تبدل موازين القوى في سوريا.. المركزية تتقدم على الحكم الذاتي

شاركنا:
نقل نحو 7,000 معتقل من "داعش" من سجون "قسد" إلى العراق أزال ورقة الضغط الدولية عن الأكراد (رويترز)
هايلايت
  • انهيار سريع لمشروع الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا وصعود الدولة المركزية بقيادة الشرع.
  • أميركا دعمت دمشق سياسيا وأمنيا، وأكدت انتهاء الدور الوظيفي لـ"قسد" بمحاربة "داعش".
  • تركيا ضغطت لتسريع عملية دمشق ضد "قسد" خشية قيام "الهلال الكردي" على حدودها.
  • المرسوم رقم 13 منح الكرد السوريين حقوقا مدنية وثقافية مهمة ضمن إطار الدولة المركزية.

شهدت سوريا في يناير 2026 تحولا استثنائيا في موازين القوى، تمثل بانهيار متسارع لمشروع "الإدارة الذاتية" في مناطق الشمال الشرقي، مقابل صعود الدولة المركزية في دمشق برئاسة أحمد الشرع. هذا التحول لم يكن مفاجئا، بل جاء نتيجة ترتيبات سياسية وأمنية شاركت فيها عواصم إقليمية ودولية، أبرزها مباركة أميركية واضحة من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

الوضع الجديد تبلور من خلال سلسلة اجتماعات خرجت تفاصيلها للعلن مؤخراً عبر تسريبات من مصادر مختلفة في صحف أميركية ووكالة رويترز. بدأت التحركات في الرابع من يناير 2026، عندما أنهى وزير سوري بشكل مفاجئ اجتماعاً في دمشق كان مخصصاً لمناقشة دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مؤسسات الدولة، وهو ما أعطى إشارة أولى إلى أن دمشق قررت الانتقال من مسار التفاوض إلى مسار الحسم الميداني والسياسي.

في اليوم التالي، توجه وفد سوري إلى باريس، حيث عقدت الجولة الخامسة من المفاوضات الأمنية مع إسرائيل بوساطة أميركية، في هذه الاجتماعات، طرح الجانب السوري خطة للقيام بعملية عسكرية محدودة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها "قسد"، ولم يواجه هذا الطرح اعتراضا كبيرا من الجانبين الأميركي أو الإسرائيلي. وطالبت دمشق بالتوقف عن تشجيع القيادات الكردية على المماطلة في تنفيذ اتفاقات الاندماج، فيما عكست واشنطن موقفها برؤية حكومة قوية في دمشق قادرة على تحمل المسؤوليات الأمنية وضمان استقرار الحدود.

أما المحطة الثالثة فكانت في أربيل، حيث التقى المبعوث الأميركي توم براك بكل من قائد "قسد" مظلوم عبدي والزعيم الكردي مسعود بارزاني في 17 يناير 2026. في هذا الاجتماع، كان براك صريحاً، حيث أبلغ عبدي بأن "مصالح الولايات المتحدة اليوم تكمن في الشراكة مع الشرع وليس مع قسد"، معتبراً أن الدور الوظيفي لـ "قسد" في محاربة تنظيم "داعش" قد انتهى بوجود دولة سورية مستعدة وقادرة على تولي هذه المهمة.

يرى الباحث مسعود عكو في هذا الموقف، خلال حديثه مع منصة "المشهد"، تحولًا أميركياً معتبرا أن "ما جرى مؤخراً، لا يمكن فصله عن سياق أوسع. هناك، بلا شك، دور أميركي، ويمكن وصف ما حصل بأنه تخلّ أميركي واضح، إلى جانب تعقيدات مرتبطة بالدور التركي، وهي مسائل لا تخص الكرد وحدهم، بل ترتبط بالتحولات الكبرى في الخارطة الإقليمية والدولية".

أنقرة و"الهلال الكردي"

لعبت تركيا دوراً محورياً في تسريع وتيرة الأحداث، فالمحرك الأساسي لأنقرة كان التخوف من تغيرات في إيران، إثر الاحتجاجات التي كانت أكبرها في المناطق الكردية، وخشيت من أن يؤدي انهيار الاستقرار في إيران إلى تحركات كردية منسقة في إيران والعراق وسوريا، ما يسفر عن قيام "كيانات كردية متصلة" على حدودها الجنوبية والشرقية أو ما يمكن تسميته بـ"الهلال الكردي".

هذا التخوف دفع أنقرة إلى تسريع التنسيق مع المبعوث الأميركي توم براك لدعم عملية دمشق ضد "قسد"، نقلت تركيا رسالة إلى دمشق مفادها أن واشنطن لن تعترض على عملية عسكرية شرط حماية المدنيين الكرد. بالنسبة لأنقرة، فإن وجود جيش سوري نظامي على حدودها، حتى لو كان بقيادة الشرع، هو أفضل بكثير من وجود قوات "قسد" التي تعتبرها مجرد واجهة لحزب العمال الكردستاني (PKK).

استطاع الشرع أن يقدم نفسه أمام الإدارة الأميركية كـ "خبير بمحاربة التطرف"، ومنذ سيطرته على دمشق بدأ في بناء شرعية قائمة على مبدأ "الدولة الشريكة في مكافحة الإرهاب"، مدركا أن الطريق إلى قلب واشنطن يمر عبر ملفين أساسيين: أمن إسرائيل ومكافحة تنظيم "داعش". ومن خلال مفاوضات باريس، أثبت استعداده للتعامل بواقعية مع الهواجس الأمنية الإسرائيلية، محاولا من خلال العمل لإدماج "قسد" تأكيد قدرته على توحيد السلاح السوري تحت راية واحدة قادرة على تنفيذ ملفات عدة أهمها منع تهريب السلاح إلى حزب الله وحماية الحدود مع إسرائيل.

وهنا برز دور الزعيم الكردي مسعود بارزاني كعراب للاتفاق الذي يحاول إنقاذ سوريا والكرد من مواجهة دموية، ومن خلال سلسلة من اللقاءات في أربيل، استطاع بارزاني إقناع قيادة "قسد" بأن الموقف الدولي قد تغير فعلياً، وأن الرهان على بقاء القوات الأميركية لحمايتهم للأبد هو رهان خاسر.

المرسوم رقم 13

في 16 يناير 2026، أصدرت دمشق المرسوم رقم 13، والذي وصف بأنه "النقلة التاريخية نحو مواطنة كاملة للكرد السوريين"، جاء هذا المرسوم ليعالج قضايا بقيت عالقة منذ عام 1962، حيث ألغى كافة القوانين الاستثنائية التي جردت آلاف الكرد من جنسيتهم في محافظة الحسكة. كما نص المرسوم على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية يُسمح بتدريسها، وجعل عيد النوروز عطلة رسمية في جميع أنحاء البلاد.

قدمت دمشق هذه الحقوق في إطار دستوري وقانوني ضمن "دولة مركزية واحدة"، هذا التحول يهدف إلى تحويل القضية الكردية من سياق الصراع المسلح إلى إطار المواطنة، في محاولة لتسهيل عملية الاندماج الإداري والعسكري.

أحد أكثر الجوانب إثارة في أحداث يناير 2026 هو "اتفاق باريس الأمني" بين سوريا وإسرائيل، والذي يمثل خروجاً عن تقاليد العداء التاريخي نحو "آلية تنسيق فنية" تهدف إلى منع التصعيد وتبادل المعلومات الاستخباراتية. تضمن الاتفاق إنشاء منطقة اقتصادية منزوعة السلاح وتفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع سعي سوري لاستعادة السيادة على المناطق التي احتلتها إسرائيل إبان سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.

بالنسبة لإسرائيل، فإن حكومة الشرع تمثل طرفاً تحت أعين الأميركيين "يمكن التنبؤ بتصرفاته" مقارنة بالميليشيات غير المنضبطة التي كانت تحكم سوريا في عهد الأسد، وبالرغم من الخلافات حول نقاط معينة مثل "جبل الشيخ"، إلا أن واشنطن تضغط بقوة لإنجاح هذا المسار كجزء من رؤية ترامب للشرق الأوسط، والتي تركز على "السلام من خلال الازدهار" وتقليل الوجود العسكري الأميركي المباشر.

مصير السلاح الكردي

بعد التغيرات الميدانية وتراجع الكرد من مناطق سيطرتهم غرب نهر الفرات، يرى عكو أن "قسد" يجب أن تعمل بفكرة جديدة تسمح بحماية الكرد وتطوير وجودهم، "يمكن القول إن قوات سوريا الديمقراطية بصيغتها الحالية قد انتهت، من المحتمل أن تُحل أو يعاد تشكيلها ضمن وحدات كردية محددة، وربما تظهر بتسمية جديدة في المستقبل. هذا الأمر، إن حصل، سيكون بالتوافق مع الحكومة السورية، ومع أطراف الوساطة، وكذلك مع الولايات المتحدة التي كانت الداعم الرئيسي".

ويضيف لـ"المشهد": "اليوم، وبعد انشقاق معظم القوى غير الكردية عنها، وآخرها قوات الصناديد التابعة لقبيلة شمر، لم تعد قسد ائتلافا عسكريا سورياً كما كانت، بل أصبحت عمليا قوة عسكرية كردية، وهو ما يفرض عليها تغيير اسمها وهويتها السياسية".

بدأت الولايات المتحدة بنقل قرابة 7,000 معتقل من عناصر "داعش" من سجون "قسد" إلى العراق، وهو ما يجرد الكرد من ورقة الضغط الدولية المتعلقة بمخاطر فرار السجناء، وتسليم هذا الملف للدولة السورية والعراقية تحت رقابة أمنية مشددة.

يرى مراقب كردي في أربيل أن "ما حصل يُشبه نكبة كركوك عام 2017، كأنما واشنطن تخلت عن حلفائها" لصالح صفقات إقليمية. ومع ذلك، فإن البعض الآخر من الكرد رحب بالمرسوم 13، ورأى فيه بداية حل حقيقي للقضية الكردية.

يُوضح عكو أن الحلم الكردي لا ينتهي بسقوط تنظيم عسكري "فهو سيبقى حلماً قائماً، ولن ينتهي بانتهاء قوات سوريا الديمقراطية أو أي تنظيم عسكري آخر. فالقضية الكردية أوسع من أي إطار عسكري أو سياسي محدد".

الاندماج أم التهميش؟

أمام "قسد" طرق عدة، أوضحها اليوم: الحرب المؤجلة يقابلها التفكك العسكري الذي يعني عدم وجود ألوية أو فرق كردية مستقلة، بل توزيع المقاتلين كأفراد في قطاعات الجيش السوري. وتسليم كافة المعابر الحدودية والمنشآت النفطية للحكومة المركزية.

وهنا يرى عكو أن "هذه الأيام تعد عاملاً حاسماً في تحديد المسار المقبل. الولايات المتحدة أعلنت موقفها بشكل علني، حين قال براك بوضوح إن الدور الوظيفي لقسد انتهى، وأنها أنجزت مهمتها الأساسية وهي محاربة تنظيم داعش. بناء على ذلك، تدخل قسد اليوم مرحلة جديدة، مفتوحة على احتمالات متعددة، رهن التفاهمات السياسية المقبلة".

لقد أثبتت أحداث يناير 2026 أن الجغرافيا السياسية لا تعترف بالوعود العاطفية، بل بالمصالح، خسرت قوات سوريا الديمقراطية جولة الحكم الذاتي بسبب تبدل الموقف الأميركي الذي انتقل من "بناء الشركاء المحليين" إلى "بناء الدول الحليفة".

وبالرغم من أن حلم "الإقليم الكردي" اهتز بصفته كياناً سياسياً مستقلاً، إلا أن الكرد السوريين خرجوا بمكاسب حقوقية ومواطنية لم تكن متاحة لهم منذ عقود، مما يفتح الباب أمام شكل جديد من أشكال "الاندماج الوطني" الذي قد ينهي فتيل الصراع العرقي إذا ما تم الالتزام بتطبيق المراسيم والاتفاقات بصدق. 

(المشهد)