شكّلت وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان والوفد المرافق له صدمة كبيرة لدى العالم بأسره، والتي جاءت بالتزامن مع مرحلة غير مسبوقة من التوتر والتصعيد بين إيران وإسرائيل بسبب حرب غزة، وصلت لحد استهدافات مباشرة على أراضي بعضهما، ما أثار التكهنات حول استهداف متعمّد لطائرة الرئيس الإيراني.
يتعرض أي بلد يفقد رئيسه سواء بسبب الوفاة أو لأي سبب آخر إلى تحديات كبيرة تتعلق بالاستقرار السياسي والتوجهات المستقبلية، خصوصا أن وفاة رئيس البلاد ليست حدثا عابرا، بل يمكن أن تساهم في رسم سياسة وتوجهات البلاد المستقبلية.
تروّج إيران لنفسها دائما على أن نظامها نظام مؤسسات، وليس "الرجل الواحد"، وفي هذا الإطار تعد وفاة رئيسي أيا كان سببها، اختبارا حقيقيا لنظام الحكم القائم في إيران، وقدرته على تجاوز تأثيرات الحادثة على الصعيد الداخلي والخارجي.
وفاة رئيسي
على الرغم من أن وسائل إعلام إيرانية رجّحت سبب سقوط الطائرة إلى سوء الأحوال الجوية، إلّا أن بعض المراقبين لم يستبعدوا سيناريوهات عدة، على رأسها:
- عطل فني متعمّد (أي تصفية داخلية).
- تصفية خارجية من طرف عدو (إسرائيل نموذجا).
وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، موجهين أصابع الاتهام نحو الولايات المتحدة، كونها هي من تسببت بفرض عقوبات على إيران صعّبت مهمة إنقاذ الطائرة، حيث قال وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، إن الولايات المتحدة الأميركية هي المتسببة في سقوط مروحية الرئيس الإيراني لأنها فرضت عقوبات على قطاع الطيران في إيران ومنعت إدخال قطع تحديث الطائرات.
الجدير بالذكر أن إبراهيم رئيسي البالغ من العمر 63 عاما تولّى رئاسة إيران منذ يونيو 2021.
في السياق، يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن في حديث إلى منصة "المشهد" إن "وفاة الرئيس الإيراني والوفد المرافق له تُبين مدى الضعف التقني والأمني وسوء الإدارة في البلاد، خلافا للادعاءات الإيرانية التي تزعم دائما أن لديها تقنيات واقتصادا قويا غير متأثر بالعقوبات، إذ تَبين أن هذه التصريحات لا تمت للواقع بصلة".
وبرأي عبد الرحمن فإن مقتل رئيسي ربما يكون "تصفية خارجية وبالتحديد من قبل إسرائيل، لأن رئيسي يعد أسوأ رئيس حَكم البلاد منذ الثورة الإسلامية الإيرانية حتى يومنا هذا، ولديه معارضة من قبل المتشددين أنفسهم، وطريقة إسقاط الطائرة وتفحم الجثامين، وعدم عمل جهاز الإشعاع في الطائرة، تقوّي نظرة استهداف رئيسي والوفد المرافق له".
بدوره، يرى المحلل السياسي د.عامر السابلة في تصريح إلى منصة "المشهد" أن "وفاة رئيسي لا يمكن أن تكون عابرة، فهو الشخص الذي كان يصيغ السياسة الإيرانية في الـ5 سنوات الماضية. وفقا لمعطيات سقوط الطائرة فإننا نميل إلى فكرة "الحادث"، لكن الأوضاع غير المستقرة في المنطقة والاستهدافات المباشرة التي تحصل، تجعل سيناريو الاستهداف قائما".
النظام الإيراني سيتأثر؟
يعد إبراهيم رئيسي من أكثر الرؤساء الذين حكموا إيران تشددا، وانتهج سياسة خارجية "عدوانية" بشكل كبير، كما هدد في مواقف كثيرة بتدمير إسرائيل، وقدم أسلحة وطائرات مسيرة لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، وفقاً لتقارير عدة.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن رئيسي كان المرشح الأبرز لخلافة خامنئي، حيث يعتبر المرشد الأعلى في إيران هو الشخصية الأساسية والعليا في النظام الإيراني، وله سلطة في اتخاذ القرارات السياسية والدينية، ويشرف على القوات المسلحة والجهاز القضائي والإعلام الرسمي.
وتلعب المؤسسة الدينية في إيران دوراً هاماً في توجيه السياسات واتخاذ القرارات الهامة، ورئيسي كان شخصية بارزة من هذا المجتمع الديني المتشدد حتى قبل توليه منصب الرئيس.
في هذا السياق، يشرح السبايلة أن "وفاة الرئيس والوفد المرافق له ضربة للنظام الإيراني، لكن الأخير منذ اللحظة الأولى ركّز على فكرة أن النظام راسخ، وأن إدارة شؤون البلاد ستستمر، وكان واضحا وجود مخاوف من حدوث انعكاسات على النظام الداخلي، لسبب أن هذا الحادث يمكن أن يفتح الباب أمام الأزمات الداخلية، التي لا تزال تعصف بالبلاد".
ويشير السبايلة إلى أن "التركيز على زاوية أن النظام الإيراني نظام مؤسسات، سيدفع باتجاه السير بالأطر الدبلوماسية الدستورية بسرعة، وسيتم العمل بشكل كبير على رأب أي صدع، وإلغاء فكرة المنافسة في هذه المرحلة الحساسة، وإثبات قوة النظام، على الرغم من أن وقوع الحادث بحد ذاته يفتح الباب أمام مدى فعالية الأجهزة والمؤسسات في إيران".
ويؤيد ذلك عبد الرحمن بقوله إن "وفاة رئيسي تؤثر على نظام الحكم في إيران، فرئيسي بالإضافة إلى كونه رئيسا، فهو مرشح لخلافة المرشد الأعلى خامنئي، وعبر مسيرته تولى مناصب قيادية مهمة جدا، ويعد من المدرسة النافذة والمتشددة في إيران، وهي مدرسة ما تسمى بـ"حقاني"، والتيار التابع لها هو التيار المهيمن على البرلمان والخارجية الإيرانية اليوم، أيضا حسين أمير عبد اللهيان ابن هذه المدرسة".
وعلى الرغم من أهمية رئيسي لدى المتشددين والأصوليين في إيران، فإن النظام الإيراني قادر على السيطرة على الأوضاع، فمنصب الرئيس ليس هو كل شيء، كما أن المرشد هو من يدير البلاد، وفقا لعبد الرحمن.
"الموروث الحاكم"
في رسالة التعزية التي وجهها خامنئي بعد الإعلان رسميا عن وفاة رئيسي، قال خامنئي "بحسب المادة 131 من الدستور، يتولى نائب الرئيس محمد مخبر إدارة السلطة التنفيذية ويتعين عليه الترتيب مع رئيسي السلطتين التشريعية والقضائية لانتخاب رئيس جديد خلال مدة أقصاها 50 يوما".
ويعتقد عبد الرحمن أن "علي لاريجاني رئيس البرلمان السابق هو أكثر الشخصيات المرشحة لرئاسة البلاد، وهناك شخصيات أخرى ستكون موجودة على الساحة، لكن النظام الإيراني يعوّل على لاريجاني أكثر من غيره".
وفي تقرير قبل الإعلان رسميا عن وفاة رئيسي، قالت صحيفة "بوليتيكو" إن وفاة رئيسي تُضيق عملية اختيار من قد يكون المرشد الأعلى القادم، ففي هذه الحالة سيصبح نجل علي خامنئي (مجتبى) هو أحد المرشحين المحتملين".
وبحسب "بوليتكو"، "لا تستطيع الجمهورية الإسلامية تحمل الصدمات الخارجية بالنظر إلى حقيقة أنها تواجه مشكلات داخلية كبيرة على الجبهة الداخلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لهذا السبب فهذه نقطة اشتعال محتملة".
فيما يرى المحلل السبايلة أن "نائب الرئيس محمد مخبر قد يكون مقترحا كرئيس للبلاد بعد الانتخابات، كذلك فإن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قد يكون رئيسا للبلاد، لكن يمكن أن نشهد بدء صراعات تيارات شابة من "الموروث الحاكم"، أي الدور الذي يمكن أن يلعبه مجتبى خامنئي أو ابن الخميني، كل هذه الاحتمالات يمكن أن تظهر الآن بسبب الفراغ الذي تشكل، والمساعي إلى ملئه".
(المشهد )