تعيش الساحة اللبنانية على وقع تهديدات إسرائيلية غير مسبوقة لوحت خلالها تل أبيب، عبر قنوات دبلوماسية غربية، بشن هجوم واسع النطاق يستهدف البنية التحتية الحيوية في لبنان، بما في ذلك مطار "رفيق الحريري الدولي"، ومحطات الطاقة والمرفأ، في حال أقدم "حزب الله" على فتح جبهة إسناد لإيران في حربها المرتقبة مع الولايات المتحدة.
وفي اللحظة التي تتجه فيها أنظار العالم صوب جنيف، حيث تجرى جولة ثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران، تنصب أصابع الاتهام والتحذير إلى بيروت التي وجدت نفسها فجأة في بؤرة الاستهداف، رسائل إسرائيلية حاسمة وصلت إلى قصر بعبدا والسرايا الحكومية، تقول بوضوح: "إذا اشتعلت الجبهة مع إيران، وشارك "حزب الله" ولو بصاروخ واحد، فإن لبنان سيدفع الثمن بكامله، وستتحول منشآته المدنية إلى أنقاض".
في المقابل، وجدت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام نفسها أمام اختبار وجودي، تعلن رسمياً رفضها الانجرار إلى الحرب، وتقول صراحة "هذه الحرب لا تهمنا"، فإنها تدرك أن القرار بيد "حزب الله" الذي يربطه بإيران تحالف إستراتيجي وعقائدي، وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي تحرك دبلوماسياً في جنيف، محذراً من "كارثة إنسانية" في حال استهداف مطار بيروت، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته قبل فوات الأوان.
أما على الجانب الآخر، فإن "حزب الله" الذي خرج منهكاً من حرب 2024، لم يخف نيته هذه المرة، فتصريحات أمينه العام نعيم قاسم الأخيرة لم تترك مجالاً للشك، "لسنا محايدين"، في حين تتحدث تقارير استخباراتية عن وجود ضباط من الحرس الثوري الإيراني يشرفون على ترتيبات عسكرية في البقاع، تتساءل الأوساط السياسية، هل يجر الحزب لبنان إلى حرب جديدة لم يتعافَ بعد من آثار سابقتها؟ أم أن إسرائيل تمارس ضغوطاً استباقية لقطع الطريق على أي تدخل مباغت؟
وسط هذا الضباب الكثيف من التهديدات والوعيد، يبدو لبنان وكأنه يقف على حافة بركان، فبينما تستعد إسرائيل لسيناريو الحرب الشاملة، وإيران لمواجهة مرتقبة، يبقى اللبنانيون في دائرة الخطر الأكبر، رهائن لقرارات تتخذ في طهران وواشنطن وتل أبيب.
تحذير إسرائيلي للبنان
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر إسرائيلية عن نقاشات حادة في المستويات السياسية والعسكرية حول السيناريو المتوقع، قدّرت غالبية المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين أن "حزب الله" سوف يشارك على الأرجح في أي حرب محتملة ضد إيران، خصوصا إذا توسع نطاق الصراع.
وفي هذا السياق، لا يستبعد الخبير السياسي الإسرائيلي الحنان ميلير خلال حديثه إلى منصة "للمشهد" أن:
- تقوم إسرائيل بضربة عسكرية واسعة وشاملة على "حزب الله" في حال تدخل في الحرب المحتملة مع إيران
- هذا بمثابة انتهاز الفرصة من قبل إسرائيل للقضاء بشكل كامل على الحزب، فليس من الحكمة أن يتدخل الحزب في أتون الحرب المقبلة على إيران، فالتحركات التي يقوم بها عناصر "حزب الله" عند الحدود الإسرائيلية اللبنانية، بمثابة اختبار لولاء "حزب الله" تجاه إيران في الحرب الإقليمية، وهذا لا يصب في مصلحة لبنان كدولة، وهنا يظهر السؤال هل هو حزب لبناني ويعطي أولوية للمصالح اللبنانية، وهي عدم التدخل في حرب إقليمية، أم أنه وكيل وأداة في يد النظام الملالي الإيراني
وأكد الخبير السياسي ميلير أن "أي مشاركة "لحزب الله"، حتى لو كانت محدودة، ستقابل برد غير مسبوق، لا يستهدف مواقع الحزب العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الحيوية اللبنانية، وفي مقدمتها مطار بيروت الدولي، ومحطات الكهرباء، والجسور، والمرفأ، بهدف قطع الطريق على أي محاولة لجر إسرائيل إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، فالدولة اللبنانية ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أي عمل عدائي ينطلق من أراضيها، خصوصا بعد الرسائل التحذيرية التي نقلت عبر قنوات دبلوماسية غربية".
إسرائيل ترسم خطوطاً حمراء
في قراءته للمشهد، ورصده لأجواء الحرب التي تخيم على المنطقة، يشير الخبير بالشؤون الإسرائيلية فراس ياغي لمنصة "المشهد" بأن "أحد السيناريوهات المحتملة أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة قاسمة "لحزب الله" في الوقت الذي ستشن فيه الولايات المتحدة ضربتها لإيران ولكن هذا يعتمد على طبيعة الضربة الأميركية، وحيث أنه حتى الآن غير معروف حجم الضربة إذا ما كانت محدودة لأجل إخضاع إيران وفرض إتفاق يتوافق مع مطالب الرئيس ترامب، أو ضربات متتالية بهدف إضعاف النظام تحضيراً لإسقاطه، بذلك هددت إسرائيل بإستهداف كل البنية التحتية في لبنان في حالة مشاركة "حزب الله" في الحرب، وهنا الأمر متعلق بالأساس بالضربة المحدودة والتخوف من أن يتحرك الحزب نحو الإشتباك، خصوصا أن الإسرائيلي يرى بأن قطع الرأس "إيران"، سيؤدي لتعفن بقية الأطراف، لذلك إسرائيل تريد توجيه ضرباتها الى "حزب الله" في الوقت الذي يناسبها وليس في ظل إشتباك إقليمي شامل".
ويذهب الخبير بالشؤون الإسرائيلي ياغي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التهديدات الإسرائيلية، "تأتي في سياق خلق بيئة ضاغطة داخلية في لبنان، تمنع "حزب الله" من المشاركة في الحرب القادمة، لذلك هددت بتدمير البنية التحتية، بمعنى آخر التهديد والوعيد الإسرائيلي يهدف لزيادة الضغط الداخلي في لبنان، لمنع "حزب الله" من دخول المعركة القادمة، وفي هذا السياق الحزب يدرك في حال شارك أو لم يشارك فهو مستهدف، لذلك يتخوف الإسرائيلي من هذا التقدير ويريد أن يزيد الضغوطات الداخلية عبر تهديداته بضرب بنية الدولة اللبنانية".
وفقاً لتقديره، يعتقد ياغي خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأن "حزب الله" لن يشارك في الحرب منذ بدايتها، "بل سوف ينظرون إلى طبيعة المواجهة المقبلة، فإذا ما كانت تستهدف الولي الفقيه المرشد خامنئي، فهذا يعني أنها تستهدف كل الشيعة الإثني عشر، وسوف نرى معركة شاملة، وبغض النظر عن التهديدات الإسرائيلية".
تقويض "حزب الله"
التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن "حزب الله" لا يزال يشكل التهديد الأقوى، حيث يمتلك على الأقل 20 ألف صاروخ متفاوتة المدى، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسيّرات، وهذه الأسلحة مخزنة في مواقع متعددة في لبنان، مما يجعلها أهدافاً محتملة للقوات الجوية والبحرية الإسرائيلية.
يرجح الباحث والكاتب السياسي، جهاد حرب لمنصة "المشهد"، أن "التهديد الإسرائيلي حيال لبنان، بمثابة لعبة شد حبل إستراتيجية متعددة المستويات، وجزء من الإجراءات الإسرائيلية في حال كان هناك حرب بين إيران والولايات المتحدة، وتعرضت إسرائيل لهجمات قد يكون هذا التهديد لمنع "حزب الله" من المشاركة بالحرب المرتقبة، من خلال تهديد المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية لكي تضغط على "حزب الله" لمنعنه من أي مشاركة محتملة في هذه الحرب، وقصف شمال إسرائيل إذا كان لديه قدرات عسكرية، خصوصا منطقة الشمال التي عانت خلال عامين من الحرب التي جرت في قطاع غزة ولبنان من الهجرة وترك منازلهم، هذا التهديد الإسرائيلي جدي وغير مستبعد".
غير أن المحلل السياسي حرب يستدرك خلال حديثه "لمشهد" قائلاً، أن"تحذير وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من مغبة التهديدات الإسرائيلية هي في مكانها، ولا نستبعد أن تنفذ إسرائيل هجوماً واسعاً على لبنان، يشمل المنشآت المدنية للدولة اللبنانية أي للمجتمع اللبناني ليس فقط "لحزب الله" ومنشآته المدنية والعسكرية، وهذا يعني أن المناطق المدنية بما فيها محطات الكهرباء والمطار والمنشآت المدنية الأخرى معرضة لهجمات إسرائيلية، مما سيؤثر على حياة جميع اللبنانيين وهذا جزء من التهديدات الإسرائيلية للضغط على الحكومة والدولة اللبنانية، بهدف كبح جماح "حزب الله" لمنعه من المشاركة في حال نشبت الحرب في المنطقة".
وخلاصة القول وفقاً للمحلل السياسي حرب: "هذه التهديدات تتجاوز كونها مجرد ردع عسكري، لتكشف مجموعة من الأهداف الإستراتيجية المترابطة التي تسعى إسرائيل لتحقيقها:
- هدف الردع الاستباقي وقطع خط الامداد الإيراني.
- استغلال الفرصة لتقويض قدرات "حزب الله" عسكرياً.
- الضغط على الدولة اللبنانية لحل "حزب الله" سياسياً.
- أهداف إقليمية واسعة لكسر شوكة الحزب.
(المشهد - القدس)