في قرارات استثنائية وجسيمة، يواصل الكابينت الإسرائيلي، تحت إدارة حكومة اليمين المتطرف، دفع عجلة المشروع الاستيطاني بشكل غير مسبوق، حيث أقر حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تعميق السيطرة الفعلية على كامل مساحة الضفة الغربية، وإعادة رسم خرائطها.
هذه القرارات لا تأتي بمعزل عن سياقها، فهي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التصعيد على الأرض، تهدف إلى تقليص مساحة الجغرافيا الفلسطينية إلى أدنى حد ممكن، وتكريس واقع الفصل والتجزئة، ما ينذر بمصير مجهول ومستقبل قاتم للفلسطينيين، عبر إفراغ الأرض منهم، وتمهيد الطريق لضمّ كامل ونهائي، وإغلاق أيّ أفق لقيام دولة فلسطينية، حتى على الورق.
وتشير التقديرات الأولية، إلى أنّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، يقفون أمام مفترق طرق مصيري، فسلسلة القرارات الإسرائيلية تدفعهم نحو خيارات صعبة، إما القبول بواقع جديد من العزل والحرمان والتمييز، أو الانفجار في مواجهة شاملة قد تكون تكلفتها باهظة، لكن ما هو مؤكد، أنّ أرض الضفة تدخل مرحلة جديدة من الصراع، مختلفة في شكلها وطبيعتها عن سابقاتها، حيث لم يعد الصراع على حدود الدولة، بل على الحق الأساسي في الوجود نفسه.
ويرى مراقبون تحدثوا لمنصة "المشهد"، بأنّ "تداعيات القرارات الإسرائيلية عميقة وواسعة على واقع ومصير الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتمسّ مصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية، وحركتهم بين مدنهم وقراهم، وصولًا إلى قدرتهم على البناء والتوسع الطبيعي"، وعلى ما يبدو، فإنّ هذه القرارات ليست مجرد خطوات إدارية أو أمنية، بل ضربات إستراتيجية لحصار الفلسطينيين في كنتونات معزولة، تحرمهم من أبسط مقومات السيادة والاستقلال.
تداعيات القرارات الإسرائيلية
حذر أمير داود مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في رام الله، من مغبة القرارات الإسرائيلية، التي لا تمسّ تفاصيل إجرائية أو إدارية فحسب، بل تضرب جوهر الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، على 3 مستويات متداخلة، الأرض، والإنسان، والسياسة.
موضحًا لـ"المشهد" أنه "أولًا، على مستوى الأرض، نحن أمام إعادة هندسة شاملة لمنظومة الملكية والسيطرة، عبر فتح سجلات الأراضي، وتحرير سوق العقارات، ونقل الصلاحيات التخطيطية والترخيصية إلى مؤسسات الاحتلال، بما يحوّل الأرض الفلسطينية من فضاء وطني محمي قانونيًا، إلى مخزون مفتوح للاستيطان المنظم، هذا يعني تسارع مصادرة الأراضي، وتوسع البؤر الاستيطانية، وتحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى جيوب محاصرة ومجزأة جغرافيًا".
وأضاف "ثانيًا، على مستوى الإنسان، تفرض هذه القرارات بيئة طاردة وقهرية تقوم على التضييق المعيشي، وهدم المنازل، وعدم الاستقرار القانوني على الملكية، وتقييد التطور العمراني والاقتصادي، ما يدفع الفلسطيني إلى الهجرة القسرية غير المباشرة، وثالثًا، من الناحية السياسية، فهي تُنهي عمليًا فكرة الحل السياسي القائم على التسوية، وتحوّل العلاقة من نزاع قابل للحل إلى واقع سيطرة دائمة، يتم فيه التعامل مع الفلسطيني كجماعة سكانية بلا حقوق سيادية، وتعاد صياغة الجغرافيا بما يخدم مشروع السيطرة لا مشروع السلام، الخطر الحقيقي هنا، أنّ هذه القرارات تنقل الصراع من كونه سياسيًا إلى كونه صراع وجود على الأرض والهوية والمستقبل".
وحذر داود من خطورة هذه القرارات التي لا تعلن الضم بشكل مباشر، بل تنفذه بآليات قانونية وإدارية تدريجية، "وهو أخطر أشكال الضم، لأنه يُنتج واقعًا لا يحتاج إلى إعلان سياسي رسمي، والضم هنا لا يتم عبر قرار سيادي واحد، بل عبر سلسلة خطوات متراكمة، والسيطرة على سجل الأراضي، وتفكيك الحماية القانونية للملكية الفلسطينية، وفتح السوق العقاري أمام المستعمرين، ونقل الصلاحيات البلدية والتخطيطية إلى الإدارة المدنية، وتحويل البؤر الاستيطانية إلى سلطات محلية، وإخضاع مناطق فلسطينية لرقابة وإنفاذ الاحتلال حتى داخل مناطق ألف وباء، هذه كلها أدوات ضم وظيفي وقانوني وليست عسكرية فقط".
وفي قراءة أولية للأحداث، يؤكد داود، بأنّ "ما يجري هو ضم هادئ ومنهجي، ضم الأرض عبر القوانين، وضم الإدارة عبر الصلاحيات، وضم الجغرافيا عبر التخطيط، وضم السيادة عبر تفكيك المرجعيات الفلسطينية، الخطورة الأساسية أنّ هذه القرارات تُسقط فكرة الحدود أصلًا، وتلغي الفصل بين الاحتلال والسيادة، وتحوّل الضفة الغربية إلى مجال إداري إسرائيلي موسع، يدار كحيز تابع للمنظومة الإسرائيلية، لا كأرض محتلة مؤقتًا، وهذا يعني أنّ المشروع لم يعد إدارة احتلال، بل إعادة تعريف الضفة الغربية كجزء من المجال السيادي الإسرائيلي بطريقة تدريجية، قانونية الشكل، واستعمارية الجوهر".
التطبيق السيادي الإسرائيلي
اعتبر الخبير بالشؤون الإسرائيلية عادل شديد خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأنّ قرارات الكابينت الإسرائيلي، تمثل نقلة نوعية في مسار الضم الزاحف للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وذلك "عبر منح الإجراءات الاستيطانية غطاءً قانونيًا رسميًا وفق التشريع الإسرائيلي، وتحويل ممارسات إسرائيل التي كانت تنفذ سابقًا دون إعلان رسمي إلى قرارات حكومية معلنة، ما يمنحها طابعًا قانونيًا بشكل دائم يصعب التراجع عنه".
وتابع الخبير بالشؤون الإسرائيلية شديد بالقول، "فعلى سبيل المثال، الشروع في تسجيل الأراضي في الضفة الغربية ورفع السرية عن سجلاتها، هذا سيسمح للمستوطنين بالوصول إلى معلومات تفصيلية عن ملكيات الأراضي وورثتها، خصوصًا في المناطق المصنّفة جيم الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتشكل 61% من مساحة الضفة، وذلك بهدف تسهيل عمليات التملك المباشر من قبل المستوطنين الأفراد، بعد أن كانت محصورة سابقًا بالشركات الاستيطانية، وهذه محاولة للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية بوسائل قانونية ظاهرية، حيث إنّ مشاريع القوانين الإسرائيلية لا تعترف بالتقسيمات الإدارية المعمول بها وفق اتفاقيات أوسلو، بل تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها يهودا والسامرة، متجاهلة الوجود الفلسطيني والاتفاقيات الدولية".
ويصف شديد حزمة القرارات الإسرائيلية بأنها تاريخية، وعملية سياسية وقانونية وإدارية مُمنهجة لفرض واقع نهائي، مضيفًا، "الهدف المعلن داخليًا، هو إنهاء أيّ حديث عن انسحاب من الضفة، وبالتالي دفن حل الدولتين إلى الأبد، والنتيجة الحتمية هي قيام نظام واحد بين النهر والبحر، يقوم على التمييز المؤسسي والقانوني بين مستوطنين يهود لهم كامل الحقوق، وفلسطينيين تحت احتلال عسكري دائم بلا حقوق سياسية، وهذا، بحسب التعريف القانوني الدولي، هو نظام الفصل العنصري، الأبارتهايد".
تفكيك منهجي للوجود الفلسطيني
وفي هذا الصدد، شدد منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان بالضفة الغربية، جمال جمعة لمنصة "المشهد"، بأنّ "السلطات الإسرائيلية مهدت الأرضية لكل هذه القرارات، عبر الإجراءات على الأرض، وهذا تتويج لمخططات تعمل على تعزيزها منذ سنوات، فالرؤية الإسرائيلية تقوم على فكر ومبدأ حسم الصراع مع الفلسطينيين من خلال، أولًا، الإفقاد القانوني للهوية، وتسريع إجراءات تسجيل الأراضي لصالح الصندوق القومي اليهودي وهيئة الأراضي الإسرائيلية، في عملية تسعى لسلب الملكية الفردية والعائلية والعشائرية، وإضفاء شرعية إسرائيلية دائمة على أكثر من 60% من مساحة الضفة، ثانيًا، خنق الاقتصاد والحياة، عبر فرض حظر تجوال واسع، وتقسيم الضفة إلى كانتونات معزولة، بالحواجز العسكرية الدائمة، وتوسيع الشبكة الاستيطانية والبؤر العشوائية، ما يعني عمليًا تدمير أيّ قدرة على التنقل للعمل أو التعليم أو العلاج".
ويتابع جمعة "ثالثًا، تصفية مؤسسات السلطة الفلسطينية، وإيقاف تحويل عوائد الضرائب، بهدف شل قدرة السلطة على دفع رواتب الموظفين وتقديم الخدمات الأساسية، في محاولة لدفعها نحو الانهيار الذاتي، رابعًا، التغيير الديمغرافي المعلن، والترخيص لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وتقديم حوافز ضخمة للمستوطنين للانتقال إلى المناطق العميقة في الضفة، في سياسة استعمارية استيطانية صريحة".
(المشهد)