لن تكون الأخيرة.. هذه أسباب فيضانات القصر الكبير بالمغرب

شاركنا:
غرق أحياء سكنية في القصر الكبير بالمغرب وتعطل حركة المرور في محاور المدينة (إكس)
هايلايت
  • فيضانات القصر الكبير في المغرب بفعل تساقطات مطرية غير عادية.
  • إعلان حالة التأهب القصوى واستنفار جميع الأجهزة لمواجهة المخاطر.
  • دعوة إلى إخلاء المنازل المهددة خصوصا في الأحياء القريبة من النهر.
  • فرق التدخل تعمل بشكل متواصل لمراقبة النقاط السوداء وتأمين السكان.
  • المغرب مهدد بهذه الظواهر ويجب التعامل معها وتدبيرها كواقع جديد.

تشهد مدينة القصر الكبير، الواقعة في شمال غرب المملكة المغربية، فيضانات حادة بفعل تساقطات مطرية غير عادية خلال الأيام الأخيرة، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة التأهب القصوى واستنفار جميع الأجهزة المحلية لمواجهة مخاطر ارتفاع منسوب المياه.

فيضانات القصر الكبير

وبينما تتواصل التحذيرات عبر نشرات الأرصاد الجوية، استفاق سكان القصر الكبير وقد تسربت المياه إلى بيوتهم وأتلفت أثاثهم ومخزوناتهم، كما تظهر مقاطع فيديو وصور منتشرة على صفحات التواصل الاجتماعي المحلية.

وأعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة أن اجتماعا سيُعقد برئاسة وزارة الداخلية، لمناقشة إجراءات عاجلة لمواجهة ما وصفه بالوضع "الاستثنائي" في شمال البلاد، وذلك في إطار تعبئة مركزية لدعم الجهود المحلية.

تشبع السدود

ويفسر الخبير الدولي في المناخ والمخاطر الهيدرولوجية بوعزة سلاك ما يحصل في القصر الكبير بعاملين أساسين، الأول طبيعي ويتجلى في الظواهر المناخية القاسية التي أصبحت تطبع المناخ العالمي، ففي الصيف كانت الحرارة عالية، والآن تعرف المملكة تساقطات طيلة الأسابيع الماضية وما زالت مستمرة.

والعامل الثاني حسب الخبير في تصريحه الخاص لمنصة "المشهد"، يرجع إلى الارتفاع الكبير في منسوب الأودية، وأيضا امتلاء خزانات جل المنشآت الهيدرولوجية (السدود)، خصوصا واد المخازن بالقصر الكبير إلى درجة التشبع.

وأعلن رئيس بلدية القصر الكبير محمد السيمو حالة استنفار داخل المصالح الإدارية، مؤكدا أن فرق التدخل تعمل بشكل متواصل لمراقبة النقاط السوداء وتأمين السكان.

ودعا إلى إخلاء المنازل المهددة، خصوصا في الأحياء القريبة من الوادي، مع توفير مراكز استقبال مؤقتة لإيواء الأسر المتضررة.

وقال عدد من المتضررين في تصريحات على وسائل التواصل الإجتماعي، إنهم لم يشهدوا فيضانات بهذا الحجم منذ سنوات، مؤكدين أن بعض الأزقة أصبحت غير صالحة للمرور، وأن تنقل الأطفال وكبار السن صار محفوفا بالمخاطر. 

وطالبوا بتدخلات دائمة لا تقتصر على الحلول الظرفية، تشمل تحسين قنوات الصرف وتقوية الحماية على ضفتي الوادي.  

أمطار قياسية في المغرب

وتوضح البيانات أن المنطقة الشمالية من المملكة، سجلت منذ بداية الموسم المطري شهر سبتمبر الماضي تساقطات تجاوزت 600 ميليمتر، وهو رقم استثنائي مقارنة بالمعدلات الاعتيادية لنفس الفترة.

وقد أدت التساقطات المطرية إلى امتلاء سد وادي المخازن المحلي إلى طاقته القصوى (100%)، ما استدعى عمليات فتح بوابات التفريغ لتخفيف الضغط عن الخزان المائي.

ويقول أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة تطوان بوعزة سلاك في تصريحه لمنصة "المشهد"، إن منطقة القصر الكبير أصبحت في وسط ما يسمى "منطقة جريان هيدرولوجي حبيس"، أي أن المياه تأتي من عالية حوض واد اللوكوس التي تبلغ مساحتها حوالي 3,730 كيلومتر مربع، مع ارتفاع منسوب البحر في الجهة الأخرى.

وذلك ما جعل تصريف المياه حسب خبير المناخ يصل إلى مرحلة سالبة، وأصبحت مدينة القصر الكبير بمثابة "مصب لهذا الحوض الكبير".

ووفق النشرات الأخيرة للمديرية العامة للأرصاد الجوية المغربية، فإن المنخفض الجوي الذي يؤثر على شمال البلاد يصاحبه هطول كثيف للأمطار ورياح قوية، مع توقعات بتسجيل كميات بين 90 و120 ميليمترا في بعض أقاليم الشمال، بما في ذلك القصر الكبير وشفشاون والعرائش خلال الأيام المقبلة.

وينتج هذا النمط المناخي حسب خبراء الطقس، عن تقاطع كتل هوائية باردة ورطبة قادمة من الأطلسي مع تيارات هوائية باردة من الشمال الأوروبي، مما يرفع من وتيرة الهطولات ويؤدي إلى تجمع المياه في وقت قصير يفوق قدرة التربة والقنوات على استيعابها.

تيار وادي اللوكوس

وتسببت هذه الأمطار في ارتفاع غير مسبوق بتيار وادي اللوكوس، ما أدى إلى فيضان شوارع وأحياء سكنية في القصر الكبير، وتعطل حركة المرور في محاور بالمدينة.

ويقول الخبير الدولي في المناخ إن العامل البشري مهم أيضا في تفسير ما يحصل بالقصر الكبير. وذلك في نظره مرتبط باستقرار عدد كبير من السكان في مجالات مهددة بالفيضانات، خصوصا ما يسمى "المجالات الفيضية" لحوض نهر اللوكوس وهي الأكثر تضررا من السيول.

كما غمرت المياه المستويات الأرضية للعديد من المنازل والمتاجر، فيما لوحظ وصول منسوب المياه إلى ما يقارب متر واحد في بعض المناطق المنخفضة حال استمرار الهطول.

وأدى ارتفاع المياه كذلك إلى تأثر الخدمات الأساسية، إذ غمرت السيول منشآت حيوية من بينها المستشفى المحلي عند المدخل الشمالي للمدينة، ما اضطر السلطات الصحية إلى تعليق العمل في بعض وحداته مؤقتا، لحماية التجهيزات الطبية وضمان سلامة العاملين والمرضى.

ويعتبر الخبراء أن امتلاء السدود إلى أقصى طاقتها من الأسباب الجوهرية في تفاقم الفيضانات، إذ بذل المسؤولون جهوداً للتحكم في الاحتياطي المائي عبر فتح بوابات السد، لكن الشبكات المحلية للصرف الصحي والمجاري المائية لم تكن مؤهلة لاستيعاب هذا الكم الهائل من المياه في وقت قصير.

ويشرح عمر الحياني ،الخبير في إدارة الشؤون المحلية، أنه منذ أكثر من 15 سنة، و مشروع الطرق السيارة للماء موضوع على طاولة المشاريع التي تنتظر تمويلا لربط الأحواض المائية، و نقل المياه من الأحواض التي تسجل فائضا مثل سبو و اللوكوس، إلى أحواض تعرف خصاصا مثل أبو رقراق، أم الربيع وتانسيفت، وأن الميزانية المقدرة لهذا المشروع تعادل 3 مليار دولار.

ويضيف في منشور على صفحته في فيسبوك "حين أراقب الوضعية الحالية للسدود بالشمال، وتداعياتها على عدة مدن خصوصا القصر الكبير، أتحسر على عدم وجود البنية التي كان من المفروض أن تنقل فائض المياه من حوضي سبو واللوكوس إلى سد المسيرة، الذي لا تتجاوز نسبة ملئه اليوم 14%".

تعبئة واسعة للسلطات

وأعلنت السلطات المحلية حالة الطوارئ، واستنفرت كل الأجهزة المعنية، من فرق الحماية المدنية للقوات المساعدة، وظهرت عناصر متعاونة في مقاطع فيديو وهي تعمل ليلا، لتثبيت حواجز رملية مؤقتة على ضفاف نهر اللوكوس لاحتواء تدفق المياه إلى المناطق الأكثر تعرضا.

ويشرح سلاك في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن تدبير المخاطر الهيدرولوجية يمر من 3 مراحل، ما قبل الخطر ثم مرحلة الخطر وما بعدها.

ويضيف أن القصر الكبير اليوم في مرحلة الخطر، وبالتالي ما يجب القيام به هو "تكثيف التنسيق بين مختلق المتدخلين وحتى الجيش والاسعاف، من أجل إجلاء الساكنة المهددة بالفيضانات وتقديم المساعدة اللازمة خصوصا مسألة الإيواء".

وأكد مدير التجهيز والماء بإقليم العرائش عز الدين أيت الطالب في بيان، أن عمليات إنشاء الحواجز الوقائية والتحكم في مجرى الوادي مستمرة لحماية الأحياء السكنية والممتلكات، وأن فرق الطوارئ تعمل على مدار الساعة.

ويقترح الخبير بوعزة سلاك مسألة التدبير الطويل الأمد، أي تعزيز السدود والمنشآت الهيدرولوجية في وادي اللوكوس، مع بناء "سدود تلية" في أعالي وادي المخازن من أجل توفير الحماية للازمة لساكنة القصر الكبير. 

ويركز أستاذ الهندسة المعمارية على التخطيط العمراني المستدام، ما يعني "القيام بدراسة هيدرولوجية دقيقة من أجل تحديد المجالات المهددة بالسيول والفيضانات، وجعلها مجالات طبيعية محمية". 

ويختم خبير المناخ تصريحه بضرورة توعية السكان بخصوصيات "هذا المناخ الجديد الذي تعرفه الكرة الأرضية، والمملكة المغربية مهددة بهذه الظواهر الجديدة القاسية، سواء الفياضات أو الحرارة ويجب التعامل معها وتدبيرها كواقع جديد". 

(المشهد)