ليس بخافٍ على أحد داخل مصر، أنّ المنظومة الطبية تواجه تحديات عديدة، لكن وعلى ما يبدو أنّ أبرز تلك التحديات باتت تتمثل في النقص الشديد للأطباء التي تحتاجهم المستشفيات في ربوع المحافظات المصرية، نتيجة لهجرة الكثير منهم خارج البلاد بحثًا عن فرص عمل أفضل.
ولا شك أنّ هجرة الكثير من الأطباء المصريين للعمل خارج البلاد، تنعكس بشكلٍ سلبي على النظام الصحي المصري، وتوجد العديد من المشكلات، وهو الأمر الذي دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرًا إلى التعليق على هجرة الكثير من الأطباء في الفترة الأخيرة، وأوضح آنذاك أنّ الرواتب التي يحصلون عليها في مصر لا تناسبهم.
ومع تصاعد وتيرة هجرة الأطباء المصريين خلال الأعوام القليلة الماضية، قدّم عضو مجلس النواب المصري رفعت شكيب مقترحًا، يُلزم الأطباء بالعمل داخل البلاد ومنعهم من السفر للخارج إلا بعد مرور 5 سنوات من التكليف الخاص بهم بوزارة الصحة، عازيًا مقترحه هذا إلى الحدّ من أزمة هجرة الأطباء التي تعاني منها المنظومة الصحية في بلاده، ومعالجة نقص الأطباء بالمستشفيات المصرية،
"مخالف للدستور المصري"
الأطباء في مصر من جهتهم لم يصمتوا كثيرًا تجاه هذا المقترح، الذي يسعى إلى منعهم من العمل خارج البلاد، وعبّر عدد كبير منهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن استيائهم الشديد له.
وفي هذا السياق وصف نقيب الأطباء في مصر الدكتور أسامة عبد الحي في تصريحات خاصة لـ"المشهد"، مقترح منع الأطباء من السفر للعمل في الخارج "بغير الدستوري وغير المقبول، كما أنه يعدّ علاجًا لتشخيص خاطئ لأزمة هجرة الأطباء داخل مصر، والتي تفاقمت بشكل كبير خلال الأعوام القليلة الماضية"، مشيرًا إلى أنّ العلاج الصحيح هو توجيه القرارات والمقترحات صوب الأسباب الجوهرية والجذرية المتعلقة بهجرة الأطباء، وليس افتعال أزمات ومشكلات جديدة لكوادر المنظومة الطبية في مصر.
ولفت عبد الحي إلى أنّ هذا المقترح "يستهدف التضييق على الأطباء ويزيد الأزمة تعقيدًا، كما أنه لا يجوز منع فئة معينة من السفر، لأنّ سياسة الدولة قائمة على التشجيع على السفر"، موضحًا في الوقت نفسه أنّ من أهم مصادر الدخل القومي المصري هو عوائد المصريين في الخارج، ومعروف أنّ أهم فئتين لهم عوائد بالخارج هم الأطباء والمهندسون، وبالتالي فإنّ منع الأطباء من السفر، تفكير لا يليق بالحقبة الزمنية التي نعيشها في هذه الفترة، ومن حق أيّ طبيب أن يمارس عمله في المكان الذي يختاره وبالطريقة التي تحقق له الرضا الوظيفي.
وفي ما يتعلق بالأسباب التي تُجبر الكثير من الأطباء على ترك مصر والبحث عن فرص عمل خارجية، أوضح عبد الحي، أنّ هذه الأسباب معروفة بشكل واضح للحكومة وقيادات المنظومة الصحية في مصر، وكشف أنّ أبرزها يتمثل في الآتي:
- ضعف مرتبات الأطباء.
- الاعتداءات على الأطقم الطبية.
- نقص فرص التدريب والتعليم.
- غياب قانون المسؤولية الطبية.
- عدم وجود بيئة عمل آمنة.
- الافتقار إلى توفير المستلزمات الطبية اللازمة.
أرقام صادمة
وكشف عبد الحي أنّ معدلات الأطباء داخل مصر هو 8 أطباء لكل 10.000 مواطن، وذلك بحسب بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء المصري، ودراسات قامت بها الأمم المتحدة، في حين أنّ المتوسطات العالمية 23 طبيبًا، وهو ما يعني أنّ مصر لديها ثلث عدد الأطباء فقط المطلوبين لعلاج المرضى.
ووفقًا لعضو مجلس النواب المصري رفعت شكيب، فإنّ المستشفيات الحكومية تعاني نقصًا حادًا في عدد الأطباء، على الرغم من أنّ عدد خريجي كليات الطب يصل إلى نحو 30 ألف طبيب سنويًا، مشيرًا إلى أنه لا يمانع فكرة سفر الأطباء بالمطلق للعمل خارج الدولة، لكنه أكد أنه من غير المعقول أن تستقدم الحكومة أطباء من خارج الدولة، في حين أنها تمتلك الكثير من الكوادر الطبية.
البرلماني المصري أشار إلى أنّ طلاب كلية الطب يحصلون على رعاية كبيرة طوال فترة دراستهم من قبل الدولة، والتي تقوم بإنفاق مبالغ طائلة على تعليمهم وصقلهم بالشكل المطلوب الذي يؤهلهم للعمل في أيّ مكان، وبالتالي ينبغي أن تستفيد الدولة من خبراتهم وضمان استمرارهم في خدمة المنظومة الصحية داخل البلاد، لكنه ربط ذلك بمراعاة تعديل رواتب هؤلاء الأطباء لتلائم الظروف المعيشية الحالية داخل مصر.
وأشار نقيب الأطباء في مصر الدكتور أسامة عبد الحي، إلى وجود أزمة أخرى غير تلك المتعلقة بنقص الكوادر الطبية داخل المستشفيات، وتتمثل في عملية توزيع الأطباء داخل المحافظات المصرية وبعضها البعض، واصفًا إياها بـ"غير العادلة"، حيث يوجد على سبيل المثال تكدّس للأطباء داخل المستشفيات الموجودة في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، بينما يوجد عجز واضح في محافظات أخرى مثل البحيرة والفيوم وقنا، ومن ثم فإنّ هذه الإشكالية تتطلب إعادة توزيع لهؤلاء الأطباء على نحو جيد داخل ربوع المحافظات المصرية.
مطالب عاجلة
وطالب عبد الحي بخطة إصلاح كبيرة من أجل حلحلة الأزمات التي تواجه الأطباء، وتشجيعهم على البقاء داخل الدولة، وذكر أنّ أهم ملامح هذه الخطة هو تحسين ظروف الأطباء المعيشية، وتحسين بيئة العمل لكي يتمكنوا من الاستقرار في أعمالهم، إضافة إلى توفير الضمانات الاحترازية الكافية لحمايتهم من الأمراض والأوبئة أثناء عملهم.
وكشف عبد الحي أن كثرة ساعات العمل تعد من أبرز المشكلات التي يتعرض لها الأطباء داخل المستشفيات الحكومية، إذ تصل مدة عمل بعض الأطباء لنحو 24 ساعة كاملة، إضافة إلى ضغط عدد الحالات، إذ يستقبل بعض الأطباء خلال ساعات عملهم ما يقارب من 200 حالة مرضية ، وهي أعداد تفوق قدرة البشر على العمل والتركيز.
وحول الرواتب التي يتقاضاها الأطباء العاملين بوزارة الصحة المصرية، أكد عبد الحي أنّ هذه الرواتب متدنية للغاية ولا تتماشي مطلقًا مع مستوى المعيشة داخل البلاد، وكشف أنّ الراتب الذي يتحصل عليه أيّ طبيب لا يتخطى 10.000 جنيه مصري أي نحو 200 دولار، وبالتالي فإنّ جميع هؤلاء الأطباء يضطرون إلى العمل في القطاع الطبي الخاص، لكي يستطيع توفير الاحتياجات الأساسية لمعيشته.
وعلى الرغم من زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب سنويًا وإنشاء كليات جديدة، إلا أنّ المستشفيات الحكومية في مصر تواجه نقصانًا شديدًا في عدد الأطباء، والذين يفضلون الهجرة للعمل خارج مصر بحثًا عن توفير فرص عمل أفضل تضمن لهم حياة معيشية كريمة.
(المشهد)