صراع نفوذ أم وجود.. ماذا يحدث بين العشائر العربية وقسد؟

شاركنا:
يعد الصراع بين القبائل العربية والأكراد في شمال شرق سوريا (شرق الفرات) جزء مهما من الواقع السياسي والاجتماعي في المنطقة (رويترز)
هايلايت
  • الصراعات بين العشائر العربية والأكراد في شمال شرق سورية تمتد إلى عقود من التاريخ.
  • اعتقال قسد لرئيس مجلس دير الزور العسكري كان الشرارة التي أشعلت الصراع في المنطقة.
  • باحثون: قد تحاول واشنطن تحقيق مطالب أنقرة من خلال إبعاد الأكراد عن حدودها.
  • نائب من عشيرة العكيدات: الاحتقان الشعبي ضد قسد يتزايد يوما بعد يوم.

عاد التوتر بين العشائر العربية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الواجهة من جديد على خلفية اعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل (أبو خولة) من قبل القوت الكردية، لأسباب قالت الأخيرة إنها تتعلق بارتكاب الجرائم والتجاوزات المتعلقة بتواصله مع جهات خارجية، وجرائم جنائية بحق الأهالي والإتجار بالمخدرات، وسوء إدارته للوضع الأمني ودوره السلبي في زيادة نشاط خلايا داعش، واستغلال منصبه في مصالحه الخاصة والعائلية.

يعد الصراع بين القبائل العربية والأكراد في شمال شرق سوريا (شرق الفرات) جزءً مهما من الواقع السياسي والاجتماعي في المنطقة، يُعزى هذا الصراع إلى عدة عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية، في وقت يسود فيه التنافس منذ سنوات على موارد المنطقة التي تعتبر السلة الغذائية لسوريا، إضافة إلى أن معظم موارد البلاد من النفط تقع فيها، ومع بدء الحرب السورية عام 2011 دخل الصراع مرحلة جديدة، تأرجح بين التحالف تارة، و التنافس تارة أخرى، تزامن ذلك مع تدخلات خارجية سارعت من وتيرة الصراعات في المنطقة.

انتشار تسجيلات لأبو خولة

قبل أشهر، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات صوتية تعود إلى أبو خولة، يبين فيها نيته تنصيب نفسه أميرا عشائريا في المنطقة، وتأسيس "إمارة زبيد"، ليس ذلك فحسب، بل أشار إلى عزنه بالانفصال عن قسد، وشبهها بالمندوب السامي في المنطقة.

جاءت تصرفات أبو خولة بعد تحجيم دور المجلس والحدّ من صلاحيات قادته، وسلمت حواجزه لقوات "العمليات" التابعة لقسد.

في هذا الصدد، انتشرت أنباء قبل أيام حول هروب "دواعش" من سجون قسد، تزامن ذلك مع فرض حظر تجول في المنطقة وإطلاقها ما سمته "عملية تعزيز الأمن" اعتقلت خلالها أبو خولة، حيث فُسرت هذه الخطوات من قبل قسد على أنها وسيلة لاعتقال الأخير كون لديه قوات وحماية ولا يمكن اعتقاله دون تخطيط مسبق.

وفي هذا السياق يقول الباحث السوري د.أحمد الدرزي في حديث إلى منصة "المشهد" إن "التوترات ليست وليدة اللحظة، وإنما تاريخية، من خلال التنافس والصراع العربي الكردي على أراض زراعية واسعة أو على مناطق الرعي، أبرز هذه التوترات كانت عام 2003 التي وقعت نتيجة مباراة كرة القدم، و راح ضحيتها عدد كبير من الجانبين، لكن بعد ذلك تم احتواء النزاع وتهدئته".

ويضيف الدرزي "الصراع على الموارد ترك آثارا على البنية السياسية في الوقت الذي سعى فيه الأكراد إلى تشكيل إدارة ذاتية وكيانية سياسية تستطيع أن تستوعب كل الأطراف تحت قيادتها وبعنوان الشراكة، مستغلين التدخل الأميركي في شمال شرق سوريا لتنفيذ أجنداتهم، وكحماية من المخاطر التي قد تطالهم سواء من الجيش السوري وحلفائه أومن العشائر العربية التي قد ترفض مشاريع قسد".

في حين يبين صحفي مقيم في منطقة شمال شرق سوريا ومتابع لما يجري من توترات إلى "المشهد" مفضلا إخفاء هويته أن "هناك انقسام عشائري ما بين مؤيدين لأبو خولة، ومؤيدين لقسد، وحيادين لكلا الطرفين، يتزامن ذلك مع خوف في المنطقة من انفلات أمني، خصوصا في ظل انتشار الأسلحة، ما قد يؤدي إلى قتلى وتصفيات لم تكن بالحسبان".

ويضيف الصحفي "يوجد احتقان عشائري من تصرفات قسد الذين باتوا يرونها على أنها القائد الفعلي العسكري للمنطقة، وبعد الشراكة التي كانت موجودة بين الطرفين في مرحلة محاربة داعش تراجع التقدير الكردي للعشائر، إذ اختلفت المصالح لكل طرف، إضافة إلى اختلاف مصالح اللاعبين الدوليين في البلاد".

وبرأي الصحفي المطلع على الأحداث أن "التوترات قد تكون بداية لمرحلة جديدة، يكون فيها مجلس دير الزور العسكري تحت قيادة جديدة يتفق عليها بين الأطراف الفاعلة في الصراع، مع تحييد أبو خولة ولو ظاهريا فقط".

دور العلاقات الأميركية التركية

لا شك أن المتغيرات الدولية تؤثر على طبيعة الصراع في المنطقة، في وقت تعتبر فيه القوات الكردية هدفا تركيا منذ سنوات، كذلك دخلت واشنطن المنطقة بحجة محاربة داعش، ولا تزال تحافظ على وجودها إلى اليوم، وتتمركز في قواعد عسكرية مثل "الشدادي" في ريف الحسكة.

ازدادت المخاوف الكردية منذ بدء الاجتماعات بين الجانب السوري والتركي في موسكو بهدف تطبيع العلاقات بوساطة روسية توافق عليها الأطراف كافة، لكن هذه المحادثات توقفت بعد فوز إردوغان بالانتخابات الرئاسية في مايو الماضي. في هذه الأثناء تحولت المخاوف الكردية إلى إعادة الدفئ للعلاقات الأميركية التركية والتي قد تؤثر على تمركزهم في مناطق شمال شرق سوريا، وذلك بعد لقاء بايدن وإردوغان على هامش قمة حلف الناتو في يوليو الماضي، تزامن ذلك مع ليونة الموقف التركي تجاه انضمام السويد إلى الحلف، ما قد يدل على توافق أميركي تركي في عدد من ملفات المنطقة.

ربط الباحث السوري الدرزي ما يجري اليوم على الأرض بالتوافقات الأميركية التركية قائلا "يوجد تغيير جيوسياسي كبير، وتباين في الموقف التركي الذي يتحول للتعامل والتحالف مع الولايات المتحدة، إذ تعتبر العلاقات مع تركيا مهمة جدا لواشنطن لمحاصرة روسيا والصين، بالإضافة إلى احتواء إيران التي تعتبر وفقا للرؤية الأميركية أهم نقطة استراتيجية في المشروعين الأوراسي والصيني ومبادرة الحزام والطريق".

وبرأي الدرزي فإن "إرضاء تركيا من خلال إفساح المجال لإبعاد ما تعتبره عدوا تاريخيا، أي حزب العمال الكردستاني بنسخته السورية، وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا من خلال تقوية العشائر العربية وأن تكون هي صاحبة الدور الأساسي بما يؤمّن حماية الحدود السورية التركية، وإزاحة الأكراد إلى الجنوب بما يؤمن حدود 70 كيلومترا (الحزام الأمني) الذي تطالب فيه تركيا، لهذا السبب توترت الأجواء بين العشائر والأكراد لمنعهم من تحقيق ما يعمل عليه الأميركيون في المنطقة".

وبذلك قد يكون سبب اعتقال أبو خولة واضحا، كونه يمثل العصب الأساسي لمجلس دير الزور العسكري والمعتمد من قبل الولايات المتحدة بحسب الدرزي "إذ تسعى قسد إلى تفكيك المجلس وإقامة مجلس جديد من قبل شخصيات عربية ليس لها طموحات في المنطقة".

انتفاضة شعبية

كادت أن تودي الأحداث خلال الأشهر القليلة الماضية إلى ما وصلت إليه اليوم، لكن القيادات الأميركية في المنطقة سرعان ما تدخلت وجمعت الأطراف وحلت النزاع حينها، لم ترد أخبار حول تفاصيل الاجتماع لكن خرج أبو خولة وأكد على أن "قسد هي المرجعيّة الوحيدة لكافة المجالس العسكرية في شمال وشرق سوريا"، مع تشديده على عدم وجود خلافات بينه وبين القادة الأكراد.

في هذا الإطار، يرى د. ياسر السلامة عضو مجلس الشعب والمنتمي إلى قبيلة العكيدات أن "ما يجري في شمال شرق سوريا هو انتفاضة شعبية ضد قوات قسد وممارساتها المدعومة أميركيا، والمزاج الشعبي في الجزيرة السورية لم يعد يتقبل سيطرة قسد، وجاء اعتقال أبو خولة شرارة أشعلت هذه الأحداث".

ويشرح السلامة أن "الصراع على أشده اليوم، ويقوده بعض شيوخ العشائر والناس بدأت تتجمع حولهم، في ذات الوقت قسد كان لديها ردود أفعال ما أدى إلى مقتل العديد من أبناء العشائر. هناك تفاوت من ناحية الأسلحة كون الأكراد تدعمهم الولايات المتحدة، ولو أن أبناء العشائر لديهم السلاح الكافي لمواجهة قسد لكان الأمر مختلف تماما".

ختاما، يُظهر الصراع بين القبائل العربية والأكراد في شمال شرق سوريا تعقّد الديناميات السياسية والاقتصادية في المنطقة، ومع تطور استمرار الصراع فقد يكون هناك تغيرات في السيطرة على المناطق، وتدخلات أجنبية متعددة تحقيقا لمصالح معينة، ومحاولات للتسوية والتفاوض، لذا يبقى مستقبل الصراع غير واضح ولا يمكن التنبؤ فيه، خصوصا وأنه يتأثر بالمتغيرات على المسرح العالمي.

(المشهد)