كان إطلاق سراح الأسير الفلسطيني الشهير زكريا الزبيدي من السجون الإسرائيلية في فبراير الماضي، لحظة فرح مؤقتة غمرتها الاحتفالات في رام الله والضفة الغربية.
خرج المئات يهللون له باعتباره بطلًا عائدًا، واحتفل به الفلسطينيون في مشهد يعكس مزيجًا من الفرح والأمل، بينما رفعه البعض على أكتافهم في لحظة نادرة من التفاؤل.
الأسير الفلسطيني زكريا الزبيدي
يعدّ الزبيدي، الذي يبلغ من العمر 49 عامًا، من أبرز وجوه النضال الفلسطيني خصوصًا خلال العقد الأول من القرن الـ21، حين قاد جماعة مسلحة تابعة لحركة "فتح".
ولم يكن مجرد مقاتل مسلح بل كان شخصية أثارت اهتمامًا دوليًا عندما تحول إلى قائد مسرحي بعد أعوام من الصراع وأسس كتيبة في جنين.
وقد اشتهر بالزبيدي قصة هروبه الجريئة من السجن عبر نفق حفره مع رفاقه، قبل أن يعاد اعتقاله.
غير أن الزبيدي، بعد أشهر من إطلاق سراحه، أصبح يمثل وجها آخر للحالة الفلسطينية وهو شعور عميق باليأس والإحباط.
إعادة تقييم النضال الفلسطيني
ففي مقابلة حصرية مع صحيفة "نيويورك تايمز"، قال إنه بات يرى كل مراحل حياته من نضال مسلح وسجن على أنها لم تثمر عن أيّ تقدم حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأضاف الزبيدي: "علينا إعادة تقييم أدواتنا.. أسّسنا مسرحا وجربنا المقاومة الثقافية، فما الذي تحقق؟ جربنا البندقية، حاولنا إطلاق النار، لا يوجد حل".
تحدث الزبيدي أيضا عن الظروف القاسية التي تعرض لها في السجن، حيث قال إن اعتداءات متكررة على يديه وفكه أثناء احتجازه في ظل الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023.
وأكد أن مصلحة السجون الإسرائيلية تنكر تلك الادعاءات، لكنها تتكرر في شهادات سجناء فلسطينيين آخرين.
بعد أن خرج من السجن، وجد الزبيدي الواقع المأساوي لغزة التي دمرتها الغارات الإسرائيلية ودمار جنين مسقط رأسه، الذي أصبح شبه خالٍ من السكان.
ولم يكن ألم الفقدان بعيدا عنه، إذ قتل ابنه البالغ من العمر 21 عاما خلال غارة عسكرية إسرائيلية.
وطرحت تلك الخسائر على المستويات الشخصية والجماعية أمامه سؤالا مفتوحا: "ما هو الحل؟".
وخلال شبابه، كان الزبيدي يؤمن بوضوح المهمة التي خاضها، حيث انضم إلى كتائب "شهداء الأقصى" في جنين، متأثرا بزيارات استفزازية لقادة إسرائيليين أدت إلى تصعيد الاحتجاجات التي تحولت إلى انتفاضة مسلحة.
وكانت الانتفاضة الثانية مرحلة دامية استمرت 5 أعوام، قتل خلالها نحو ألف إسرائيلي في هجمات منسوبة لجماعات مسلحة فلسطينية، بما في ذلك كتائب "شهداء الأقصى" التي كان الزبيدي من قادتها.
تأسيس "مسرح الحرية"
وعلى الرغم من تصنيفه إرهابيا لدى الإسرائيليين، إلا أن الفلسطينيين ينظرون إليه كمناضل ضد الاحتلال.
ففي عام 2002، قاد الزبيدي مقاومة مسلحة شرسة في جنين خلال غارات إسرائيلية وحصل على تغطية دولية واسعة من خلال فيلم وثائقي يوثق هذه المواجهات.
ومع مرور الوقت، بدأ زكريا الزبيدي يتبع نهجا أكثر تطورا، عندما قبل العفو الإسرائيلي عام 2007 وتخلى عن السلاح مؤقتا، وركز على المقاومة الثقافية من خلال تأسيس "مسرح الحرية" في جنين مع ناشطين من إسرائيل والسويد.
ولم تعرض مسرحياته لكنه ساهم في ورش عمل للشباب، في محاولة لتطوير مقاومة ذات أبعاد فكرية وثقافية.
لكن العودة إلى السجن كانت قاسية، وفق الصحيفة، فقد أعيد اعتقاله عام 2019 بتهمة خرق شروط العفو وحقق شهرة كبيرة بهروبه الأسطوري في 2021 عبر نفق بطول 29 مترا.
وعلى الرغم من القبض عليه مجددا، ظل الهروب رمزا للأمل الفلسطيني حتى أن جداريات تخلد تلك الحادثة انتشرت في مناطق عدة منها غزة.
وعلى الرغم من ذلك، يعترف الزبيدي أن الهروب لم يغير الكثير وأنه كان يعلم أن نهايته ستكون الاعتقال أو الموت.
ويرى أن هذه المعاناة تبرز المأزق الفلسطيني المستمر، إذ لا تجد المقاومة المسلحة ولا السلمية طريقا نحو التحرير، والاحتلال الإسرائيلي لا يرحم.
وقال الزبيدي: "لا يوجد حل سلمي، ولا حل عسكري".
وتابع: "الإسرائيليون لا يريدون أن يمنحونا شيئا، ونحن لا نملك أدوات لاقتلاعهم".
(ترجمات)