أدت تصاعدات العنف بين إسرائيل و"حزب الله" المدعوم من إيران إلى تغيير الحياة في جنوب لبنان، حيث تحولت البلدات هناك إلى ما يشبه مدن الأشباح، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
في مرجعيون، قرب الحدود مع إسرائيل، أغلقت العديد من المحلات أبوابها. وتسود المنازل صمت مطبق خلف بوابات موصدة. ولا يقطع هذا الصمت المريب إلا من اختاروا البقاء.
وقال حكمت فرحة، البالغ من العمر 73 عاماً: "لقد ثبتنا على أرضنا، لكن مرجعيون أشبه بمدينة أشباح. نريد السلام".
مخاوف السكان
رغم ذلك، يخشى المدنيون في الجنوب أكثر من مجرد استمرار القتال. فاحتلال إسرائيل لأراضٍ في جنوب لبنان وحرب طويلة الأمد قد يحول عمليات الإجلاء المؤقتة إلى دائمة.
لا يزال العديد من السكان يتذكرون احتلال إسرائيل لجنوب لبنان من عام 1982 إلى عام 2000، عندما كان الوصول إلى المنازل والمزارع مقيدًا لسنوات..
قال سعيد زاهر، 80 عامًا، من بلدة عرقوب: "نخشى بشدة أن يُعيد التاريخ نفسه في الجنوب، بل ويعيده بالفعل. لقد خضنا حربًا لعقود، وأرضنا وحياتنا هي الثمن".
كما نصّ اتفاق السلام الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي، على إنهاء الحرب في لبنان. لكن الاشتباكات بين إسرائيل و"حزب الله" استمرت.
في الأشهر التي تلت هجوم "حزب الله" على إسرائيل في أوائل مارس تضامنًا مع إيران، أُخليت مناطق بأكملها في جنوب لبنان، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات بالإخلاء، واحتل عشرات البلدات والقرى، وحوّل أحياء بأكملها إلى ركام.
بالنسبة للمدنيين الذين اختاروا البقاء، أصبحت مخاوف الاحتلال جزءًا من حياتهم اليومية. كثير منهم مسيحيون ودروز ومسلمون سُنّة. إنهم ليسوا من أبناء الطائفة الشيعية، قاعدة دعم "حزب الله"، التي تحملت بلداتها وطأة الغارات الإسرائيلية.
صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مؤخرًا بأن بعض المسيحيين اللبنانيين يرغبون في ضم إسرائيل لأراض لبنانية، وهو رأي رفضه بعض الزعماء المسيحيين في البلاد.
الارتباط بالأرض
ويقول السكان إن قرار البقاء يعكس مزيجًا من القناعة والضرورة: ارتباط عميق بأرضهم، ولكن أيضًا محدودية مواردهم المالية. ويقول كثيرون إنه لا مأوى لهم، ويفضلون البقاء في منازلهم بدلًا من الانتقال إلى ملاجئ مكتظة أو خيام على جوانب الطرق.
وببقائهم، أصبح السكان شهودًا على حرب تدور رحاها على عتبات منازلهم. ويصفون ليالي تتخللها نيران المدفعية والغارات الجوية والانفجارات في القرى المجاورة.
وقد ازدادت التقارير عن التوغلات البرية الإسرائيلية في بلداتهم، إلى جانب مداهمات المنازل والاعتقالات والاختطافات والقتل، وفقًا لمسؤولين لبنانيين.
وتقول إسرائيل إنها تنفذ عمليات لتحديد مواقع البنية التحتية لـ"حزب الله" واحتجاز الأشخاص الذين تشتبه في تورطهم في أنشطة مسلحة.
لقد تغيرت الحياة اليومية تدهورت الأوضاع بشكل خطير. أُغلقت المدارس وتضاءلت الخدمات الصحية. أصبح الحصول على الوقود والماء والإمدادات الزراعية أكثر صعوبة، مما ترك العديد من السكان يواجهون ليس فقط العنف المحيط بهم، بل أيضًا الانهيار التدريجي للخدمات الأساسية.
كما بات الجوع مصدر قلق بالغ. وتشير تقديرات مدعومة من الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.24 مليون شخص في لبنان سيواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تسجيل أعلى الزيادات في المناطق الجنوبية، بما فيها مرجعيون.
بحسب الصحيفة، هذا أمر لافت للنظر، خصوصا أن جنوب لبنان منطقة زراعية خصبة لطالما زودت الأسواق في جميع أنحاء البلاد.
ويقول السكان والمسؤولون اللبنانيون وعمال الإغاثة إن القصف وتضرر الطرق وتقييد الوصول قد قطعت المزارعين عن أراضيهم وأنظمة الري ومواشيهم.
وتأخرت عمليات الزراعة والحصاد أو فاتت تمامًا، وفي بعض الحالات، تُركت المحاصيل لتتعفن لعدم إمكانية جمعها أو نقلها إلى السوق.



