شنت القوات الأمنية العراقية، فجر اليوم الأحد، حملة اعتقالات واسعة طالت نوابا وسياسيين ورجال أعمال عراقيين بارزين داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث فرضت قوات مكافحة الإرهاب نقاط تفتيش داخل المنطقة، قبل أن تبدأ حملة مداهمة وتفتيش لمنازل شخصيات سياسية بارزة في الحكومة والبرلمان العراقي.
وذكرت وكالة الأنباء العراقية، أنّ الاعتقالات جاءت بعد اعترافات وكيل وزارة النفط العراقية عدنان الجميلي، الموقوف لدى السلطات العراقية منذ 2 يونيو الماضي، بتهم تتعلق بالفساد المالي والإداري وإبرام عقود غير قانونية.
وأظهرت مقاطع فيديو تداولها ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشار مركبات مدرّعة ثقيلة داخل المنطقة الخضراء التي تضم منازل كبار المسؤولين العراقيين ورجال الأعمال والبعثات الدبلوماسية، حيث جرى تطويق المنطقة الشديدة التحصين بالدبابات وعزلها عن محيطها ومنع الدخول والخروج إلا بموجب البطاقات الرسمية.
اعتقال مثنى السامرائي في المنطقة الخضراء
وقالت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" إنّ الاعتقالات التي قامت بها القوات الأمنية العراقية تمت بتوجيه وإشراف من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي أي). ومن ضمن الشخصيات البارزة التي تم اعقتالها زعيم تحالف كتلة العزم مثنى السامرائي، بتهم تتعلق بالفساد وسرقة المال العام.
وبرز اسم مثنى السامرائي خلال الأعوام الماضية، كسياسي عراقي بارز داخل المكوّن السني، يتولى رئاسة تحالف العزم (ائتلاف سياسي سني تأسس نهاية العام 2021)، إلا أنّ القنوات العراقية المحلية تداولت قبل أشهر عدة، معلومات عن قضايا فساد يديرها السامرائي في مدينة سامراء (مدينة عراقية تقع شمال العاصمة بغداد) أبرزها مشروع البنى التحتية المعروف باسم "سامراء عاصمة العراق للحضارة الإسلامية".
وبحسب المصادر، داهمت القوات الأمنية منزل النائبة في البرلمان العراقي عالية نصيف، وتم اعتقالها على خلفية تورطها بتسهيل تجارة المخدرات عن طريق الرشاوى والحسابات البنكية المزيفة وسحب الأموال العامة، وعلى الرغم من أنّ عددًا من المحامين العراقيين رفعوا دعاوي قضائية ضدها، إلا أنّ الحكومة لم تتمكن سابقا من إثبات أيّ أدلة تدينها.
وشغلت نصيف المعروفة بثرائها، مقعدا دائما على امتداد الحكومات العراقية الـ4 الأخيرة، وتنقّلت بين الأحزاب السياسية الشيعية، إلى أن انضمت إلى "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي ثم انشقت عنه منتصف العام الفائت 2025.
وبحسب المعلومات التي وردت لمنصة "المشهد"، داهمت القوات الأمنية منزل النائب في البرلمان العراقي حسين مؤنس المقرّب من كتائب "حزب الله العراقي" وأبرز وجوه (الإطار التنسيقي)، لكنه لم يكن موجودا في منزله. ثم تم اعتقال النائب بهاء النوري (عضو ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي). كما داهمت القوات الأمنية منزل النائب في البرلمان عن كتلة الإعمار والتنمية (ائتلاف السوداني) علاء سكر، لكنه لم يكن موجودا في منزله أيضا، فاعتقلت أخيه صدام سكر. إضافة إلى اعتقال وكيل التوزيع في وزارة النفط علي معارج، ومحافظ بابل السابق صادق مدلول.
هل تم اعتقال شقيق السوداني؟
وكشفت المصادر، أنه كان من المقرر عبور القوات الأمنية منطقة الكرخ والدخول إلى منطقة الجادرية لاعتقال مزيد من السياسيين العراقيين، إلا أنّ مهمتها لم تكتمل بعد، لأنّ الحملة الأمنية بدأت باتجاه النواب السنة تمهيدا لاعتقال الشخصيات السياسية الشيعية من دون الاصطدام مع المكوّن الشيعي.
ووسط الأخبار المتسارعة، تضاربت الأنباء والأخبار غير المؤكدة، عن اعتقال عباس السوداني شقيق رئيس الحكومة العراقية السابق محمد شياع السوداني، وسكرتيره، وابن عمه عبد الكريم السوداني. إلا أنه حتى الآن لم يتم تأكيد اعتقال أيّ شخصية مقرّبة من السوداني.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنه من المستبعد أنه تم اعتقال عباس السوداني وهو غالبًا خارج العراق، لكن من المؤكد أنّ القوات الأمنية داهمت منزل الشيخ محمد الصيهود (القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية وشيخ عشيرة السودان في العراق) واعتقلته ضمن الحملة التي شنتها صباحا.
وحول إمكانية اعتقال رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، أوضحت المصادر، أنه من الصعب اتخاذ هذه الخطوة كونه تولّى رئاسة الحكومة سابقا، وحصل على مليون صوت انتخابي في الانتخابات الماضية، وهو صاحب أكبر كتلة نيابية في البرلمان العراقي.
ترحيب محلي ودولي
ولاقت حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، ترحيبا دوليا واسعا، حيث تحدث تقرير للصحافة الدولية الحرة عن ترحيب الأمم المتحدة باسترداد الأصول المالية وتعزيز المساءلة ومكافحة الفساد، واستعادة الأموال العامة التي تقودها الحكومة العراقية.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي، إنه بعد زيارة المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك، ولقائه برئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، تم تقديم مجموعة من الأسماء المتهمة بقضايا فساد منذ أعوام عدة، والاتفاق على محاكمتها واستعادة أموال الدولة العراقية منها، وبعد اعتقال الجيميلي (مدير مصفى بيجي النفطي) اعترف على مجموعة أسماء في البرلمان العراقي متورطة بقضايا فساد وارتباطات شبكة كبيرة من المسؤولين العراقيين معه، ومنهم الشخصيات التي تم اعتقالها.
ويؤكد القيسي، أنّ ملف مكافحة الفساد كبير ولن ينتهي عند هذه الأسماء، بل سيمتدّ ليشمل أسماء أكثر أهمية داخل الحكومة والبرلمان العراقي، واصفًا عملية الاعتقالات بأنها كسرت حاجز الخوف الذي تبنّته الحكومات العراقية السابقة، وأصبحت الكلمة الأولى للقضاء العراقي، ينفذها رئيس الحكومة علي الزيدي.
ويرى القيسي، أنّ اعتقال هذه الشخصيات سيؤثر بشكل إيجابي على تشكيل حكومة الزيدي، وستسقط وجوه وتظهر وجوه وطنية جديدة للشعب العراقي، وسيتغيّر وجه العراق السياسي، وتظهر أحزاب سياسية وطنية حقيقية خلال المرحلة المقبلة، مضيفا: هذه الخطوة ليست شكلية كسابقتها لأنها تُدار بإشراف من واشنطن، وستتم محاكمة كل الشخصيات التي تم اعتقالها ضمن حملة الإصلاحات ومكافحة الفساد.
وكشف القيسي، أنه خلال الأيام المقبلة، ولتحقيق التوازن بين الكتلتين السنية والشيعية، سيتم اعتقال شخصية شيعية بارزة، وذلك بعد اعتقال السامرائي الذي يُعتبر من الشخصيات السياسية السنية البارزة.
وفي السياق ذاته، كشف القيسي، أنه تم تزويد المطارات العراقية بأسماء 64 شخصية سياسية لمنعها من السفر، وأنّ حملة الاعتقالات ستتوسع من بغداد إلى باقي المحافظات، وستستمر حتى 17 يوليو المقبل وهو التاريخ المحدد لزيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة.
تصفية حسابات أم مكافحة الفساد؟
وعلى رغم أنّ العديد من الشخصيات السياسية العراقية رحّبت بالإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة العراقية لملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، ومنهم رئيس مجلس شيوخ صلاح الدين جاسم جبارة، الذي طالب الحكومة بتطبيق العدالة على الجميع بعيدًا عن أيّ اعتبار للعرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو الموقع الوظيفي، إلا أنّ البعض الآخر وصفها بحملة لـ "تصفية الحسابات" فقط.
ويقول المحلل السياسي محمد زنكنة لمنصة "المشهد"، إنّ هذه الحملات ضد الفساد شهدناها في زمن السوداني (قضية سرقة القرن)، لكن لم نشهد أيّ محاكمة لهذه الشخصيات، ولم يتطرق القضاء لمحاسبتها، كما أنّ الشخصيات التي تم اعتقالها رغم أنّ لها تأثيرًا داخل العملية السياسية العراقية لكنها لم تكن رقمًا صعبًا وليست بقوة السوداني أو رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي التي تطالها قضايا فساد أيضا.
ويرى زنكنة، أنّ حكومة محمد شياع السوداني تدور حولها الكثير من علامات الاستفهام لكن لم تطلها أيٌّ من هذه الاعتقالات، لأنّ الزيدي يخطو هذه الخطوات بتوجيه من أميركا ومن بعض الأطراف الدولية التي تريد أن تفتح أبوابا لها في العراق بعد تخلصه من النفوذ الإيراني.
وعلى المستوى القانوني، يشرح المحامي والمستشار في كلية القانون بجامعة المستقبل الدكتور آركان الحمداني، لمنصة "المشهد"، أنّ قاضي مكافحة الفساد ضياء جعفر أصدر قرارًا قبل أيام عدة، برفع الحصانة عن بعض النوّاب وحصل على موافقة رئاسة مجلس النواب، لأنها ضمن العطلة التشريعية وبحسب المادة 63 من الدستور العراقي والمادة 11 من قانون العقوبات، خلال فترة العطلة التشريعية يحق لرئيس المجلس رفع الحصانة عن نوابه.
وأصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحقهم، وبناءً على هذه المذكرات، بدأت القوات الأمنية حملتها لمداهمة منازل هذه الشخصيات المتهمة بشكل مثبت وبالأدلة (اعترافات – تسجيلات صوتية) بتورطها بالرشوة بشكل خاص. بحسب الحمداني.
ويوضح الحمداني، أنّ جميع من تم توقيفهم سيتم إحالتهم إلى محكمة التحقيق ولمواجهتم بالأدلة، ثم تحويلهم إلى محكمة الجنايات لإصدار أحكام قضائية بحقهم، ويحق لمحكمة الجنايات ولديها صلاحية مطلقة بوضع يدها على جميع العقارات العائدة لهم وعلى أموالهم.
(المشهد - العراق)