كلّف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أمس السبت رئيس حزب "يشار" غادي أيزنكوت ورئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي، بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن حصد معسكره العدد الأكبر من توصيات أعضاء الكنيست خلال المشاورات الرئاسية، متقدماً على معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.
ويعد أيزنكوت، الذي تولى قيادة الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، من أبرز منافسي نتانياهو، إذ دخل الحياة السياسية عام 2022، قبل أن يؤسس حزب "يشار" الوسطي عام 2025، ويقود تحالفاً من الأحزاب الساعية إلى تغيير الحكومة الحالية.
وجاء تكليفه في أعقاب انتخابات لم يتمكن فيها أيٌّ من المعسكرين من حصد الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، إذ حصل معسكر أيزنكوت على 48 مقعداً، مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتانياهو، فيما نالت القوائم العربية 19 مقعداً.
خيارات أيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية
لا تبدو مهمة أيزنكوت سهلة في ظل تماسك معسكر نتانياهو، ورفضه التحالف مع رئيس الحكومة الحالي أو الدخول في شراكة مع حليفيه بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وهذا يضعه أمام خيارات محدودة، أبرزها محاولة استمالة الأحزاب الدينية أو الاستناد إلى دعم القوائم العربية.
ويرى المتخصص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان في حديث خاص إلى منصة "المشهد" أن أمام أيزنكوت مسارين أساسيين:
- الأول: تشكيل حكومة بالتعاون مع الأحزاب الدينية، خصوصا حركتي "شاس" و"يهدوت هتوراة"، وهو خيار تحيط به صعوبات، خصوصاً أن "شاس" قد لا يكون مستعدا للتخلي عن نتانياهو.
- الثاني: إقامة شراكة مع القوائم العربية أو الحصول على دعم بعضها بعضا، وتحديدا القائمة العربية الموحدة.
أما المتخصص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش، فيطرح خلال حديثه إلى منصة "المشهد" احتمال تشكيل حكومة ضيقة تستند إلى 48 نائباً، مع حياد حزب "يهدوت هتوراة"، والحصول على دعم غير مباشر من القائمتين العربيتين، معتقدا أن هذا الترتيب قد يتيح إبعاد نتانياهو عن الحكم، لكنه لن يكون بمنأى عن تحديات سياسية قد تهدد استمراره.
وبحسب أبو علان، فإن "تماسك معسكر نتانياهو، إلى جانب رفض أيزنكوت التحالف معه أو مع سموتريتش وبن غفير، يقلص هامش المناورة أمامه. لذلك، سيكون عليه الاختيار بين التفاهم مع الأحزاب الدينية، أو الحصول على دعم عربي من خارج الائتلاف، أو التحالف مع القائمة العربية الموحدة، مع ضمان عدم تصويت القائمة المشتركة ضد حكومته".
وفيما يتعلق بالأحزاب الحريدية، يرى أبو غوش أن "استمالة "يهدوت هتوراة" تبدو ممكنة إذا تعهد أيزنكوت بعدم فرض قانون تجنيد حازم يتعارض مع موقف الحزب"، مشيرا إلى أن "دعوة أفيغدور ليبرمان إلى المرونة والبحث عن تسويات تجعل هذا الخيار أكثر واقعية. أما "شاس"، فاستمالته أصعب، لكنه ليس مستحيلا، في ظل العلاقة التي تربط رئيسه أرييه درعي بأيزنكوت".
الدعم العربي
يشكل الموقف العربي عاملاً مؤثراً في حسابات تشكيل الحكومة، سواء من خلال مشاركة القائمة العربية الموحدة في الائتلاف أو الاكتفاء بتقديم دعم من خارجه.
يقول أبو علان إن "الأولوية لدى الأحزاب العربية تتمثل في إنهاء حكم حكومة نتانياهو وسموتريتش وبن غفير"، لافتا إلى أن "الشروط الـ4 التي طرحها أيزنكوت للتعاون مع الأحزاب العربية في حال عدم انضمامها إلى الائتلاف لا تلزم هذه الأحزاب، ما يترك أمامها إمكانية دعم الحكومة من خلال الامتناع عن التصويت، بما يشكل نوعاً من التعاون غير المباشر".
ويضيف أبو علان "أن تصويت القوائم العربية لمصلحة الحكومة قد يرفع عدد الأصوات المؤيدة لها إلى 67، وفقا لحساباته، بالإضافة إلى إمكانية تشكيل حكومة بأغلبية بسيطة، من خلال جمع 48 صوتاً من معسكر التغيير مع المقاعد الـ8 للقائمة العربية المشتركة، ليصل العدد إلى 56 مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتانياهو".
وكان أيزنكوت قد حدد 4 شروط للتعاون الحكومي، هي:
- الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية وقائمة على المساواة.
- الالتزام بمبادئ وثيقة الاستقلال الإسرائيلية باعتبارها مرجعية لقيم الدولة.
- فرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على جميع المواطنين، بما يشمل معالجة قضية إعفاء طلاب المدارس الدينية الحريدية من التجنيد.
- اعتبار حركة "حماس" منظمة إرهابية، والالتزام بتفكيك قدراتها العسكرية والحكومية في قطاع غزة.
لكن أبو غوش لا يرى أن مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة أمر محسوم أو حتى ضروري لقيامها، موضحا أن "القائمة المشتركة لن تشارك، في حين قد تنخرط القائمة العربية الموحدة من خلال عضو يهودي".
الأحزاب الحريدية وملف التجنيد
إلى جانب الخيار العربي، يبقى التفاهم مع الأحزاب الحريدية أحد المسارات التي قد يلجأ إليها أيزنكوت، لكنه يفتح في المقابل ملفاً شائكاً يتعلق بتجنيد طلاب المدارس الدينية.
ويقول أبو علان إن "ضم حزب حريدي أو ديني إلى الائتلاف ليس مستبعداً، لكنه قد يفرض على معسكر التغيير تقديم تنازلات في مسألة تجنيد طلاب المدارس الدينية، والتراجع عن مطلب المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية".
ويتفق أبو غوش مع إمكانية اجتذاب "يهدوت هتوراة"، لافتاً إلى أن "قادة الحزب ومرجعياته الدينية يشعرون بأن نتانياهو خذلهم. وتتمثل أولوياتهم، بحسب أبو غوش، في تجديد الإعفاء من التجنيد، وضمان استمرار الدعم للمؤسسات والمدارس الدينية.
ويضيف أن "الحزب غير صهيوني، ولا يشارك في الحكومات عادة إلا من خلال منصب نائب وزير، ما يجعل موقف أيزنكوت من قانون التجنيد عاملاً حاسماً في أي تفاهم محتمل معه".
ماذا لو فشل أيزنكوت؟
حسابات تشكيل الحكومة لا تتوقف عند الخيارات المتاحة أمام أيزنكوت، وإنما تمتد إلى ما قد يحدث إذا أخفق في جمع الأغلبية اللازمة.
فبين عودة نتانياهو إلى واجهة المشهد، واحتمال التوجه إلى انتخابات جديدة، تبرز سيناريوهات قد تعيد خلط الأوراق السياسية في إسرائيل.
في هذا الإطار يشرح أبو علان أنه "إذا أخفق أيزنكوت في تشكيل الحكومة، فقد تنتقل مهمة التكليف إلى نتانياهو، الذي أعلن تأييده تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تضم الأحزاب الصهيونية".
ويرجّح أبو علان أن "يقود تعثر المفاوضات إلى انتخابات جديدة في مارس المقبل، مع بقاء نتانياهو على رأس حكومة تصريف الأعمال، على الأقل حتى يونيو المقبل".
من جهته، يرى أبو غوش أن "فشل نتانياهو أيضاً قد يدفع الرئيس الإسرائيلي إلى تكليف عضو آخر من الكنيست بتشكيل الحكومة، وفي حال انسداد الطريق أمام جميع المرشحين، تصبح الانتخابات المبكرة السيناريو الأرجح".
ويعتقد أبو غوش أن "العودة إلى صناديق الاقتراع قد تصب في مصلحة نتانياهو، الذي يمتلك قدرة أكبر على إعادة ترتيب صفوف معسكره وتشتيت خصومه، فضلاً عن رهانه على تراجع نسبة المشاركة العربية مقارنة بالانتخابات السابقة".
في المقابل، تظل حكومة الوحدة الوطنية خياراً مطروحاً، وحتى مفضلاً لدى نتانياهو، لكنها قد تشكل ضربة سياسية لقوى التغيير، التي ستجد نفسها أمام خيار صعب إذا طال أمد المفاوضات أو شهدت المنطقة تصعيداً أمنياً، مثل اندلاع حرب مع إيران.
ويستحضر أبو غوش في هذا السياق تجربة بيني غانتس، الذي دخل في اتفاق لتشكيل حكومة تناوب مع نتانياهو، قبل أن يتراجع الأخير عن الاتفاق، ويتجه إلى انتخابات جديدة، في مسار انتهى بانهيار غانتس وحزبه.
وفي جميع السيناريوهات السابقة، تبقى الانتخابات المبكرة احتمالاً قائماً، كما يظل نتانياهو حاضراً في مختلف السيناريوهات.
(المشهد)
