انعكست العملية العسكرية "زئير الأسد" التي أطلقتها إسرائيل في 28 فبراير بالتعاون مع الولايات المتحدة ضد إيران، بشكل مباشر على الساحة السياسية والعسكرية العراقية، ودفعت الحكومة العراقية لتهيئة قطعات الجيش للتصدي للصواريخ العابرة للحدود.
وبعد أقل من ساعة على بدء الهجوم الإسرائيلي الأميركي، تم استهداف قاعدة حرير العسكرية الأميركية في أربيل، بينما علّق حقل غاز خورمور عملياته كإجراء احترازي في السليمانية، واستمر سماع دوي أصوات الانفجارات التي تصدت لها قوات التحالف الدولي. فيما شهدت سماء مدينة البصرة تحليق طائرات الأواكس الأميركية برفقة مقاتلات حربية.
ونتيجة للتطورات المتسارعة، أعلن رئيس الحكومة محمد شياع السوداني عن اجتماع عسكري حذّر من عواقب استهداف الأراضي العراقية، ثم شددت القوات العراقية إجراءاتها في المنطقة الخضراء ومحيط السفارة الأميركية في بغداد. ليعود القصف مرة أخرى على منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل، ومطار أربيل الدولي بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية.
وأعلنت خلية الإعلام الأمني العراقي، أن موقعًا عسكريًا في البصرة تعرض لمحاولة استهداف بطائرات مسيّرة مجهولة، واستهداف الرادار القديم في قاعدة الإمام علي الجوية في ذي قار، لتعلن الفصائل العراقية المسلحة تنفيذ 16 عملية جوية استخدمت فيها عشرات الطائرات المسيّرة على القواعد الأميركية في العراق والمنطقة.
وفي صباح اليوم التالي، 1 مارس، أعلن التلفزيون الإيراني اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، لتنطلق تظاهرة حاشدة لأنصار الفصائل العراقية المسلحة قرب السفارة الأميركية في بغداد، وتشهد مدينة البصرة تجمّعات بشرية للتنديد باغتيال المرشد الإيراني، فيما أعلنت الحكومة العراقية حدادًا عامًا لمدة 3 أيام في جميع أنحاء البلاد على رحيل خامنئي.
وأدى قصف صاروخي على منطقة "جملون" شمال شرقي ديالى، إلى مقتل 4 وإصابة 2 آخرين من مقاتلي الحشد الشعبي، ليتم الإعلان لاحقًا عن استهداف مقر للحشد الشعبي بطائرة مسيّرة في سهل نينوى، وطائرة مسيّرة أخرى استهدفت نقطة للحشد الشعبي شمال الموصل. ما وصفه مراقبون بأنه بداية انزلاق العراق لحرب شاملة مع إسرائيل.
هل انتهى دور الفصائل المسلحة؟
يقول اللواء الركن في وزارة البيشمركة صلاح الفيلي، لمنصة "المشهد"، إن الفصائل العراقية المسلحة ليس لديها القوة الكافية لمواجهة آلة الحرب الأميركية الإسرائيلية، كل ما يفعلونه هو فقط ردة فعل عقائدية على استهداف إيران، لأن قادة الفصائل أدركوا جيدًا أن مشروع "المقاومة الإسلامية" انتهى خصوصا بعد اغتيال المرشد الإيراني.
ويرى الفيلي أن مصير الفصائل العراقية انتهى مع انتهاء النظام الإيراني، وسنشهد استسلامًا كاملًا لهذه الفصائل وتحوّلها للعمل الأمني والدوائر المدنية، لذلك نقول لن ينزلق العراق للحرب مع إسرائيل، لأن قدرات الفصائل محدودة، يمتلكون طائرات مسيّرة وصواريخ كاتيوشا معدلة، لكن تأثيرها ضعيف مقارنة بالسلاح الأميركي الإسرائيلي المتطور، لديهم أيضًا دبابات أميركية استلموها من الجيش العراقي، عليهم إعادتها لأن واشنطن طالبت أكثر من مرة بإعادة هذه الأسلحة الثقيلة إلى الجيش العراقي.
وعن مدى نجاح الدفاعات الجوية العراقية بالتصدي للطائرات المسيّرة، يجيب الفيلي: "العراق لا يمتلك أي دفاعات جوية ناجحة، حتى أنه لا يوجد في العراق صواريخ باتريوت للتصدي للطائرات المعادية والصواريخ الباليستية، أما الدفاعات الجوية الموجودة في كردستان فهي دفاعات التحالف الدولي التي تصدت في بعض المناطق".
توترات في العراق
وفي المقابل يرى المحلل السياسي حيدر البرزنجي، أن "إسرائيل هي من تريد إدخال العراق في حربها مع إيران، لأنها اعتدت على الأراضي العراقية، وقتلت عددًا من مقاتلي الحشد الشعبي وهم داخل مقراتهم العسكرية في مدينة ديالى صباح اليوم، رغم أنهم لم يعتدوا على أحد، بالتالي لا يمكننا أن نضمن ردات الفعل، إلا أننا نعول على ضغوطات القوى السياسية التي ستحاول تجنيب المنطقة المزيد من الصراعات والنزاعات والحروب المفتوحة".
وأضاف البرزنجي: "رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، لديه قوة كبيرة، سيعمل بالتعاون مع الإطار التنسيقي، على إيجاد الحلول السريعة، نعتقد أنها ستكون حلولًا حكيمة تناسب تداعيات المرحلة، لا أحد يريد أن يأخذ البلاد إلى حرب جديدة أو نفق مظلم".
وحول التجمعات الجماهيرية المنددة لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني في بغداد، يجيب البرزنجي: "بعد اغتيال مرجع ديني شيعي كالمرشد الأعلى الإيراني بهذه الطريقة، من الطبيعي أن نشهد تعاطفًا إنسانيًا وتجمهرات شعبية، لكن ذلك لا يعني أننا سندخل الحرب مع إسرائيل، لأن العراق ليس كله فصائل مسلحة، بل لديه برلمان وقانون وقضاء ومؤسسات تنفيذية هي من تقرر الحرب أو السلم، إذًا القرار ليس بيد الفصائل بل بيد الدولة العراقية، رغم أن الفصائل عبّرت عن موقفها، لأنه في كل دولة يوجد حركات جماهيرية تعبر عن مواقفها المغايرة لمواقف دولها".
ونشرت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو للعدد من الجماهير الشيعية في الهند وباكستان وغيرها من الدول، المنددة باغتيال المرشد الأعلى الإيراني.
وتداولت مواقع إعلام عراقية صورًا ومقاطع فيديو، لمئات العراقيين الذين يحاولون اقتحام المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد قرب السفارة الأميركية تنديدًا باغتيال المرشد الأعلى الإيراني، عن ذلك يقول الكاتب والصحفي منتظر ناصر لـ"المشهد": "ما يجري في إيران مقلق للشارع العراقي، لكن في الوقت ذاته المواطن العراقي خارج من حروب وأزمات عديدة داخلية وخارجية، منهك يحاول أن يتلمّس طريقه إلى الاستقرار والنجاة وتحسين الأوضاع بشكل عام، لذلك مزاج الشارع العراقي ليس مع الدخول في حرب جديدة".
وأضاف: "ما شهدناه من تظاهرات قرب المنطقة الخضراء يمكن وصفها بالطبيعية العفوية، خصوصًا أن الكثير من الناس تعاطفها عقائديًا دينيًا، لكن بذات الوقت أن تتحوّل هذه التظاهرات إلى عمليات مسلحة أو تنظيمات للدخول في حرب مع إسرائيل، فهذا شيء مستبعد".
كيف ينظر إقليم كردستان للحرب؟
ورغم أن السلطات في إقليم كردستان لم تعلّق على الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، إلا أن وزارة الكهرباء أعلنت أن أسباب انقطاع التيار الكهربائي تعود لتوقف حقل خورمور عن العمل مؤقتًا، كما أعلنت وزارة التربية والتعليم يوم الاثنين عطلة في كافة جامعات ومدارس الإقليم.
يقول المحلل السياسي محمد زنكنة، لمنصة "المشهد"، إن حكومة إقليم كردستان ما زالت تحتفظ بجميل المساعدة الإنسانية الإيرانية خلال فترة الأنفال (1986-1988) والقصف الكيميائي لمدينة حلبجة وضواحيها (1988)، حيث فتحت إيران الحدود للاجئين الكرد، وفّرت الملاذ الآمن للأحزاب السياسية الكردية التي شكّلت الجبهة الكردستانية وتم توقيع ميثاقها في طهران.
إلا أن إقليم كردستان ينظر بقلق لما يجري في إيران، لأن هذه المسألة لها تأثيرات سلبية، بدليل أن الإقليم عطّل الدراسة لفترة معينة، محطات الكهرباء شبه متوقفة، تعطيل حركة الطيران، إضافة إلى القصف الصاروخي بين الحين والآخر، بالتأكيد لا نريد لهذه الحرب أن تستمر، سياسة الإقليم هي الابتعاد عن الحروب والصراعات، وأن تنعم شعوب المنطقة بالحياة التي تستحقها، ستلعب حكومة الإقليم دورًا إيجابيًا لتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، ستعمل على إقناع الحكومة العراقية بعدم الانزلاق إلى الحرب أو الوقوف مع أي طرف، بحسب زنكنة.
ويختم زنكنة حديثه بالقول إن استهدافات الفصائل العراقية المسلحة لمدينة أربيل، هي أعمال إجرامية، الهدف منها تخويف أبناء شعب كردستان، هم لا يستهدفون المصالح الأميركية في أربيل، لأن قاعدة حرير شبه فارغة ومطار أربيل الدولي كل من فيه موظفون مدنيون، لا يوجد ولا عسكري أميركي بداخله، عندما يضربون القنصلية العامة للولايات المتحدة الأميركية في أربيل، فهم يعتدون على منشأة موجودة على أرض دولة أخرى، أي أنهم يعتدون على سيادة العراق ويكسرون مبدأ الحماية البروتوكولية التي يجب أن توفرها الدولة المستضيفة للبعثات الدبلوماسية سواء كان في بغداد أو في أربيل.
(المشهد)