تحيي تركيا اليوم ذكرى انقلاب 2016 الذي أفشله رجب طيب إردوغان بيد من حديد، ما جعله الرئيس التركي الأول الذي استطاع أن ينجو من محاولة الانقلاب ضده.
وعلى الرغم من عدم قدرة الانقلابيين الإطاحة بإردوغان، إلا أنهم بلا شك استطاعوا هزّ حكمه، وأفقدوه الثقة بالعديد من الضباط والمسؤولين من حوله، الأمر الذي دفعه إلى تسريح واعتقال مئات الضباط والمسؤولين.
انقلاب 2016
وقع الانقلاب في ليلة 15 يوليو عام 2016، إذ أعلن الجيش التركي انقلابه على الحكومة، وذلك عبر بث بيان "إسقاط حكم إردوغان وتشكيل هيئة لاستلام السلطة" على القناة الرسمية التركية بعد استلائه عليها.
ردا على ذلك، توجه إردوغان إلى الأتراك عبر الهاتف لصحفية شهيرة في محطة "سي إن إن-تورك" التلفزيونية، وذلك لعدم قدرته الوصول إلى مقر التلفزيونات، داعيا الشعب التركي إلى النزول إلى الشوارع لإفشال حكم العسكر، والمحافظة على استقرار البلاد.
ولبى الشعب التركي النداء بسرعة، ونزل إلى الشوارع مطالبين الجيش بالانسحاب والتراجع.
مباشرة، اتهمت أنقرة تنظيم جماعة فتح الله غولن بتنفيذ الانقلاب للإطاحة بإردوغان وحكومته، وتشكيل نظام سياسي جديد في البلاد.
وبحسب الإحصاءات الرسمية التركية، فقد قتل في تلك المحاولة الانقلابية 253 مواطنا تركيا برصاص الانقلابيين.
استمر الانقلاب 15 ساعة فقط وفقا لوكالة الأناضول، التي قالت إن محاولة الانقلاب التي بدأت الساعة 22.00 بالتوقيت المحلي من يوم الجمعة 15 يوليو 2016، في مقر رئاسة الأركان التركية بالعاصمة أنقرة، أُحبطت ظهر اليوم التالي في الساعة 12.57.
الاقتصاد التركي
بالفعل، الاقتصاد التركي كان ولا يزال يتأثر بشكل كبير بالأحداث السياسية الداخلية والخارجية. بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، شهدت الليرة التركية تراجعا دراماتيكيا أمام الدولار الأميركي. بحلول نهاية عام 2017، بدأ هذا التراجع يصبح أكثر وضوحاً.
في مايو 2018، وصلت الليرة إلى مستويات قياسية من الانخفاض حيث بلغ سعرها 4.9 ليرات مقابل الدولار، واستمر هذا الانخفاض تدريجيا إلى يومنا هذا.
وكالة فيتش للتصنيف الائتماني حذّرت من أن مساعي إردوغان لتعزيز السيطرة على البنك المركزي التركي قد تزيد من الضغوط على تصنيف الدين السيادي للبلاد. هذا التوجه أثار مخاوف المستثمرين والأسواق المالية، مما ساهم في زيادة التراجع في قيمة الليرة.
تبعات الانقلاب
ويعتقد المحلل السياسي فراس رضوان أوغلو في حديث إلى منصة "المشهد" أن "تبعات هذا الانقلاب الاقتصادية مستمرة. تركيا الآن في وضع اقتصادي سيئ، وأحد أسباب هذه الأزمة هو هذا الانقلاب الذي غيّر الكثير من مجاري الأمور السياسية والاقتصادية في الداخل التركي".
ويلفت رضوان أوغلو إلى أن الانقلاب "ربما عطل كثيرا من الاستثمارات الاقتصادية، وزرع شرخا أمنيا – اجتماعيا".
بدوره، يقول المتخصص في الشأن التركي محمود علوش في تصريح إلى "المشهد" إن "إذا ما أردنا تقييم آثار محاولة الانقلاب من منظور التحولات الكبيرة التي طرأت على تركيا بعد تلك الفترة، فيمكن القول إن إردوغان استطاع تحويلها إلى فرصة لتعزيز حكمه عبر تغيير النظام السياسي ولتقويض نفوذ جماعة غولن داخل الدولة. وقد حقق جانبا كبيرا من أهدافه".
ويوضح علوش أن "الاستقطاب السياسي والصعوبات الاقتصادية التي تعانيها البلاد منذ تلك الفترة هما أحد الآثار التي خلفتها محاولة الانقلاب، وستحتاج تركيا سنوات طويلة للتعافي الكامل من تلك الآثار. وقد دفع إردوغان ثمن هذه الآثار في الانتخابات المحلية الأخيرة".
منظمة غولن
في خطابه اليوم بذكرى الانقلاب، أشار إردوغان إلى منظمة غولن من جديد بأنها المسؤولة عن الانقلاب، قائلا إن "معركة تركيا ضد منظمة غولن، المتهمة بالوقوف وراء الانقلاب، مستمرة. نواصل بكل عزيمة معركتنا ضد منظمة غولن، شبكة الخيانة العالمية".
ليس ذلك فحسب، بل اتهم إردوغان جماعة غولن في مايو الماضي، بتدبير محاولة انقلاب جديدة للإطاحة بحكومته على غرار ما عُرف من قبل بتحقيقات الفساد والرشوة 13 - 25 ديسمبر 2013 التي طالت وزراء في حكومته عندما كان رئيساً للوزراء وعدّها محاولة للانقلاب عليه.
تصريحات إردوغان أثارت الشكوك حول استغلال الجماعة للأوضاع غير المستقرة في تركيا على الصعيد الاقتصادي، بالتزامن مع تراجع شعبية إردوغان بشكل كبير، الأمر الذي ظهر بشكل واضح في انتخابات مايو 2023، حيث وصلت نسبة الذين صوتوا للمعارضة إلى النصف تقريبا.
ويبين علوش أنه "لا يمكن القضاء على التهديد الذي تشكله منظمة غولن بشكل كامل لأن الجماعة أسست شبكة واسعة من الموالين لها في مؤسسات الدولة وداخل المجتمع. لكن قدرتها على تشكيل تهديد كبير لحكم إردوغان أصبحت محدودة للغاية. لا يمكن تصور أن جماعة غولن قادرة على التعافي من الضربة الكبيرة التي تعرضت لها منذ إفشال محاولة الانقلاب طالما أن إردوغان موجود في السلطة".
ويضيف علوش "هناك مسار قضائي لمحاسبة المتورطين في محاولة الانقلاب. وهذا المسار مستمر. العقبة الكبيرة في هذا الإطار تتمثل في صعوبة الوصول إلى الرأس المدبر لمحاولة الانقلاب وهو فتح الله غولن لأنه يحظى بحماية أميركية".
في المقابل، قال عمدة بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو، إنه لم تتم محاسبة أولئك الذين مهدوا الطريق لمدبري الانقلاب.
وأضاف إمام أوغلو أنّ محاولة انقلاب 15 يوليو لم تكن مفاجأة، بل هي نتاج عقود. "لذلك علينا أن نعود إلى تلك العقود ونفهم كيف جاءت هذه الظروف وكيف وصلت بلادنا إلى هذا اليوم المخزي والمؤلم".
ويعلق على ذلك ذلك رضوان أوغلو بقوله إن "الحكومة التركية تطالب بفتح الله غولن الذي يقيم في الولايات المتحدة وبأسماء أخرى بشكل مستمر"، مشيرا إلى أن "الخلاف السياسي بين إمام أغلو وإردوغان مستمر. لذلك ربما سنسمع الكثير من هذه التصريحات المتناقضة بين الطرفين".
تغلغل غولن
كشفت أكاديمية الشرطة التركية عن تقرير نشرته وكالة "الأناضول" الرسمية، حول كيفية تغلغل غولن في الداخل التركي، في المجالات الاجتماعية والنفسية والدينية والبيروقراطية الأمنية والتعليمية والاقتصادية.
وبحسب التقرير:
- تتحرك غولن كطائفة باطنية حديثة أكثر من كونها جماعة دينية.
- الطوائف الحديثة تتكتل عادة في محيط زعيم يسمى "غورو" ويحظى بطاعة غير مشروطة، وكل عضو فيها يرتبط ويسلم نفسه للجماعة بشكل مطلق.
- زعيم المنظمة فتح الله غولن، يدعي دائما أنه يرى الله والرسول محمدا في منامه، سعيا منه لتعزيز سلطته، ويقول إن تعليماته تأتي خلال المنام في محاولة لإضفاء الشرعية على عمليات المنظمة.
- المنظمة عززت قوتها خلال فترة الأحكام العرفية في ثمانينيات القرن الماضي، واصلت أنشطتها فيما بعد وطرحت نفسها أمام الكتلة المحافظة في المجتمع بديلا وحيدا، عقب قمع المجموعات الدينية الأخرى بانقلاب ما بعد الحداثة 28 فبراير عام1997.
- منظمة غولن بدأت تتكتل داخل أجهزة الجيش والأمن والاستخبارات اعتبارا من نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأسست آنذاك وحدة الخدمات السرية للإشراف بشكل خاص على هذه الأجهزة.
- غولن حظيت بإيرادات مالية ضخمة من خلال مدارسها ومعاهدها الخاصة في البلاد، وحصلت على إمكانات جديدة بفضل ذلك لتحقيق أهدافها السرية.
(المشهد )