رغم الإجراءات الصارمة.. لماذا تشهد أوروبا ارتفاعا حادا في أعداد اللاجئين؟

شاركنا:
ألمانيا تتلقى أكبر عدد من طلبات اللجوء بنسبة 30% خلال النصف الأول من 2023 (رويترز)
هايلايت
  • مراقبون يعتبرون الحملة التركية ضد المهاجرين تقف وراء ارتفاع أعداد اللاجئين بأوروبا.
  • ناشط في حقوق اللاجئين يرى أنّ الهجرة غير الشرعية أصبحت ثقافة مع تزايد أعداد المهربين.
  • محامٍ فرنسي يتوقع المزيد من الإجراءات الصارمة ضد الهجرة مع تزايد الرفض الشعبي.

ارتفعت طلبات اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال الـ6 أشهر الأولى من هذا العام بنسبة 30%، لتكون الأعلى خلال 6 سنوات، بحسب ما أعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، في تقريرها النصف سنوي، والتي أشارت فيه إلى التقدم بنحو 519 ألف طلب لجوء بين يناير ويونيو 2023.

وتتوقع الوكالة الأوروبية، زيادة طلبات اللجوء إلى المليون طلب بحلول نهاية السنة، بحسب "الميول الحالية"، وهو الأمر الذي يشير إلى استمرار تقديم المزيد من طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي، بعد الزيادة الكبيرة بنسبة 53% في عام 2022.

ولا تتّسق البيانات التي أصدرتها الوكالة الأوروبية، مع الإجراءات الصارمة التي تحاول أن تتخذها دول القارة العجوز منذ سنوات، للحدّ من تدفق المهاجرين، كان آخرها الاتفاق الذي وُصف بـ"التاريخي" يونيو الماضي، والهادف إلى مراجعة نظام استقبال مشترك لطالبي اللجوء بدول الاتحاد.

وإلى جانب ذلك، يستفيد ما يقرب من 4 ملايين أوكراني فارين من الحرب، من الحماية المؤقتة، حسبما تذكر وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، مشيرة إلى أنه نتيجة لهذه الزيادات، تتعرض العديد من دول الاتحاد الأوروبي لضغوط في ما يتعلق بمعالجة الطلبات وحماية المحتاجين.

ثقافة اللجوء

واتفق النشطاء والخبراء الذين تحدثوا مع منصة "المشهد"، على أنّ الزيادات الكبيرة في طلبات اللجوء بدول الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من العام الجاري، أمر متوقع، لأنّ الهجرة غير الشرعية أصبحت ثقافة للعديد من الأشخاص الطامحين، وليس فقط الذين يعانون أوضاعا سياسية وإنسانية صعبة بفعل الصراعات.

ويعتبر الناشط السوريّ في حقوق اللاجئين قصي دالي، أنّ "ثقافة اللجوء بطرق غير شرعية، تتسع مع تزايد أعداد المهربين، والأشخاص الذين يسهّلون ذلك من خلال إيجاد طرق مختلفة لتلك الرحلات، التي في العادة تشكل خطرا على أرواح المهاجرين".

ويضيف دالي خلال حديثه مع منصة "المشهد": "قد يعتقد البعض بأنّ الاضطرابات في البلدان المصدّرة للاجئين قد تراجعت، لكن في الحقيقة تتزايد يوما بعد يوم بطرق مختلفة، ما يؤدي إلى بحث المزيد من الأشخاص عن حياة أفضل على الصعد كافة. حيث تواجه تلك البلدان أزمات اقتصادية، وفي بعضها يوجد صراعات سياسية ومسلحة".

ووفق تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، واصل السوريون تقديم معظم طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي، كما كان الاتجاه منذ سنوات عدة، حيث قدّموا نحو 67 ألف طلب في النصف الأول، وهو ما يمثل ارتفاعا بنسبة 47% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022، والأعلى في هذا الوقت من العام منذ 2016.

ويرى الخبير القانونيّ والمحامي الفرنسيّ إيلي حاتم خلال حديثه مع منصة "المشهد"، أنه "رغم استقرار الأوضاع نسبيا في سوريا مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أنّ تزايد طلبات اللجوء في النصف الأول يشير إلى ما تعرضوا له في تركيا بعد إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب إردوغان".

ويضيف حاتم، أنّ "هذا لا يتعلق فقط بالعرب، بل بالمهاجرين الأفغان في تركيا، حيث إنّ الحكومة التركية تعمل جاهدة على إعادة المهاجرين الذين لا يحملون إقامة رسمية إلى بلادهم".

ويتفق مع هذا الناشط في حقوق اللاجئين قصي دالي، والذي يعتبر أنّ "التضييق على حقوق وحريات اللاجئين من جنسيات أخرى، الموجودين في البلدان المستضيفة، والضغط عليهم من أجل إعادتهم قسرا إلى بلدانهم، يقف أيضا وراء ارتفاع معدلات الهجرة لأوروبا".

تضييق الخناق

منذ يوليو الماضي، كثفت السلطات في أنقرة من حملتها على اللاجئين خصوصا العرب، فبحسب شهادات سابقة حصلت عليها منصة "المشهد" من مهاجرين كانوا عالقين على جزيرة بين اليونان وتركيا، رفضت السلطات عودة 150 مهاجرا من أصول عربية إلى البلاد، بعد تعثّر وصولهم للأراضي اليونانية، حيث أُرغموا على البقاء على الجزيرة في أوضاع مأسوية لأكثر من شهر تقريبا.

وبالإضافة إلى مغادرة مهاجرين كثر من تركيا إلى أوروبا، هناك مشكلة أخرى تتمثل في الحدود الجنوبية لدول التكتل، حسبما يقول المحامي الفرنسي إيلي حاتم، مشيرا إلى أنّ البحر المتوسط يشكل بوابة عبور مهمة للمهاجرين من منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، وشمال إفريقيا، "كما أنها تثير الكثير من التخوفات لدى زعماء البلدان".

وتعمل دول الاتحاد الأوروبي منذ سنوات، بالتعاون مع سلطات البلدان الإفريقية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والقريبة من السواحل الأوروبية، على تشديد الرقابة على الحدود البحرية، وتضييق الخناق على المهربين، وكان آخرها اتفاق "الشراكة الاستراتيجية" الذي أُبرم مع الحكومة التونسية.

ويؤكد المحامي الفرنسي أنّ الأصوات السياسية والشعبية أيضا في أوروبا، والتي تنادي بوقف تدفق اللاجئين ورفض طلبات اللجوء، تتزايد، قائلا: "الدول الأوروبية بدأت تتخذ إجراءات حاسمة في هذا الشأن، حتى الدول البعيدة عن تكتل الاتحاد الأوروبي وغير الموقعة على اتفاقية دبلن، تعمل على تشديد منع دخول المهاجرين واللاجئين إلى أراضيها".

وتوصّل وزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي لاتفاق من نصّين رئيسيّين ضمن إصلاح نظام الهجرة، والذي ينصّ على تقاسم عبء استضافة طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء، وتسريع عملية فحص الطلبات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، واستبعاد من لا يستحقون اللجوء، وتسريع عمليات إعادة من رُفضت طلباتهم إلى دولهم، أو دولة آمنة مثل رواندا بإفريقيا.

ويؤكد حاتم أنّ رفض المهاجرين يتزايد بشكل محسوس، "فمثلا، قبرص شهدت هذا الأسبوع تظاهرات معارضة للهجرة، وهي تظاهرات نادرة للغاية. كما أنّ الحكومة الفرنسية التي باتت تواجه انتقادات حادة بسبب المهاجرين، تعمل حاليا على تقليل عدد طلبات اللجوء التي توافق عليها، خصوصا مع استياء الرأي العام من بعض الجرائم الجنائية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية".

وتاريخيا، اعتادت فرنسا على تلقّي معظم طلبات اللجوء من الدول الإفريقية مثل ساحل العاج وغينيا، لكن خلال النصف الأول بحسب بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، كانت أغلب هذه الطلبات في إيطاليا، مع زيادة معدلات الاعتراف بصفة لاجئ لهاتين الجنسيّتين بشكل مطّرد منذ عام 2017.

كما، شكلت ألمانيا البلد الذي تلقى أكبر عدد من الطلبات مع 30% من إجماليها خلال النصف الأول، أكثر بمرتين تقريبا من إسبانيا 17%، وفرنسا 16%، وفقا لبيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء.

هل تنجح أوروبا في منع الهجرة؟

بدوره، يرى الناشط في حقوق اللاجئين قصي دالي، أنّ الدول الأوروبية لا يمكنها منع تدفق المهاجرين إليها، لكنها قادرة على وضع عراقيل قد تعرّض حياتهم في بعض الأحيان إلى الخطر.

وأثار غرق قارب يحمل 700 مهاجر من جنسيات دول الشرق الأوسط قبالة سواحل اليونان قبل أكثر من شهرين، غضب الكثيرين حول العالم، لأنّ الواقعة لم تحظَ بالاهتمام المطلوب بالمقارنة مع ما حظي به فقدان غواصة "تيتان" السياحية، التي كانت تقل 4 أثرياء في رحلة لقاع المحيط لاستكشاف موقع غرق سفينة "تايتانيك".

ويعتقد قصي دالي أنّ بعض الدول الأوروبية ليس لديها نيّة لوقف تدفق اللاجئين بطريقة غير شرعية، "لأسباب عدة، منها إظهار فشل حكومات البلدان المصدّرة للاجئين، وصعوبة العيش فيها بسبب الأنظمة الهشّة المتّبعة. كما أنّ اللاجئين الفاقدين للأمل في مستقبل أفضل ببلدانهم أو البلدان المضيفة لهم، سيفعلون المستحيل من أجل العيش بكرامة وأمان".

ويضيف: "أوروبا لا تزال بحاجة إلى المزيد من المهاجرين واللاجئين على عكس ما يتداول في وسائل الإعلام، حيث إنّ الدول الأوروبية تعرف جيدا كيف يمكن الاستفادة من هؤلاء في التنمية وعلى الصعد كافة".

على النقيض يقول المحامي الفرنسي إيلي حاتم، إنّ المهاجرين باتوا يمثلون أعباءً سياسية واقتصادية على الحكومات في القارة العجوز، "حيث المعارضة وأصوات شعبويّة وقوميّة تُحمّل الحكومات والأحزاب الحاكمة، مسؤولية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة بسبب اللاجئين"، متوقعا أنّ المرحلة المقبلة ستشهد مناقشات مهمة في البرلمان الأوروبي، لتشديد الموافقات على طلبات اللجوء في بلدان التكتل والدول الأوروبية الأخرى.

وكشفت بيانات وكالة اللاجئين في الاتحاد، أنّ العام الماضي شهد استقبال نحو 994 ألف طلب، وهو الأعلى تقريبا في 5 أعوام، حيث بلغت الطلبات خلال موجة اللجوء إلى أوروبا بسبب تواصل النزاع السوري خصوصا، نحو 1.3 مليون طلب في 2015، و1.2 مليون في 2016، فيما كان عدد طلبات اللجوء في عام 2021 نحو 622 ألف طلب.

(المشهد)