تسعى تركيا إلى استغلال تراجع النفوذ الإيراني وتعزيز حضورها في العراق، عبر توسيع التعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل، بالتزامن مع مساعي بغداد لتنويع شراكاتها وممرات تصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز.
وأشار موقع "المونيتور" في تقرير إلى أنه في ظل إعادة تشكيل الحرب المتعلقة بإيران لمسارات التجارة الإقليمية وإضعافها لنفوذ طهران، تسعى تركيا لتعزيز موطئ قدمها في العراق، مراهنةً على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والربط اللوجستي لتوسيع نفوذها في بغداد.
تعاون عراقي تركي
وبحسب التقرير، يتبلور هذا التحول من خلال سلسلة من الاتفاقيات التي تنقل العلاقات إلى ما هو أبعد من مجرد عبور النفط التقليدي؛ فقد استحوذت تركيا على حصة مباشرة في حقول نفط كركوك الرئيسية، وضمنت سعة إضافية لنقل الخام العراقي عبر خط أنابيب "العراق-تركيا"، كما تدفع بقوة نحو مشروع "طريق التنمية" ليكون ممراً تجارياً وطاقوياً أوسع يربط العراق بأوروبا.
وبالنسبة لبغداد، توفر هذه الشراكة مسارات تصدير بديلة واستثمارات هي في أمسّ الحاجة إليها، لا سيما وأن أزمة مضيق هرمز تزيد من تفاقم الضغوط المالية المتزايدة محلياً.
وصرح وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، يوم الثلاثاء بأن هذا التعاون المتنامي يهدف إلى "نقل العلاقات التركية العراقية إلى مستوى جديد"، حيث تحتل قطاعات الطاقة والبنية التحتية والربط اللوجستي مكانة محورية متزايدة في هذه الشراكة.
وجاءت هذه التصريحات عقب الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى أنقرة الأسبوع الماضي، حيث أعلنت الحكومتان إبرام عدد من الاتفاقيات.
كما وقع البلدان يوم الأحد الماضي اتفاقاً لمدة عام واحد، تخصص بموجبه تركيا سعة لنقل 750 ألف برميل من الخام العراقي يومياً عبر خط أنابيب "العراق-تركيا"، وذلك بالتزامن مع إجراء الجانبين مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية شاملة تحل محل الاتفاقية السابقة المبرمة منذ عقود.
وتبلغ معدلات التدفق الحالية ما يقرب من 170 ألفاً إلى 200 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يقل بكثير عن الطاقة الاستيعابية للنظام التي تناهز 1.5 مليون برميل يومياً.
وفي هذا السياق، صرح مصدر مطلع في قطاع الطاقة -على دراية بعمليات التكرير التركية- لموقع "المونيتور" شريطة عدم الكشف عن هويته، قائلاً: "المنطق بالنسبة لتركيا بسيط، كلما زادت كميات النفط التي يبيعها العراق للعالم عبر ميناء جيهان، كان ذلك أفضل للاستقرار الإقليمي ولعائدات العبور التركية".
تراجع نفوذ إيران
مع تراجع إيران، تتقدم تركيا يأتي التحرك التركي نحو العراق في ظل تغير موازين القوى الإقليمية، حيث أدت الحرب إلى تقييد النفوذ الإيراني وفتحت المجال أمام أنقرة لتعزيز مكانتها في بغداد.
وفي حديثه لموقع "المونيتور"، قال الخبير المستقل الذي يكتب باستفاضة عن الشأن العراقي بيلغاي دومان: "تركيا تسد فعلياً فراغاً نشأ عقب تراجع الثقل الإقليمي لإيران بسبب الحرب".
وتحت وطأة ضغوط أميركية متزايدة، منحت الحكومة العراقية الميليشيات المتحالفة مع إيران مهلة تنتهي في 30 سبتمبر لتسليم أسلحتها للدولة؛ وهي مهلة تتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.
وقد ربطت واشنطن تعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي مع بغداد بجهود كبح جماح الفصائل المسلحة التي تعمل خارج نطاق السيطرة الكاملة للدولة.
ويحتل مشروع "طريق التنمية" -وهو ممر نقل طموح يهدف لربط ميناء الفاو الكبير في العراق (على الخليج) بتركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر شبكات الطرق والسكك الحديدية- صلب إستراتيجية أنقرة طويلة الأمد تجاه العراق.
وبالنسبة لبغداد، يحمل المشروع قيمة اقتصادية وسياسية على حد سواء؛ إذ لا يزال الاقتصاد المحلي العراقي يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط التي تواجه ضغوطاً متزايدة، في حين عانت الحكومة تأخرا مزمنا في دفع الرواتب وأفادت تقارير بتوقف أكثر من 500 مشروع استثماري تشمل المدارس والمستشفيات والبنية التحتية للمياه والكهرباء.
وبعد عقود من العقوبات والنزاعات، يرى المسؤولون أن فتح طرق تجارية جديدة وجذب الاستثمارات الأجنبية أمران ضروريان لمعالجة التحديات الاقتصادية القائمة منذ فترة طويلة.
وستكون الاتفاقية الموقعة يوم الأحد الماضي بمثابة ترتيب مؤقت، ريثما تتفاوض الحكومتان على إطار عمل جديد طويل الأمد يحل محل معاهدة خط الأنابيب القديمة التي يعود تاريخها لعقود، وانتهت صلاحيتها في 27 يوليو.
بموجب هذا الاتفاق الذي يمتد لعام واحد، ستخصص تركيا سعة لنقل ما لا يقل عن 750 ألف برميل من النفط الخام العراقي يومياً، رغم أن معدلات التدفق الحالية لا تزال أقل بكثير من هذا المستوى.
(ترجمات )
