ثمّة مؤشرات عديدة تبرز محاولات توسيع نفوذ المؤسسة الأمنية والعسكرية داخل بنية السلطة الإيرانية، وقد جرى مؤخرًا تعيين القائد السابق لـ"الحرس الثوري"، محسن رضائي، أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد مجتبى خامنئي في المجلس، خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، بما يؤشر إلى تمفصل عسكري في نظام "الولي الفقيه".
تعيين رضائي
وتعيين رضائي الذي سبق له أن قاد "الحرس الثوري" خلال الحرب العراقية الإيرانية ثمانينيات القرن الماضي، قد يعكس محاولة لإعادة موازنة مراكز النفوذ داخل النظام، خصوصًا في مواجهة نفوذ رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يقود المفاوضات مع واشنطن وكان مقربًا من ذو القدر.
وتتزامن هذه التغييرات مع المفاوضات بين طهران وواشنطن بخصوص مضيق هرمز الإستراتيجي الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا، الأمر الذي يشي برسالة واضحة، مفادها رغبة الجناح المتشدد وصقور النظام في إبقاء القرار النهائي في القضايا الأمنية والإستراتيجية بيد المؤسسة المرتبطة بالمرشد و"الحرس الثوري".
إذًا، تأتي التغييرات والصراعات داخل بنية السلطة الإيرانية في مرحلة شديدة الحساسية، بفعل جملة تحولات طارئة، منها تراجع الوضع الاقتصادي والإخفاقات المتتالية، بجانب ضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة نتيجة الحرب التي اندلعت في فبراير.
إلا أن هذه الانقسامات لا تبدو، وفق تقديرات محللين وخبراء تحدثوا لـ"المشهد"، "مؤشرًا حاسمًا" على قرب أفول النظام بقدر ما تعكس صراعًا على النفوذ والموارد داخل مؤسسات لا تزال مصالحها مرتبطة ببقاء "الجمهورية الإسلامية".
مراكز القوة
وفي الوقت الذي قد تدفع فيه إعادة توزيع مراكز القوة نحو مزيد من عسكرة النظام وتشديد قبضته الأمنية، تظل المفاوضات مع واشنطن والحرب مرتهنة بموازين القوى داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، خصوصًا "الحرس الثوري"، الذي يملك القدرة على الجمع بين التصعيد والتهدئة التكتيكية بما يخدم هدف الحفاظ على النظام ونفوذه.
وفي حديثها لمنصة "المشهد"، قالت الخبيرة في الشؤون الإيرانية منى السيلاوي، إن النظام الإيراني يمر بمرحلة "حساسة جدًا"، في ظل تصاعد مؤشرات الانقسام داخل بنية السلطة، خصوصًا الخلاف بشأن ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وأشارت السيلاوي إلى الخلاف بين محمد باقر ذو القدر ومحسن رضائي حول الجهة التي تتولى تمثيل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، معتبرة أن هذا الصراع على المنصب يعكس عمق الانقسامات داخل النظام، خصوصًا أن رضائي ظل لسنوات طويلة جزءًا أساسيًا من منظومة السلطة والنفوذ في إيران.
وأضافت أن "الأمور ليست جيدة" بأي حال من الأحوال في ما يتعلق بوضع الحكم الذي يقوده الملالي بفعل اهتزازات السلطة وانقساماتها المستمرة، موضحة أن القاسم المشترك بين مختلف أجنحة النظام، رغم خلافاتها، يتمثل في "الحفاظ على قبضة أمنية شديدة لقمع المتظاهرين والمواطنين".
الديمقراطية بإيران
وبناءً على ذلك، استبعدت السيلاوي حدوث أي تحول إيجابي باتجاه الديمقراطية في إيران، قائلة إن المسار الحالي يبدو أقرب إلى "نظام ديكتاتوري عسكريتاري" تتزايد فيه هيمنة المؤسسة الأمنية والعسكرية على عملية صنع القرار.
وفي ما يتعلق بالحرب والمفاوضات، رأت الخبيرة في الشؤون الإيرانية أن المشهد سيظل "معقدًا"، في ظل الدور المحوري الذي يلعبه "الحرس الثوري"، الذي لا يبدو، راغبًا في التوصل إلى اتفاق حقيقي مع الولايات المتحدة.
وأوضحت أن أي اتفاق محتمل قد لا يحظى بضمانات حقيقية من الجانب الإيراني، إذ قد ينظر إليه "الحرس الثوري" باعتباره "مناورة سياسية" هدفها الأساسي تجاوز إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بانتظار تغير الإدارة الأميركية وانقلاب موازين القوى لمصلحة النظام الإيراني.
وختمت السيلاوي بالقول إن "الأطراف كافة لا تبعث على التفاؤل"، في ظل استمرار الانقسامات داخل النظام وتشدد المؤسسة الأمنية والعسكرية، إلى جانب غياب مؤشرات واضحة على تحول سياسي أو ديمقراطي في المدى المنظور.
الانقسامات الحادة
إلا أن الانقسامات الحادة داخل بنية الحكم في إيران يجب التعامل معها بحذر، وفق ما تقول المحللة السياسية الأميركية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وعضو الحزب الجمهوري إيرينا تسوكرمان لـ"المشهد"، موضحة أن هناك بالفعل صراعات على النفوذ والموارد الاقتصادية والملفات الأمنية والخلافة وتحمل مسؤولية إخفاقات الحرب، لكنها لا تعني بالضرورة وجود صراع حقيقي على بقاء النظام نفسه.
وأضافت أن كثيرًا مما يُوصف خارجيًا بأنه انقسام جوهري قد يكون في الواقع مجرد تفاوض وصراع على النفوذ بين مؤسسات ترتبط مصالحها ببقاء الجمهورية الإسلامية. وترى تسوكرمان أن إعادة توزيع النفوذ بين "الحرس الثوري" والمؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والشبكات السياسية لا تعني بالضرورة انهيار الشراكة التي يقوم عليها النظام، بل قد تفضي إلى تعزيز نفوذ المؤسسات الأمنية.
فيما ألمحت تسوكرمان إلى أن النظام الإيراني يقوم على شراكة بين الشرعية الدينية والقوة الأمنية؛ حيث إن المؤسسة الدينية تحتاج إلى "الحرس الثوري" وأجهزة الاستخبارات و"الباسيج" والشرطة لحماية النظام، بينما تحتاج المؤسسة الأمنية إلى الإطار الديني لتوفير الغطاء الأيديولوجي لسلطة "الجمهورية الإسلامية". ولذلك، فإن المنافسة الداخلية قد تؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل النظام، لا إلى انهيار بنيته الأساسية.
بديل سياسي
وفي ما يخص استقرار النظام، قالت تسوكرمان إن نظام "الولي الفقيه" يعاني تدهورًا مؤسسيًا واقتصاديًا متراكمًا منذ عقود، نتيجة سياسات أولوية المشاريع الأيديولوجية والتوسع الإقليمي والإنفاق العسكري وشبكات المحسوبية والفساد على حساب التنمية والاستثمار والإصلاح المؤسسي. لكنها شددت، في المقابل، على أن التدهور الاقتصادي وحده لا يعني قرب انهيار النظام، طالما بقيت مؤسسات القمع متماسكة، والنخب مرتبطة بمصالح بقاء النظام، والمعارضة غير قادرة على تقديم بديل سياسي موحد.
ورجحت أن يكون المسار الأكثر احتمالًا هو تدهور طويل الأمد بالتوازي مع تشديد القبضة الأمنية، بما قد يجعل إيران أكثر فقرًا وعسكرة وأقل قدرة على توفير فرص اقتصادية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار النظام في المدى القريب.
أما بشأن الحرب والمفاوضات، فرأت تسوكرمان أن أي تحول في موازين القوى داخل النظام قد يجعل عملية صنع القرار أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الأمنية، خصوصًا إذا خرج "الحرس الثوري" وأجهزة الاستخبارات من الأزمة بنفوذ أوسع، مشيرة إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة التصعيد المستمر، إذ يمتلك "الحرس الثوري" خبرة في الجمع بين الضغط العسكري، والعمل عبر الوكلاء، والعمليات السرية، والمفاوضات، والتهدئة التكتيكية.
إستراتيجية أوسع
وأكدت أن طهران قد تكون مهتمة فعلًا بالمفاوضات للحصول على تخفيف للعقوبات، ومساحة للتنفس اقتصاديًا، ووقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية وشبكاتها الإقليمية، إلا أن ذلك لا يعني أنها اتخذت قرارًا إستراتيجيًا بالتخلي عن طموحاتها الإقليمية.
وأضافت أن التوصل إلى تسوية سياسية دائمة يتطلب معالجة ملفات البرنامج النووي والصواريخ وشبكات الوكلاء والانتشار العسكري الإقليمي والضغط البحري والعقوبات وآليات التحقق من الالتزام. وفي ظل استمرار النفوذ الواسع "للحرس الثوري"، الذي يستمد جزءًا كبيرًا من قوته السياسية والاقتصادية من استمرار المواجهة، لا تبدو طهران مستعدة حاليًا لتحول إستراتيجي من المواجهة إلى التوافق.
وخلصت تسوكرمان إلى أن إيران قد تستخدم المفاوضات باعتبارها جزءًا من إستراتيجية أوسع لبقاء النظام، بالتوازي مع خفض التصعيد مؤقتًا في بعض الجبهات وإعادة بناء قدراتها العسكرية وشبكاتها الإقليمية. كما أن الحرب لن تؤدي إلى انهيار النظام ما لم يبدأ الهيكل العسكري والأمني نفسه في التفكك على نطاق واسع، وهو ما لا تظهر مؤشرات واضحة عليه حتى الآن.
(المشهد)
