يقدم كتاب جديد، كان قد مُنع نشره سابقاً، لمسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية صورة ساخرة ولاذعة لبرنامج التجسس ذي الغطاء السري العميق التابع للوكالة، واصفاً إياه بأنه يعاني من خلل وظيفي منهجي، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
يُصنَّف الكتاب "مصنع المخلل" الذي كتبه ضابط سابق في الوكالة عمل تحت غطاء غير رسمي، مستخدماً الاسم المستعار "سام آر. أويكن"، على أنه عمل روائي.
تفاصيل واقعية
ورغم طابعه الخيالي في كثير من الأحيان، إلا أنه يتضمن تفاصيل واقعية، وإن كانت مموهة ببراعة، حول الآليات الداخلية لعمليات التجسس التي تديرها الوكالة، وذلك وفقا لمسؤولين سابقين فيها.
يعمل معظم ضباط وكالة الاستخبارات المركزية تحت ما يُعرف بـ "الغطاء الرسمي"، وعادة ما ينتحلون صفة دبلوماسيين أميركيين في الخارج. أما ضباط الغطاء غير الرسمي، الذين غالباً ما ينتحلون صفة رجال أعمال أو استشاريين، فلا تربطهم أي صلات علنية بالحكومة الأميركية، وبالتالي يعملون دون حصانة دبلوماسية.
ونظراً للمخاطر المحتملة لمهامهم والمشاركة السرية لشركات أميركية توفر الغطاء لهؤلاء الضباط، فإن عملياتهم تخضع لسرية تامة وتدقيق صارم داخل الوكالة.
يُعد كتاب "مصنع المخلل"، الذي نُشر في أواخر يوليو ، تتويجاً لما وصفه المؤلف بمعركة استمرت سنوات ضد الرقباء في الوكالة، الذين رفضوا في البداية نشر المخطوطة عام 2014.
قال أويكن في مقابلة صحفية: "لقد أصروا لسنوات بعد أن قدمت مسودة روايتي على أنه لا يمكنني نشر كلمة واحدة؛ وهو ما يُعد انتهاكاً صريحاً للتعديل الأول للدستور [الخاص بحرية التعبير]".
وفي عام 2017، ألغت ميروي بارك، التي كانت تشغل حينها منصب المدير التنفيذي للوكالة، ذلك الحظر الشامل، إلا أن الوكالة حاولت بعد ذلك "تنقيح أكثر من نصف الكتاب، وهو أمر قاومته بشدة، موضعاً تلو الآخر، حتى تراجعوا عن موقفهم"، على حد تعبيره.
بدأت تفاصيل هذه القضية المتعلقة بالكتاب تتسرب إلى العلن عام 2015، حين رفع أويكن، الذي كان يستخدم آنذاك الاسم المستعار "ماك تشارلز" في وثائق المحكمة، دعوى قضائية بقيمة 25 مليون دولار ضد الوكالة أمام المحكمة الجزئية الأميركية في مقاطعة كولومبيا.
وزعم أويكن في دعواه أن مسؤولي الوكالة تآمروا لفصله، وهو الذي خدم في الوكالة لمدة 13 عاماً، بسبب اعتراضهم على علاقته العاطفية بضابطة أخرى تعمل في مهام سرية عميقة، حيث كانا مخطوبين وكانت تصغره بـ20 عاماً.
وفقاً للدعوى المرفوعة عام 2015، فُصل أويكن من الوكالة في ديسمبر 2010، واتهمها بمحاولة منع نشر كتابه كجزء من حملة انتقامية أوسع نطاقاً.
وقد رُفضت دعواه ضد الوكالة لأسباب إجرائية في مارس 2016. ويبدو أن مرور الوقت وتغير قيادة الوكالة قد خففا من حدة المخاوف المحيطة بالكتاب، حيث منحت الوكالة أويكن الموافقة النهائية لنشر روايته "مصنع المخلل" في أوائل عام 2026.
"كارثة حقيقية"
ويُعيد كتاب "مصنع المخلل" إلى الواجهة ما يعتبره العديد من قدامى العاملين في الوكالة فصلاً مؤسفاً في تاريخ برنامج العمليات السرية العميقة التابع لها.
وإلى جانب توجيهه انتقادات لاذعة لعدد من كبار مسؤولي الوكالة السابقين الذين أشرفوا على طاقم العملاء غير الرسميين، والذين جرى تعديل سيرهم الذاتية بشكل طفيف ليصبحوا شخصيات روائية، يسرد الكتاب مساعي الوكالة في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر للحصول على مليارات الدولارات، التي خصصها الكونغرس لتوسيع نطاق برنامج العملاء غير الرسميين بشكل هائل، وربما إعادة توجيه تلك الأموال سراً لأغراض أخرى.
وقد وصف أحد الزملاء السابقين لأويكن، ممن عملوا في مجال العمليات السرية العميقة وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته للحديث بصراحة عن عمليات استخباراتية حساسة، عملية توسيع برنامج العملاء غير الرسميين بعد أحداث 11 سبتمبر بأنها كانت "كارثة" حقيقية.
ورغم أن رواية "مصنع المخلل" تُصنَّف رسمياً كعمل خيالي، إلا أنها تضع وكالة الاستخبارات المركزية في الواقع نصب عينيها بوضوح. وقال أويكن: "يكاد يكون من المستحيل على الغرباء إدراك مدى تدني مستوى الوكالة وتراجع كفاءتها؛ إذ لا يمكن إنصاف هذا الموضوع إلا من خلال عمل روائي متكامل".
(ترجمات)
