ظلم الجغرافيا ونظام صحي متهالك.. أزمة مضاعفة تُفاقم مأساة درنة

شاركنا:
هايلايت
  • فيضانات ليبيا كشفت أزمة القطاع الصحي في مدينة درنة. 
  • ضعف الخدمات الطبية في المدن الصغيرة ضاعف من حجم الكارثة. 
  • مركزية الرعاية الصحية بالمدن الثلاث الكبرى تتسبب في ضعف جودتها بالقرى.

ضربت العاصفة القوية دانيال شرق ليبيا وأدت الأمطار المتساقطة بكميات هائلة إلى انهيار سدين في مدينة درنة، فتدفقت المياه بقوة وبارتفاع أمتار في مجرى نهر عادة ما يكون جافا، وجرفت معها أجزاء من المدينة بأبنيتها وبناها التحتية، مع آلاف السكان.

وتلقت مناطق شرق ليبيا المتضررة من عاصفة دانيال مساعدات إنسانية داخلية وخارجية، تضمنت بالأساس مساعدات طبية بشرية ومادية لإغاثة الجرحى والمصابين بـمدن بنغازي والبيضاء والمرج بالإضافة إلى سوسة ودرنة.

وتلقت ليبيا مساعدات إنسانية من 12 دولة لإغاثة متضرري السيول والفيضانات إثر الإعصار المتوسطي "دانيال".

وكانت المستشفيات الميدانية والأطقم الطبية من أبرز ما ارتكزت عليه قوافل المساعدات التي تضمنت أيضا فرق إنقاذ وانتشال الجثث وكلاب أثر مدربة وأجهزة دروب واستشعار حراري وفرق غوص وشفط المياه ومواد غذائية ومواد إيواء وسفن وطائرات للمساعدة في عمليات البحث.

وتمثلت أكبر النقائص الأساسية في المناطق المنكوبة في غياب الوحدات الطبية والفرق الطبية والتجهيزات وهو ما ضاعف الأزمة خصوصا في درنة، التي شهدت الدمار الأكبر بسبب الفيضانات.

وانتشرت مخاوف في الأرجاء من إمكانية مواجهة المدينة كوارث صحية كبيرة مثل الأوبئة الناتجة عن تلوث المياه وتحلل الجثث.

القطاع الصحي في ليبيا

وتوفر ليبيا الرعاية الصحية لمواطنيها البالغ عددهم نحو 6 ملايين نسمة من خلال 98 مستشفى و1600 مركز صحيّ، وتقدم المسشتفيات رعاية صحية مجانية لجميع المواطنين، 

وتُمول وزارة الصحة في ليبيا من خلال ميزانية الدولة، ولا توجد قاعدة صريحة لتحديد مقدار الأموال المخصصة لقطاع الصحة، فعادة ما يكون مبلغ الميزانية العامة للدولة هو المحدد الرئيسي لميزانية وزارة الصحة.

وتنفق ليبيا 3.6% من ناتجها المحلي الإجمالي على الصحة، وبلغ نصيب الفرد من الإنفاق على قطاع الصحة نحو 958 دولارا أميركيا.

ولا يقلّ إجمالي الإنفاق على الصحة في ليبيا عن المتوسط في العديد من البلدان النامية، ولكن يمكن اعتبار حصته في الناتج المحلي الإجمالي أقل من العديد من البلدان الأخرى.

وعلى الرغم من أن جميع الليبيين لهم الحق في استخدام الخدمات الصحية في المرافق العامة مجانا، إلاّ أن الكثير من المواطنين يعتمدون على مرافق الرعاية الصحية الخاصة للتداوي بسبب نقص التجهيزات في المرافق العمومية.

وكان قطاع الرعاية الصحية في البلاد أكبر المتضررين من حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في السنوات الماضية، حيث تعرضت المستشفيات والمرافق الطبية إلى التفجير والقصف والنهب، واُستُهدف العاملون في المجال الطبي بشكل مباشر وتم حرمان المرضى من الرعاية العاجلة، وذلك وفقاً لوثيقة صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وقد خلّفت سنوات الصراع في ليبيا نظام رعاية صحية يصارع للاستمرار مُثقلا بالأعباء. وأُغلقت العديد من المرافق الصحية أبوابها بصورة كاملة أو جزئية، وهو ما حدّ من إمكانية تقديم خدمات الرعاية الصحية للسكان.

هجرة الأطباء في ليبيا

ويعاني القطاع الصحي في ليبيا مؤخرا من ضعف كبير من الدعم الحكومي ما أدى الى نقص حاد في المعدات والأجهزة بالمستشفيات.

كما أن الوضع الأمني الهش والتدهور الاقتصادي، أدّى إلى هجرة المزيد من الكفاءات الى خارج البلاد وعزوف العمالة الأجنبية عن القدوم إلا بأعداد قليلة إلى ليبيا.

ويعاني الأطباء الليبيون من أزمة تدني الأجور وضعف توفير المعدات والمستلزمات الطبية لتحسين بيئة العمل.

ويقيّم مراقبون جودة الخدمات قطاع الصحة بغير المرضية في ليبيا، معتبرين أنها لا تلبي احتياجات السكان بشكل كاف.

وبحسب تقارير مختصة، يعاني النظام أوجه القصور من حيث:

  • جودة الرعاية، وتحفيز الطاقم الطبي.
  • جودة التمريض وتدريب الممرضات والممرضين.
  • عدم توافر المبادئ التوجيهية لتشخيص وعلاج الأمراض.
  • ضعف مستوى التعليم والتدريب المهني.
  • وغياب استراتيجية قطاعية واضحة مبنية على المؤشرات الصحية المطلوب تحقيقها.

ويقرّ مراقبون أنه من أوضح المؤشرات على المشاكل التي تواجه النظام الصحي في ليبيا ارتفاع عدد الأشخاص الذين يلتمسون العلاج في الخارج.

ويلخص مختصون عوامل تدهور النظام الصحي في ليبيا إلى العوامل التالي:

  • مركزية الرعاية الصحية بالمدن الثلاث الكبرى.
  • ضعف الخدمات الصحية بالقرى والمدن بسبب هجرة الكوادر نحو المركز.
  • نقص التجهيزات والأدوية وتدني الأجور.
  • صعوبة توريد الأجهزة الطبية بسبب غياب وكلاء رسميين للشركات المختصة بالبلاد.
  • صعوبة توفير الأدوية في وقت الحاجة الطارئة في الأزمات.

ظلم الجغرافيا

ويقوم نظام الرعاية الصحية في ليبيا على نموذج الرعاية الصحية المركزية المتكاملة مثل الطوارئ والعمليات التي تقدم جميع الخدمات في المدن الكبرى مثل طرابلس ومصراتة وبنغازي. كما يوفر النظام شبكة من المراكز والعيادات التي تخدم المجتمعات المحلية.

إلاّ أنّ افتقار مرافق الرعاية الصحية بالقرى والمدن المنتشرة على مساحة جغرافية واسعة الإمكانات والكوادر، أدى إلى تدني مستوى جودة الرعاية الصحية، وبالتالي إثقال المستشفيات الكبرى بأعباء تفوق مواردها وامكانياتها.

يرى أيوب بن رابعة، متخصص في الصناعات البيوطبية بالقطاع الصحي الحكومي، أنّ مركزية الرعاية الصحية بالمدن الكبرى تخلق عجزا لدى بقية المناطق وينعكس ذلك على سلاسة الحصول على الخدمة الصحية في بقية مدن ليبيا وخصوصا على معالجة الحالات الاستعجالية.

ويقول المتحدث في تصريح خاص لمنصة المشهد: "أن نظام الرعاية الصحية لدينا يفتقر بالأساس إلى الأخصائيين الأكفاء لتلبية احتياجات المرضى، والجرحى، والمسنين، وفي مجالات أخرى هامة كصحة الحوامل، وعلاج الأمراض النفسية والعقلية والأمراض غير المعدية والاستخدام السيء للأدوية".

ويضيف بن رابعة أنه "بالرغم من أنّ خدمات الرعاية الصحية تُقَدَم في ليبيا بالمجان، إلا أن وتيرة الإنفاق الخاص على الرعاية الصحية المتخصصة لتلقي العلاج في الخارج تصاعدت بسبب عدم الثقة في جودة الخدمات الصحية المقدمة في المستشفيات الليبية".

ويقرّ مراقبون بأنّ الدكاترة والأخصائيين يحتاجون وسطا مهيأ للعمل لذلك يختارون التوجه للمدن الرئيسية، وهو ما نتج عن فراغ طبي في المدن الأخرى والقرى.

ويُغادر نحو 500 طبيب سنوياً ليبيا بحسب إحصاءات رسمية، ويرجّح مراقبون بأن تكون المرتبات الزهيدة وراء موجة الهجرة المتواصلة.

درنة.. كارثة مضاعفة

وكشف مصدر خاص لـ"المشهد" فقدان عدد من الكوادر الطبية المتواجدة بالمنطقة الشرقية خلال العاصفة، وكان مدير مستشفى مدينة سوسة أكد لـ"المشهد" في أول أيام الكارثة عن جرف المياه لعدد من عناصر الصحة ما تسبب في نقص أعدادهم، الأمر الذي أثر على عمليات الاستجابة والتدخل في الأزمة.

كما أفادت مصادر المشهد، بوجود مركزين صحيين وحيدين بمدينة درنة، وبيّن المتحدثون أنها لا تتعدى أن تكون مراكز تقديم إسعافات أولية، وتفتقر هذه الوحدات بالأساس إلى التجهيزات والمعدات اللازمة وتضم عنصرين من الكوادر الطبية فقط.

ويؤكّد الدكتور إبراهيم العلي طبيب ومسؤول إداري في مركز الصحة بمصراته، أنّ الكارثة جرفت المراكز الطبية أو ما يسمى بالمستوصفات ووحدات الرعاية بالمناطق المنكوبة.

ويضيف المتحدث ذاته لـ"المشهد":

  • وجدناها المراكز الطبية غير جاهزة لاستقبال حالات الطوارئ وهي بالأساس لا تتعدى وظيفتها تقديم الإسعافات الأولية.
  • المراكز الطبية تفتقر للدعم الفني والتجهيزات، وقد واجهنا مشاكل الدعم وسرعة التجهيز قبل الانطلاق في تقديم الرعاية.
  • حاولنا تقريب غرف الطوارئ في المناطق المتضررة وتجهيزها من الصفر.

ويرى الدكتور أنّ الوضع الطبي في ليبيا من ناحية القطاع العام وتوفير التجهيزات طويلة الأمد من الدولة "تعتبر ممتازة للمراكز الطبية الكبيرة مثل مصراتة وطرابلس وبنغازي، لكن هناك ضعف شديد للخدمات في الجنوب والمدن البعيدة عن المراكز".

وأشار العلي إلى أن هناك من يموت في الطريق بسبب المسافات الطويلة التي تفصل المدن عن المركز.

واعتبر المتحدث أنّ هذا الإشكال يتكرّر في كل الأزمات وآخرها فاجعة درنة.

وأعلنت اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة التابعة للحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، مساء السبت، ارتفاع عدد الضحايا من جراء السيول في مدينة درنة شرقي البلاد إلى 3845 شخصا حتى الآن.

وأفادت اللجنة أن "هناك عددا من الضحايا دفنوا ولم يتم تضمينهم في الإحصائية المعلنة، ويتم العمل على إدراجهم خلال الأيام المقبلة".

وهناك ترجيحات بأن عدد الضحايا الحقيقي أكبر بكثير من المعلن حتى الآن، في ظل فقدان الآلاف وانجراف مساحات كبيرة من المدينة إلى البحر. 

(المشهد)