تمضي تركيا بوتيرة متسارعة في تعزيز قوتها البحرية، مع عشرات السفن الحربية التي يجري بناؤها بالتوازي مع ترسيخ عقيدة "الوطن الأزرق"، التي تمثل ركنا رئيسيا في رؤية أنقرة لحقوقها ونفوذها في البحر الأسود وبحر إيجة وشرق المتوسط، وفق تقرير للقناة 12 الإسرائيلية.
وبينما تضع تركيا توسعها البحري في إطار تعزيز استقلال صناعتها الدفاعية وترسيخ موقعها كقوة إقليمية، يرصد التقرير الإسرائيلي هذه التحركات من زاوية تأثيرها المحتمل على إسرائيل ومصالحها في البحر المتوسط، وسط دعوات داخل إسرائيل لإعادة النظر في إستراتيجيتها البحرية وتعزيز قدرات أسطولها.
سفن حربية قيد البناء
في قلب هذا التوسع، تعمل تركيا حاليا على بناء 47 سفينة حربية لصالح قواتها البحرية، بالتزامن مع تنفيذ مشاريع بحرية أخرى ضمن خطط الرئيس رجب طيب إردوغان لتعزيز الحضور التركي في البحار المحيطة بالبلاد.
ونقل التقرير عن مسؤول تركي قوله إنّ بلاده تبني "47 سفينة حربية في وقت واحد للبحرية التركية"، إلى جانب 24 منصة بحرية يجري تصنيعها لصالح دول أجنبية.
وتكشف هذه المشاريع حجم التحول الذي طرأ على قطاع الصناعات الدفاعية البحرية في تركيا، بعدما اعتمدت البلاد لعقود بدرجة كبيرة على السفن المستوردة.
وباتت الصناعة المحلية توفر جزءا كبيرا من احتياجات الأسطول التركي، في الوقت الذي وسعت فيه أنقرة نشاطها ليشمل تصدير منصات بحرية إلى دول أخرى.
الأسطول الأكبر بالمتوسط
وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، باتت تركيا تمتلك أكبر أسطول بحري في البحر المتوسط، فيما يحتل أسطولها المرتبة الـ10 على مستوى العالم، مقارنة بالمرتبة الـ32 للبحرية الإسرائيلية.
ويكتسب تعزيز القوات البحرية أهمية متزايدة في الرؤية الأمنية للرئيس التركي، وخصوصا في ظل القيود التي فرضتها العقوبات الأميركية على بعض قدرات سلاح الجو التركي.
ويحرص إردوغان في الوقت نفسه على ربط التوسع البحري الحالي بتاريخ القوة البحرية للدولة العثمانية، مستحضرا إرث بربروسا خير الدين باشا، أحد أشهر القادة البحريين في الإمبراطورية العثمانية.
الإرث العثماني
ويستخدم الخطاب التركي شخصية بربروسا لربط التاريخ البحري العثماني بمشروع أنقرة الحالي لبناء قوة بحرية حديثة.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، توجه آلاف الأتراك إلى مقر قيادة البحرية في غولكوك، قرب إسطنبول، لمشاهدة السفن الحربية ومنتجات الصناعة البحرية المحلية.
وشكل التجمع استعراضا آخر للقدرات البحرية والصناعات الدفاعية التي تعمل تركيا على تطويرها، في وقت يقدم فيه إردوغان هذه المشاريع باعتبارها جزءا من رؤية أوسع لتعزيز قوة بلاده ومكانتها.
"الوطن الأزرق"
ولا ينفصل برنامج بناء السفن عن عقيدة "الوطن الأزرق"، التي باتت تشكل أحد أبرز مفاتيح فهم الإستراتيجية البحرية التركية.
وتقوم العقيدة على توسيع وتعزيز النفوذ والحقوق البحرية التي تطالب بها أنقرة في المناطق المحيطة بها، وخصوصا البحر الأسود وبحر إيجة والبحر المتوسط.
وقال إردوغان إنّ تركيا نفذت العديد من المشاريع بهدف ضمان أمن "الوطن الأزرق".
وكان مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في البحرية التركية قد طوروا هذا المفهوم، قبل أن يتحول تدريجيا إلى عنصر بارز في الخطاب السياسي والعسكري التركي.
"لن نتخلى عن قطرة"
وعبّر صهر إردوغان عن مفهوم "الوطن الأزرق" من خلال تشبيه المجال البحري التركي بالامتداد الطبيعي لأراضي البلاد.
وقال: "إذا كان وطننا على الأرض هو بيتنا، فإنّ الوطن الأزرق هو حديقة نجد فيها السلام".
وأضاف: "كما لا نستطيع التخلي عن غرفة في منزلنا، فلن نتخلى أبدا عن قطرة واحدة من الوطن الأزرق".
ويعكس هذا الخطاب الأهمية التي تمنحها القيادة التركية للمجال البحري، بالتوازي مع ضخ استثمارات متزايدة في السفن والمنصات العسكرية والصناعات الدفاعية المرتبطة بها.
خلافات متصاعدة
لكنّ تطبيق عقيدة "الوطن الأزرق" لا يقتصر على الجانب العسكري، إذ يرتبط أيضا بخلافات إقليمية بشأن ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة.
وتبرز اليونان في مقدمة الدول التي تتصادم رؤيتها البحرية مع المطالب التركية، خصوصا في بحر إيجة وشرق المتوسط.
وتدور الخلافات بين أنقرة وأثينا حول تقسيم المناطق البحرية والحقوق المرتبطة باستغلال احتياطيات الغاز في شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية اليونانية جورجيوس غيرابيتريتيس، إنّ أثينا مستعدة للرد ميدانيا إذا أقدمت تركيا على خطوة ترى اليونان أنها تمس حقوقها.
وعندما سئل عن احتمال إرسال تركيا سفنا حربية إلى المنطقة، أكد أنّ بلاده لا تعتزم تجنب الرد، مشيرا إلى امتلاك أثينا خيارات عدة للتعامل مع أيّ تطورات من هذا النوع.
امتداد من تركيا إلى ليبيا
وتشمل رؤية "الوطن الأزرق"، وفق ما أورده التقرير، تصورا لامتداد بحري يبدأ من الساحل التركي ويلتقي بخط ينطلق من الساحل الليبي.
وتستثمر أنقرة موارد كبيرة في ليبيا، فيما يمنح هذا التصور، وفق الرؤية التركية، البلدين امتدادا بحريا متصلا من الشمال إلى الجنوب.
ويضيف هذا البعد عنصرا آخر إلى التنافس القائم في شرق المتوسط، حيث تتقاطع ملفات ترسيم المناطق البحرية مع موارد الغاز ومشاريع الطاقة والبنية التحتية.
لماذا تراقب إسرائيل؟
بالنسبة لإسرائيل، يتركز جانب من القلق الذي يعرضه تقرير القناة 12 على التأثير المحتمل للتوسع البحري التركي في مشاريع الطاقة والبنية التحتية الموجودة في قاع البحر.
وحذر القائد السابق للبحرية الإسرائيلية إليعازر تشيني ماروم من أنّ الحضور التركي المتنامي يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على إسرائيل.
وقال ماروم: "قد يتسبب ذلك في العديد من المشاكل".
وأشار إلى مشروع كانت إسرائيل وقبرص واليونان ترغب في تنفيذه لمد خط أنابيب للغاز في قاع البحر، معتبرا أنّ التطورات المرتبطة بالنفوذ البحري التركي قد تجعل المشروع بحاجة إلى موافقة أنقرة.
ولا تقتصر المخاوف التي تحدث عنها ماروم على خطوط الغاز.
فقد أشار أيضا إلى أنواع أخرى من البنية التحتية الموجودة في قاع البحر، ومن بينها كابلات الألياف الضوئية، معتبرا أنّ تنامي الدور التركي في المنطقة يمكن أن تكون له تداعيات اقتصادية.
وقال إنّ هذه التطورات "ستؤثر بالتأكيد على الاقتصاد"، في معرض حديثه عن انعكاسات النفوذ البحري التركي المحتملة.
تقليص الفجوة
وبحسب مصادر مطلعة على قدرات البحرية التركية أوردها التقرير، فإنّ الفجوة بين الأسطولين التركي والإسرائيلي ليست بالضرورة ثابتة، ويمكن لإسرائيل العمل على تقليصها إذا قررت زيادة الاستثمار في قدراتها البحرية.
لكنّ ماروم يرى أنّ المسألة تتجاوز زيادة عدد السفن، وتتطلب من إسرائيل تبنّي رؤية إستراتيجية طويلة المدى للتعامل مع التحولات الجارية في البحر المتوسط.
وقال القائد السابق للبحرية الإسرائيلية إنّ على إسرائيل أن تنظر إلى هذا التطور بوصفه تهديدا ينبغي أخذه في الحسبان، في ظل وضعها الذي شبهه بـ"جزيرة معزولة".
ودعا ماروم إسرائيل إلى وضع إستراتيجية شاملة لتعزيز قواتها البحرية وتحويلها إلى قوة أكثر تأثيرا في البحر المتوسط.
وقال إنّ امتلاك قوة بحرية مؤثرة سيكون ضروريا لتمكين إسرائيل من التعامل مع التهديدات في حال ظهورها.
وتأتي هذه الدعوات في وقت يضع فيه التقرير الإسرائيلي مقارنة مباشرة بين حجم الأسطولين التركي والإسرائيلي، بالتزامن مع تسارع برامج بناء السفن والمنصات البحرية التركية.
"قرن تركيا"
في المقابل، يقدم إردوغان عملية بناء القوة البحرية باعتبارها جزءا من مشروع أكبر لمستقبل تركيا، وليس مجرد خطة لتحديث الأسطول أو زيادة عدد القطع البحرية.
ويربط الرئيس التركي التوسع في الصناعات الدفاعية وتعزيز القدرات العسكرية برؤيته لما يسميه "قرن تركيا".
وقال إردوغان: "لا ينبغي لأحد أن يشك في أنّ تركيا العظيمة والقوية قد ظهرت بالفعل، وأنّ بناء قرن تركيا قد بدأ".
وبين 47 سفينة حربية قيد البناء، و24 منصة بحرية تصنع لدول أخرى، وعقيدة "الوطن الأزرق" التي تضع البحار المحيطة بتركيا في قلب رؤيتها الإستراتيجية، تمضي أنقرة في تعزيز قوتها البحرية، بينما تتابع إسرائيل واليونان هذا التوسع وما قد يحمله من تأثيرات على موازين القوة والمصالح في شرق المتوسط.
(ترجمات)
