بعد تراجع معدلات الإنجاب.. هل تقترب مصر من عائد ديموغرافي جديد؟

آخر تحديث:

شاركنا:
معدلات الإنجاب في مصر تراجعت بشكل ملحوظ (إكس)
هايلايت
  • مصر تقترب من معدل 2.1 طفل لكل سيدة.
  • قرار الإنجاب يرتبط بعوامل تنموية لا طبية فقط.
  • الضغوط الاقتصادية وراء تراجع النمو السكاني. 

لطالما كانت الزيادة السكانية تمثل أحد أكثر المشكلات تعقيدا في مسارات الاقتصاد والتنمية داخل مصر، تبدو اليوم الأرقام الجديدة وكأنها ترسم ملامح فصل مختلف في ملف ظل لعقود من الزمن تحدّيا للحكومات المتعاقبة.

تراجع معدلات الإنجاب في مصر

ووفقا لأحدث نتائج مسح لصحة الأسرة المصرية التي أعلن عنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مؤخرا، فإنّ معدلات الإنجاب في مصر تراجعت بشكل ملحوظ من 2.85 طفل لكل سيدة في عام 2021، إلى 2.33 طفل في 2025، وهو ما يمثل انخفاضا نسبته 18.2%، وأشار التقرير إلى أنّ نسبة السيدات المستخدِمات لوسائل تنظيم الأسرة بكل انواعها المتعددة، بلغت 65%من إجمالي السيدات المتزوجات.

ومن جهته أكد وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار في تصريحات له، أنّ تراجع معدل الإنجاب داخل البلاد، يمثل أحد المؤشرات التي تساعد على قياس ما تحقق خلال السنوات الماضية، مشددا على أهمية مواصلة العمل في مجالات تنظيم الأسرة وتحسين الخصائص السكانية، والاستفادة من نتائج المسح الجديد في تحديد الفجوات الصحية والسكانية وتوجيه التدخلات إليها بصورة أكثر دقة.

تطور مهم

مستشار وزير الصحة المصري لشئون السكان وتنمية الأسرة الدكتور عمرو حسن، أكد في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ انخفاض معدل الإنجاب من 2.85 طفل لكل سيدة عام 2021 إلى 2.33 عام 2025، يعدّ تطورا مهما داخل مسار أوسع بدأ منذ عام 2014 في مصر، مشيرا إلى أنّ الفكرة الأساسية كانت دائما أكبر من مجرد خفض عدد المواليد، وهو كيف نحقق التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي؟ وكيف نحسن خصائص السكان ونستثمر في الإنسان المصري؟

وأشار إلى أنّ الزيادة السكانية ليست في حد ذاتها معيارا لقوة الأمم والشعوب، وإنما تظل العبرة بمستوى التقدم الاقتصادي والتنمية البشرية وإمكانات الإنسان، ومدى قدرته على الإسهام الإيجابي في خدمة مجتمعه، ولذلك فإنّ أهمية رقم 2.33 ليست فقط أنه أقل من 2.85، وإنما أنه يأتي بعد أكثر من عقد أصبحت فيه التنمية والسكان وبناء الإنسان جزءا أساسيا من رؤية الدولة.

أسباب الانخفاض

وحول الأسباب التي أدت إلى تراجع مستويات الإنجاب داخل مصر، يقول حسن، إنه علميا لا يجوز أن ننسب انخفاض معدل الإنجاب إلى عامل واحد، والمسح نفسه لا يستطيع أن يحدد وحده الوزن النسبي لكل سبب، لكن عندما ننظر إلى المشهد منذ عام 2014، نجد أننا أمام أكثر من عقد من تراكم السياسات والمبادرات التي مسّت حياة الأسرة المصرية من أكثر من اتجاه، موضحا أنّ رؤية الدولة لم تحصر قضية السكان والتنمية في تنظيم الأسرة فقط، بل تعاملت معها باعتبارها قضية تنمية كاملة، مبينا أنه في خلال السنوات الماضية، كان هناك اهتمام واضح من القيادة السياسية بقضايا السكان والتنمية، وتجلّى ذلك عبر سلسلة من السياسات والمبادرات في صحة المرأة، والحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة، فضلا عن تطوير الريف، وتحسين الخدمات وجودة الحياة.

وأضاف أنّ قرار الإنجاب هو في جزء كبير منه قرار تنموي، وليس قرارًا طبيًا فقط، فقرار الأسرة بإنجاب طفل لا يتكون داخل عيادة تنظيم الأسرة وحدها، بل يتكون في المدرسة، وفي فرصة المرأة في التعليم والعمل، وفي صحة الأم، وفي مستوى معيشة الأسرة، وفي تطلعات الأب والأم لما يريدان تقديمه لأطفالهما، ولذلك فإنّ انخفاض معدل الإنجاب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نجاح وسيلة طبية واحدة، وإنما في سياق تحول اجتماعي وتنموي أوسع.

المستوى المستهدف

وكانت الحكومة المصرية قد أطلقت الخطة العاجلة للإستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية في يناير 2025، مستهدفة الوصول إلى معدل 2.1 طفل لكل سيدة بنهاية عام 2027، وفي خضم هذا التراجع الملحوظ في معدلات الإنجاب داخل البلاد، برزت تساؤلات تتعلق بمدى قدرة مصر على تحقيق تلك الخطة الإستراتيجية.

وفي هذا السياق يقول مستشار وزير الصحة المصري، إنه من الناحية الرقمية، فإنّ بلاده باتت أقرب من أيّ وقت مضى من تحقيق المستوى المطلوب، حيث إنّ الانتقال من 2.85 إلى 2.33 خلال 4 سنوات تطور مهم، وأصبحت المسافة إلى 2.1 محدودة، لكنه أكد أنّ الإنجاز الأهم هو أنّ الهدف نفسه أصبح أكبر من مجرد الوصول إلى رقم، فرؤية الدولة لقضية السكان والتنمية لم تتوقف عند سؤال: كم طفلًا تنجب الأسرة؟ وإنما امتدت إلى أسئلة أهم، وهو كيف يعيش هذا الطفل؟ وما مستوى صحة أمه؟ وكيف يتعلم؟ وما الفرصة التي سيحصل عليها؟ وكيف يتحول في المستقبل إلى إنسان قادر على العمل والإنتاج والمشاركة في بناء وطنه؟.

ويرى أنّ الوصول إلى 2.1 سيكون محطة مهمة، لكنّ النجاح الحقيقي ليس الوصول إلى هذا الرقم فحسب، بل الوصول إليه مع أسرة أكثر وعيا، وامرأة أكثر صحة وتمكينا، وطفل يحصل على تعليم ورعاية وفرصة أفضل، ومواطن أكثر قدرة على العمل والإنتاج، معتقدا في الوقت نفسه، أنّ قضية السكان والتنمية انتقلت تدريجيا من إدارة الزيادة في العدد إلى الاستثمار في قيمة الإنسان.

أسباب اقتصادية

أما رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية وخبير الاقتصاد الدولي الدكتور رشاد عبده، فقد أوعز تراجع معدلات النمو السكاني في مصر في الآونة الأخيرة إلى جملة من الأسباب الاقتصادية البحتة، وذكر أنّ من أبرزها الآتي:

عزوف الشباب عن الزواج وذلك بسبب عدم القدرة على تكاليفه.

  • ارتفاع معدلات حالات الطلاق.
  • ارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق.
  • الغلاء الشديد بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية.
  • تغيير ثقافة المتزوجين والاكتفاء بطفل أو طفلين فقط بعد أن كانت الأسر تحرص على إنجاب 6 و7 أطفال.

ولفت إلى وجود ما أطلق عليه الترشيد الإجباري لعملية الإنجاب داخل الأسر المصرية، من أجل توفير نفقات المنزل ومتطلبات الحياة اليومية التي تتزايد بوتيرة سريعة.

نعمة أم نقمة؟

وعلى الرغم من أنّ الزيادة السكانية الكبيرة تمثل وبحسب كثيرين عائقا أمام أيّ تنمية، إلا أنّ عبده يختلف كليا مع هذا الرأي، حيث وصف هذه الزيادة "بالثروة البشرية"، التي إذا ما أحسن استخدامها ستتحول إلى قوة منتجة وليست قوّة مستهلكة، مستشهدا بدول مثل الصين وإندونيسيا والهند، حيث تمكنت هذه الدول من توظيف الزيادة السكانية بداخلها، من خلال سياسات اقتصادية وتنموية ناجحة، ما جعلها رافدا للإنتاج الاقتصادي الوفير.

وطالب عبده الحكومة المصرية بتحويل الثروة البشرية الموجودة داخل الدولة إلى طاقات منتجة، وبالتالي ستتحول إلى ميزة مهمة، ومن ثم ستساعد على تحقيق التقدم والتنمية للدولة، مشيرا في الوقت نفسه، أنّ تحقيق هذا الأمر يتطلب الآتي:

  • توظيف السكان بطريقة صحيحة.
  • توفير فرص عمل حقيقة.
  • تحسين مناخ الاستثمار والعمل على جذبه.
  • القضاء على الفساد والبيروقراطية.

مكاسب منتظرة

ومن جهته فقد أثنى المتخصص في الشأن الاقتصادي بجريدة الأهرام المصرية هاني نصر، على الانخفاض الملحوظ الذي خيم على معدلات الإنجاب في مصر، مبينا أنّ هذا الانخفاض من الممكن أن يساهم على المدى المتوسط والطويل في تخفيف الضغوط على الإنفاق العام، حيث إنّ هذا التراجع يحدّ وبلا شك من الضغط التراكمي على موازنة الدولة المخصصة للخدمات الأساسية، خصوصا الدعم السلعي والتعليم والصحة، بما يتيح تحويل جزء أكبر من الموارد نحو رفع جودة الخدمات، بدلا من توجيهها بصورة أساسية لاستيعاب الزيادات العددية.

وأضاف، أنّ من أبرز الإيجابيات الاقتصادية لتراجع معدلات المواليد هو انخفاض نسبة الإعالة، فكلما انخفضت نسبة المعالين، ارتفعت القدرة المحتملة للأسر والاقتصاد القومي على الادخار، وهو ما يدعم قنوات الاستثمار المحلي، ويمنح الاقتصاد مساحة أكبر للاستفادة من التغير في هيكل السكان. 

(المشهد - مصر)