بالتزامن مع احتمالات تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته العسكرية بتوجيه ضربة لإيران، برز اصطفاف ميلشيا "الحوثي" في اليمن ودورها التخادمي لحساب "الولي الفقيه"، وذلك من خلال تحشيدها العسكري المتصاعد، بينما تعاود العمل من جديد على عسكرة المناطق الخاضعة لسيطرتها والتي تعاني بالأساس من أوضاع مأزومة على المستويين الخدمي والإنساني.
الدور الوظيفي لـ"الحوثي"
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن الدور الوظيفي الذي تؤديه ميلشيا "الحوثي" تضع اليمن على حافة صراع محتمل في ظل الوضع الإقليمي المتوتر نتيجة الضربة العسكرية الأميركية المحتملة على إيران.
وفي ما يبدو أن التحركات العسكرية التي قام بها "الحوثي"، مؤخرًا، في جبهات ومناطق عدة باليمن، تحديدًا في الساحل الغربي وعلى تخوم البحر الأحمر، هي محاولة جديدة ومزدوجة نحو إرباك الوضع الداخلي وتأزيمه أو بالأحرى عسكرته، وفق المصادر ذاتها، وذلك في إطار جملة ضغوط ميدانية وسياسية لصالح إيران، مع الأخذ في الاعتبار أنها تهدد كذلك بتقويض الهدنة الهشّة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ عام 2022.
في حديثه لقناة ومنصة "المشهد" يقول العميد الركن بالجيش اليمني والخبير الإستراتيجي ثابت بن حسين صالح إن "الحوثي" يواصل التصعيد العسكري في أكثر من جبهة باليمن، من الجنوب إلى مأرب والساحل الغربي، وذلك في توقيت يتقاطع مع تصاعد التوتر الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن اختزال هذا التحشيد العسكري في كونه انعكاسًا مباشرًا لاحتمالات مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران يبدو تفسيرًا مقتضبًا ومختزلًا، إذ تقف خلف هذه التحركات "الحوثية" حسابات سياسية وميدانية أكثر تعقيدًا.
ويوضح بن حسين صالح أن أحد أبرز العوامل لهذا التحشيد "الحوثي"، يتمثل في مسار التفاهمات غير المعلنة بين الميلشيا المدعومة من إيران والسعودية والتي لم تسفر عن نتائج أو تقدم، وكانت قد جرت برعاية سلطنة عُمان خلال العامين الماضيين.
ويردف: "هذه التفاهمات، التي هدفت إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد تمهّد لتسوية أوسع، واجهت اعتراضات حادة من قوى يمنية فاعلة، حيث إن أي اتفاق ثنائي لا يراعي تعقيدات الملف الجنوبي ولا يضمن تمثيلاً عادلاً لقواه السياسية والعسكرية، سيُنتج ترتيبات مختلّة تمسّ توازنات الداخل اليمني، خصوصًا في ما يتعلق بتقاسم الموارد، وإدارة المناطق المحررة، ومستقبل الدولة".
رسالة ضغط
وعليه، فالتحشيد "الحوثي" رسالة ضغط ميداني لجهة تحسين شروط التفاوض، أو لإعادة "خلط الأوراق" في حال انهيار مسار التسوية، وفق العميد الركن بالجيش اليمني والخبير الإستراتيجي، مشددًا على أنه لا يمكن فصل التحركات العسكرية عن السياق الداخلي في مناطق سيطرة "الحوثيين" شمال اليمن، والتي تعاني تدهورًا حادًا في الأوضاع المعيشية والخدمية، بداية من تأخر الرواتب مرورًا بارتفاع الأسعار وحتى تراجع الخدمات الأساسية.
من هنا، تلجأ الحركة الميلشياوية إلى "التصعيد الخارجي" أو إعادة تنشيط الجبهات لتخفيف الضغط الشعبي وتصدير الأزمات أو ترحيلها، مؤقتًا، من خلال إعادة تعبئة القاعدة الاجتماعية تحت عنوان "التهديد الخارجي"، كما يوضح بن حسين صالح.
من ثم، يُفهم التحشيد باتجاه مأرب والساحل الغربي، أو حتى التلويح بجبهات الجنوب، باعتباره "أداة لإعادة ضبط الأوضاع الداخلية، وتشتيت الأنظار من الأزمات الاقتصادية والإدارية إلى خطاب المواجهة والسيادة"، بحسب ما يشير المصدر ذاته، مؤكدًا أن "الحوثي" كـ"طرف وظيفي" تبرز تبعيته الخارجية من خلال دوره الراهن في التوتر الإقليمي المتصاعد، حيث يقف باعتباره "أحد أطراف جبهات الإسناد داخل محور تقوده إيران في المنطقة.
وفي حال اندلاع مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن، فإن الساحة اليمنية مرشحة لأن تكون ضمن ساحات الاشتباك غير المباشرة، سواء عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر، أو استهداف مصالح إقليمية".
وتابع: "ومع أن قرار الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة ليس قرارًا بسيطًا، فإن "الحوثي" دأب خلال الأعوام الماضية على إظهار استعداده لربط جبهته المحلية بالمعادلات الإقليمية الأوسع، ما يمنح تحشيده الحالي بعدًا ردعياً واستباقياً في آن واحد".
ويخلص إلى أن المشهد في اليمن يبدو مفتوحًا على سيناريوهات واحتمالات متعددة، بداية من احتمال حدوث تصعيد محدود لإعادة التموضع السياسي، أو وقوع اشتباكات أوسع إذا ما انهارت مسارات التهدئة الإقليمية. وفي الأحوال كافة، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على عزل الساحة اليمنية عن صراعات المحاور، ومنع انزلاقها مجددًا إلى دورة عنف شاملة تُفاقم معاناة اليمنيين.
استعدادات محتملة للحرب
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني شائع بن وبر، إن المنطقة تشهد لحظة قصوى من التوتر الإقليمي في ظل احتمالات الضربة العسكرية الأميركية على إيران، ومع تحركات عسكرية أميركية غير مسبوقة إلى جانب استعدادات ميدانية متبادلة، وبحضور واضح لإسرائيل في معادلة الردع القائمة.
هذا المناخ الإقليمي المشحون، انعكس بدوره على الساحة اليمنية، حيث صعّد "الحوثيون" من وتيرة تحشيدهم العسكري على مختلف الجبهات، في مؤشر يمكن اعتباره استعدادًا محتملًا للانخراط في أي مواجهة قد تحدث، ومن ثم، الاصطفاف المباشر مع الحليف الإيراني، بحسب بن وبر في حديثه لـ"المشهد".
فيما تشير المعطيات إلى أن الميلشيا المدعومة من إيران تعزز جاهزيتها على أكثر من مسار، سواء عبر التلويح بتهديد الممرات البحرية الحيوية وتعطيل الملاحة الدولية، أو عبر تكثيف الاستعدادات الصاروخية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات منها "استهداف العمق الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة واسعة، بهدف تشتيت الضغوط العسكرية عن إيران، وتوسيع رقعة الاشتباك إقليميًا"، كما يوضح الكاتب والمحلل السياسي اليمني، والذي يرى أن ذلك كله يأتي في سياق خطاب سياسي وعسكري يربط الجبهة اليمنية بالمحور الإيراني ويضعها ضمن أوراق ضغطه في أي صراع مفتوح.
وانتقد الكاتب والمحلل السياسي اليمني شائع بن وبر الحكومة اليمنية حيث كان "يُفترض أن تتركز أولوياتها على رفع الجاهزية في مواجهة أي تصعيد "حوثي" محتمل، والانتقال من مربع وسياسة الدفاع إلى الهجوم والوصول إلى صنعاء، لكن الحكومة منشغلة بتحشيدها المحموم ضد الجنوب، ومحاولة إضعاف القضية الجنوبية والعودة بها إلى مربع الصفر، في موقف يجسد حرف البوصلة عن مسارها الصحيح، وعن سوء النوايا في آن معًا".
ويختتم بن وبر حديثه مؤكدًا على ضرورة "توحيد الجهود الوطنية وتوجيه البوصلة السياسية نحو مواجهة التحشيد "الحوثي"، فضلًا عن تجنيب الساحة الجنوبية مزيدًا من الاستقطاب والعنف، ومن ثم، ترك المجال أمام حوار سياسي جاد يعالج القضايا الخلافية بعيدًا عن التحريض والانقسام. فاستعادة صنعاء وإعادة بناء الدولة اليمنية تظل العنوان الأبرز لأي مقاربة وطنية تسعى لتجنيب البلاد تداعيات صراع إقليمي قد تتسع دوائره في أي لحظة".
(المشهد)