك لا يقتصر دعم مشروعات الغاز على تحقيق عوائد تجارية، بل يمتد إلى هدف استراتيجي أميركي يتمثل في تعزيز استقلال القرار العراقي.
لا تزال العلاقات الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة محدودة مقارنة بحجم علاقاته مع الصين، أكبر شريك تجاري لبغداد.
وبلغت تجارة السلع الأميركية العراقية 7.9 مليارات دولار خلال 2025، منها 1.7 مليار دولار فقط صادرات أميركية إلى السوق العراقية.
ويعني ذلك أن الاتفاقات الجديدة تبدأ من قاعدة منخفضة، وأن واشنطن ستحتاج إلى منافسة شبكات تجارية واستثمارية صينية ترسخت داخل العراق خلال سنوات.
الأمن يظل العقبة الأولى.. والفساد يضعف جاذبية السوق
تمثل الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، أحد أبرز مصادر القلق للشركات الأميركية التي تدرس الاستثمار في العراق.
وتعرضت منشآت للطاقة ومواقع تضم قوات أميركية لهجمات خلال الصراع الإقليمي، ما يرفع تكلفة التأمين والحماية ويزيد المخاطر التشغيلية للمشروعات.
ورغم تعهد الزيدي بوضع السلاح تحت سيطرة الدولة، لا تزال عملية نزع سلاح الفصائل أو دمجها في المؤسسات الرسمية في مراحلها الأولى.
وتواجه الشركات الأجنبية أيضًا، بيئة أعمال معقدة تتسم بالبيروقراطية وتداخل الصلاحيات والفساد وضعف المؤسسات.
وأطلقت حكومة الزيدي حملة لملاحقة الفساد، لكن المستثمرين سيترقبون ما إذا كانت الإجراءات ستتحول إلى إصلاح مؤسسي شامل أم ستقتصر على شبكات سياسية بعينها.
ويحتاج العراق إلى قواعد تعاقدية مستقرة وتسويات أسرع للنزاعات وشفافية أكبر في المناقصات حتى تتحول الوعود الأميركية إلى استثمارات طويلة الأجل.
(ترجمات)
