قبل سنة ونصف، قرر الناشط المدنيّ اعلي ولد الفاظل، تقصي الحالات الإنسانية التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي على أنها محتاجة للتبرعات، من أجل إجراء عملية أو شراء دواء، لكنّ تلك الحالات اكتُشف أنها "مزيّفة" نشرها أحدهم هدفه "التحايل".
كشف ولد الفاظل في سلسلة منشورات على "فيسبوك"، يحذر من التبرع للحالات التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنه تقصّى عن بعضها ووجد أنّ أصحابها "محتالون" يجب التشهير بهم.
في السنوات الأخيرة زاد نشاط العمل الخيريّ في موريتانيا، فقد أصبح نشطاوه يلجأون إلى مواقع التواصل الاجتماعي لعرض الحالات المعوزة، ويجمعون التبرعات عبره، فقد سهلت تطبيقات تحويل الأموال الأمر، وذلك في ظل فوضوية من دون رقابة من طرف السلطات.
وسيلة للثراء السريع
لا يكاد يمر يوم من دون أن يثار جدل العمل الخيريّ في موريتانيا على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أثار الكثير من الجدل في الأيام الأخيرة، بعد أن هاجم أحد النشطاء بعض المهتمين بالعمل الخيري، معتبرا أنّ "هدفهم جمع الأموال".
في هذا السياق، يقول الناشط اعلي ولد الفاظل في حديث لمنصة "المشهد"، إنّ العمل الخيريّ في موريتانيا صار طريقا مغريًا للثراء وكسب الأموال الطائلة، مضيفا أنّ بعض من يمارس العمل الخيري كان فقيرا يكاد يملك "قوت يومه"، إلا أنه بين عشيّة وضحاها صار يملك العقارات والسيارات الفارهة، "كل هذه الأموال جمعها باسم العمل الخيري".
وهذا ما تؤكده الصحفية لاله بنت بوب، إذ ترى أنّ العمل الخيريّ في موريتانيا صار الوسيلة الأسرع "للغنى"، مشيرة إلى أنّ هؤلاء يستغلون "طيبة الموريتانيين ولحظة ضعفهم أمام الحالات الإنسانية والتبرّع لها".
وتقول لـ"المشهد" لاله إنّ في العالم الآخر، العمل الخيريّ يقوم به الأثرياء والمنظمات الإنسانية المرخص لها والمعروفة، أما في موريتانيا فيكون العكس، العمل الخيري يتولاه العاطلون عن العمل والفقراء، وفي مدة زمنية قصيرة يصبحون أثرياء.
تطبيقات تحويل الأموال
من بين الأمور التي سهّلت جمع التبرعات، هي تطبيقات تحويل الأموال التي تُعرف بالمَحافظ الرقمية، إذ ينشرون الحالات الإنسانية مرفوقة بأرقام هواتفهم التي يستقبلون عليها التبرعات.
في هذا الإطار، يقول ولد الفاظل إنه من الملاحظ أن نشاط العمل الخيريّ زادت وتيرته في السنوات الأخيرة مع ظهور تطبيقات تحويل الأموال.
ويضيف أنّ "بعض نشطاء العمل الخيري، يرفض أن تتواصل مع الحالة الإنسانية، أو يعطيك معلومات بخصوص هويتها والمنطقة التي تقطنها، وهذا يثير الشكوك والريبة".
ويشير في حديثه لـ"المشهد" إلى أنّ الدولة يجب أن تتدخل لضبط هذا المجال وتتبع الأموال التي يجمعها هؤلاء النشطاء، وذلك للحدّ من الاحتيالات والتلاعب.
تقنين العمل الخيري
وتنشط في موريتانيا أكثر من 100 جمعية خيرية حصلت على الترخيص من طرف وزارة الداخلية الموريتانية، وهو رقم كبير إذ يرى بعض النشطاء أنّ عدد الجمعيات يزيد على الضعف، حيث يمارس بعضهم نشاطه ويجمع التبرعات خارجا عن القانون من دون أن يحصل على الترخيص.
وقال مصدر في وزارة الداخلية، إنّ القطاع يعمل على تقنين العمل الخيري وتنظيمه بإدخال تعديلات على القانون المنظم له.
وأضاف المصدر لـ"المشهد" أنّ البرلمان سبق أن صادق عام 2021 على قانون الجمعيات الذي يأتي تماشيًا مع الدستور، مؤكدا أنّ القانون الجديد وضع شروطًا لنيل ترخيص الجمعيّات.
وأشار إلى أنّ الوزارة استقبلت خلال هذه السنة وحدها عشرات الملفات للحصول على تراخيص وإذن النشاط في موريتانيا، لكنّ معظمها "لا يستجب للمعايير المحددة للحصول على التراخيص".
رغم أنّ 56.9% من الموريتانيين يعيشون تحت خطّ الفقر، معظهم يعيش على المساعدات، فإنّ استغلال بعض "المحتالين" لحالتهم وهشاشتهم، جعل البعض لا يثق في هذه الحالات التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويرى مراقبون أنّ الحكومة مُطالبة بضبط العمل الخيري، وتتبّع مصادر الأموال، التأكد من أنها تصل إلى مستحقيها، وإغلاق الجمعيات الخيرية التي تثير الشبهات، والتحقيق في مصادر أموال بعض النشطاء الخيريّين.
(المشهد - نواكشوط)