في وقت تحثّ فيه تونس خطاها نحو طيّ صفحة عشرية اتسمت بالفشل في الحكم، وتفكيك الدولة وتدميرها أمنيا واقتصاديا، جاءت عملية جربة الأسبوع الماضي؛ لتعيد إلى السطح المخاوف حول عودة شبح الإرهاب، ولتطرح الكثير من الأسئلة حول علاقة الإخوان بها ومدى تورّطهم فيها.
وتعرّض كنيس اليهود في جربة جنوب تونس، لهجوم خلال اختتام فعاليّات الاحتفال بالزيارة السنويّة لهذا المعبد اليهودي، الذي يعدّ أقدم معبد من نوعه في إفريقيا، ويعود تاريخه لأكثر من 2500 عام.
وقالت الداخلية التونسية إنّ عون حرس يعمل بمركز "أغير" في جربة، انتزع سلاح زميله، وأطلق عليه النار قبل أن ينتقل إلى المعبد ليواصل إطلاق النار بشكل عشوائي.
وانتهت العمليّة بتحييد منفذها ومقتل ثلاثة رجال شرطة ومدنيين وجرح آخرين.
ورفضت السلطات التونسية تصنيف العملية كـ"عمل إرهابي"، وقال وزير الداخلية إنّ الأبحاث متواصلة وستكشف عن طبيعتها، فيما تحدّث الرئيس التونسي عند إشرافه على اجتماع لمجلس الأمن القومي، عن "مجرمين" هدفهم زعزعة استقرار تونس، قائلا إنّ "الشعب التونسي يعلم جيدا مخططات المجرمين".
مخطّط التفخيخ
ورغم التعاطي الرسمي الحذر مع الحادثة، يُجمع الفاعلون السياسيون والمراقبون للشأن التونسي، على أنّ بصمات الإخوان غير بعيدة عمّا وقع، وفي السياق وجّهت أحزاب سياسية أصابع الاتهام مباشرة لحزب "النهضة" الإسلامي، بالوقوف وراء عملية جربة، واعتبر حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، أنّ "نشر الإرهاب تزامن مع صعود النهضة إلى الحكم في 2011".
ومنفّذ العملية بحسب ما توافر لمنصّة "المشهد" من معلومات هو رجل أمن وقع انتدابه أيّام حكم الإخوان، وسيطرتهم على وزارة الداخلية، وهو محلّ متابعة بسبب شبهات تتعلق بالتشدّد.
وتُتّهم النهضة بتفخيخها للوزارات في تونس بعد وصولها للحكم في 2011، وفي مقدمتها خصوصا الوزارات السيادية، بما في ذلك وزارة الداخلية بتعيينات لموالين لها أو لمعزولين ممّن وجهت لهم سابقا تهم الانتماء لتيارات متشددة.
وقالت النائبة بالبرلمان التونسي فاطمة المسدّي لمنصّة "المشهد"، إنّ وزارة الداخلية مخترقة من الإخوان الذين وضعوا يدهم عليها طيلة العشرية الماضية، عبر انتدابات وتعيينات مشبوهة وتكوين ما صار يُعرف بـ"الجهاز السري"، مشددة على أنّ وجود جهاز أمنٍ موازٍ، أمر واقعي أثبتته التحقيقات والأدلّة.
وتفجّرت قضية "الجهاز السري" للنهضة في عام 2018، عندما كشف فريق هيئة الدفاع عن ملف اغتيال السياسيين محمد البراهمي وشكري بلعيد، وجود وثائق وأدلة تفيد بامتلاك النهضة لجهاز أمني موازٍ للدولة، متورط في اغتيال المعارضين، وفي ممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة وملاحقة خصوم الحزب.
وأغتيل السياسي اليساري شكري بلعيد بالرصاص أمام مقر سكنه في فبراير 2013، وبعدها اغتيل النائب محمد البراهمي المعارض ضمن التيار القومي، في تموز/يوليو من العام نفسه.
وقالت هيئة الدفاع إنّها تملك تسجيلات لأمنيين وعسكريين، تثبت تورط الإخوان في عمليات الاغتيال وفي عمليّات إرهابية عاشتها تونس.
وعاشت تونس بعد وصول الإسلاميين للحكم عام 2011، على وقع موجة من العمليات الإرهابية استهدفت عسكريين ورجال شرطة وسيّاح.
وتزيد النائبة التونسية أنه على مدار 10 سنوات بالسلطة، تغلغل تنظيم الإخوان بشكل ممنهج كالسرطان في الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية كافة عبر عناصرهم، وموالين لهم من دون استيفاء كامل، في محاولة للسيطرة على مقاليد الأمور كافة في البلاد.
وتضيف أنّ "الإخوان انتدبوا موالين لهم في إطار ما يُعرف بالعفو التشريعي العام، لزرعهم في كامل مؤسسات الدولة الحكومية"، مطالبة بحلّ هذا الحزب وتصنيفه "تنظيما إرهابيا".
وسبق للمسدّي أن تقدمت بشكوى مثلت منطلقًا لتحقيقات بشأن قضايا إرهابية شملت أمنيين وقياديين في حزب النهضة، من بينهم رئيس الحكومة السابق وزير الداخلية علي العريض، ووزير العدل السابق نور الدين البحيري.
وفي عام 2011 أصدرت السلطة الموقتة مرسوما صار يُعرف بـ"العفو التشريعي العام"، انتفع به من سبقت محاكمتهم قبل ذلك التاريخ، من أجل "مواقف سياسية أو انتماءات أيديولوجية".
وبلغ عدد المنتفعين بالعفو التشريعي العام الذين تم انتدابهم عشوائيا في الوظيفة العمومية من دون إجراء مناظرة بعد 2012، في حدود 6839 موظفا، بحسب دراسة رسمية أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية.
ووفق الدراسة ذاتها انتُدب بعد عام 2014، 2929 موظفا من عائلات شهداء الثورة وجرحاها بصفة عشوائية، في حين بلغ عدد عمال المناولة والحضائر والآلية 16، الذين تم انتدابهم بعد سنة 2012 نحو 54 ألفا افتعال.
مزيد من الأزمات
ينفي الإخوان في تونس التهمة الموجهة لهم بالتورّط في عملية جربة، ولم تكشف التحقيقات بعد وجود صلة بين الحارس المنفّذ للعملية والتنظيم، فيما اعتبر رئيسهم منذر الونيسي هذه الاتهامات ''افتراء'' و"تُهمًا كيديّة"، غير أنّ غياب الدليل المادي لتورّطهم، لا ينفي مسؤوليتهم السياسية في نظر كثير من المراقبين.
وكان الرئيس سعيّد قد قال بعد العملية، إنّ "الذين يخطّطون لسفك الدماء هم أنفسهم الذين يسعون إلى افتعال الأزمات بشتّى السبل، لتأجيج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وللتنكيل بالشعب في قوته ومعاشه".
ويؤيّد المحلل السياسي مهدي المناعي في تصريح لمنصّة "المشهد" هذا الموقف، مؤكدا أنّ توقيت تنفيذ هذه العملية، يحمل الكثير من الدلالات التي تشير مباشرة إلى تورّط الإخوان موضحا أنها:
- تأتي في ختام احتفال ناجح بشهادة الجميع باحتفالية زيارة اليهود لكنيسهم في الغريبة، وفي وقت تؤكد فيه كلّ المؤشرات أنّ قطاع السياحة بدأ في التعافي ومن المنتظر أن يحقّق نتائج جيدة.
- اختيار جربة وكنيس الغريبة الذي سبق وأن استُهدف بعملية إرهابية ليس اعتباطيا، وفي عام 2002 تعرّض كنيس اليهود بالغريبة لعملية إرهابية أدّت إلى مقتل 21 سائحا تبنّاها تنظيم القاعدة.
- ضرورة ربط الأحداث ببعضها، إذ تزامنت العملية مع عملية أخرى استهدفت مركزا أمنيا آخر تورّط فيها عنصر أمن، وبعد أيام من أحداث عنف مشبوهة شهدها ملعب رادس، وبعد أسابيع من توقيف راشد الغنوشي وغلق مقرات حزبه.
- الفيديو المسرّب للغنوشي الذي تحدّث فيه عن "حرب أهلية في صورة استبعاد الإسلاميين من الحكم" هو الشيفرة التي قد تكون أعطت الضوء الأخضر لأنصاره وإن كانوا في شكل خلايا نائمة للتحرك.
- منفّذ العملية معروف عنه تشدّده الديني
- تاريخ إخوان تونس الذين لجأوا في التسعينيات للعنف وإراقة الدماء، وحرق المؤسسات بعد تضييق الخناق عليهم، يشهد عليهم والعنف من أدبياتهم"، ويضيف المناعي، "وصلنا إلى مرحلة يرفع فيها رجل الشرطة السلاح على زميله، ويرفع فيها مواطن السلاح في وجه الشرطة".
ومنذ نحو شهر أوقف القضاء شيخ الإخوان راشد الغنوشي بسبب تصريح له تحدّث فيه عن حرب أهلية، وذلك بعد أسابيع من توقيف مجموعة من السياسيين ورجال الاعمال ممّن نُسبت لهم تُهم التآمر على الدولة، وتشير التحقيقات المسربة إلى وجود مخططات تتعلق بافتعال أزمات معيشية في تونس قصد تأليب الشارع.
(المشهد)