تعيش ليبيا اليوم على أعقاب أعنف كارثة طبيعية تحلّ بها منذ عقود، والتي خلّفت خسائر بشرية ومادية صادمة.
وتعود الأسباب الأساسية في تضرر المدن الشرقية الساحلية للبلاد، إلى انفجار السدّين الرئيسين في مدينة درنة.
وتعرضت درنة والمدن المجاورة إلى الغرق والتضرر بالكامل، على إثر عدم قدرة السدّ الرئيسيّ على تحمّل كميات الأمطار التي فاضت بها عاصفة دانيال على المنطقة.
وكان انفجار سدّ البلاد وسدّ سيدي بومنصور بدرنة، قد أدى إلى كارثة أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 مواطن، وجرف المنازل والعمارات الموجودة على جنب الوادي.
وأعلنت حكومة الاستقرار واللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة في ليبيا، "درنة" مدينة منكوبة بعد تعرّضها لسيول وأمطار جارفة أضرت بالمدينة وسكانها، بالإضافة إلى تضرر كلّ من مدينة درنة وبنغازي، والبيضاء، والمرج، وسوسة.
ويحذّر متخصصون من تكرار حادثة سدّي وادي درنة مع بقية السدود في البلاد، وخصوصا المتمركزة بالمنطقة الشرقية.
ويكشف مهندس لمنصة "المشهد"، أنّ أحد أكبر السدود ببنغازي يُعتبر "قنبلة موقوتة" لما يُحتمل أن يتسبب به من أضرار في حالة خروجه عن السيطرة.
خريطة سدود ليبيا المتهالكة
تمتلك ليبيا 16 سدًا مائيًا موزعة على مدن مختلفة، تعاني غياب عمليات الصيانة، ولا تُستثمر فيها المخصّصات المالية اللازمة لعمليات مراقبة الأنابيب المياه والشبكات المرتبطة بالسدود.
كما تعاني سدود عدة مشكلات فنية، بسبب الصدوع أو الفوالق الصخرية، وتعاني مشاكل إهدار المياه وعدم القدرة على الحجز بالشكل المرتقب.
ويحتوي حوض وادي درنة، بمساحة 570 كلم، على سدّين وهما سدّ البلاد وسدّ سيدي بو منصور، اللذان انهارا خلال الكارثة، وتمركزا في الجزء السفلي للحوض.
وتتعدد السدود في المنطقة الشرقية، ومنها سدّ وادي مرقس وهو حوض متفرع من حوض وادي درنة، وسدّ غرب مدينة برسس ويدعى سدّ وادي زازا، الذي تمّ تنفيسُه مؤخرا بعد الكارثة وتمت السيطرة عليه نسبيًا.
أما سدّ وادي القطارة، فهو أكبر سدّ في المنطقة الشرقية بمساحة 1600 كلم مربع، ويتفرع لسدّ رئيسي وآخر ثانويّ مساعد.
يقول السيد ونيس بن طاهر خبير في السدود ودكتور بقسم الهندسة المدنية تخصص الهيدروليكا والموارد المائية، لـ"المشهد"، إنه تم طرح مقترحات وتوصيات سابقة من خلال الهيئة العامة للمياه، بإقامة سدّ ثالث في وادي درنة للتخفيف على السدين المنفجرين، "ولكن للأسف لم يتمّ هذا المخطط وانتهت بنا الوضعيّة على هذه الحالة".
ويضيف الخبير أنّه "لا قدّر الله إذا انفجر سدّ وادي القطارة ببنغازي، سنتعرض إلى الكارثة نفسها الحاصلة في درنة وستكون أسوأ بكثير".
ويشدد المتحدث على أنه من المفروض من الناحية العلمية أن يقوم الخبراء بفحص السدود وصيانتها دوريا، ومراقبة مناسيب المياه في الحوض، وقياس التسرب وتحديد الأضرار بعد كل نهاية فيضان أو عاصفة مطرية.
وأشار المتحدث إلى أنّ جانب الصيانة الدورية مهمل على الإطلاق في ليبيا منذ السبعينيات.
وكانت قد كشفت تقارير صادرة عن مبادرة إحياء ليبيا، عن أنّ البنية التحتية الحالية غير ملائمة لتوفير الأساسيات.
وأشارت الدراسة نفسها إلى أنّ الإنفاق في ليبيا يرتكز بصورة رئيسية على مناطق حضرية منتقاة، مع نقصٍ واضح في سائر المناطق الحضرية والمناطق الريفيّة الأخرى.
سدود ليبيا بعد إعصار دانيال
يؤكّد المهندس والدكتور صالح المنفي لـ"المشهد"، أنّ السدّين الخطرين الموجودين حاليا في ليبيا، يوجدان في منطقة بنغازي، نحو 300 كلم غرب درنة.
ويحذّر المنفي أنّ "هذه السدود قادرة أن تغمر مدينة بنغازي بالكامل إذا انفجرت".
ويشير المتحدث بأنّ المنطقة قد تجنّبت الكارثة، لأنها لم تتعرض إلى هطولات كبيرة في الفترة الماضية، مواصلًا: "اليوم نحن أمام فصل الشتاء ويفصلنا ما يقارب 25 يوما عن الهطولات القادمة، وإذا تعرضت هذه السدود الى تساقطات كبيرة أو منخفض جوي مفاجئ، ستصبح قنابل موقوتة".
وكان سدّا درنة قد تعرّضا إلى هطولات متواصلة تفوق 400 ملم على امتداد 6 أو 8 ساعات، ما أدى إلى انفجارها بسبب فيضان المياه وتجمّع الأمطار خلف السدود.
ويحذّر المهندس من سدّ وادي زازا بمنطقة برسس شرق بنغازي، وسدّ وادي القطارة جنوب بنغازي، ويُبدى تخوّفه من لحاق الضرر بهما قريبا، وأفاد قائلًا: "إذا تعرضت للكميات نفسها لكانت انفجرت وضاعفت الكارثة.
فيضانات ليبيا كارثة بحجم مضاعف
ويرى مراقبون بأنّ هناك عنصرين أساسيّين يقفان وراء كارثة درنة، وهي تقابل العوامل الطبيعية العنيفة، مع البنية التحتية المهترئة.
وبسؤال الخبراء عما إذا كانت البنية التحتية ومنظمة تصريف المياه تتحمّلان أيّ كارثة طبيعية محتملة في المستقبل؟
يجيب المهندس صالح المنفي قائلا: "إنّ الوضع سيكون كارثيًا إذا تعرضت أجسام السدود إلى هطول عنيف".
ويوضح المتحدّث بأنّ شرق ليبيا يفتقر إلى الطرقات المزدوجة، "وهذا في حدّ ذاته كارثة، وحالة الطرق قديمة متهالكة وغير صالحة للسفر، وأغلبها يعود تاريخ تأسيسها للاحتلال الإيطاليّ وبداية الثمانينيات والسبعينيات"، مشيرا إلى أنّ عدد السكان المحدود هو ما حافظ على الطرقات إلى الآن.
وبالخصوص يرى المهندس في دراسة أولية لمخطط الإنقاذ في حالة حصول كارثة في مناطق جديدة بالشرق، يرى أنّ الطرقات لن تسمح بنجاح عمليات الإنقاذ والتدخل السريع، كما أنّ البنى التحتية المتهالكة سترفع من حجم الضرر.
كما يعتبر المهندس، أنّ "ليبيا أمام العالم دولة غنيّة، ولكن في الداخل خصوصا في الشرق، هي دولة فقيرة بسبب سياسات السطو على المال العام من قبل المسيطرين على السلطة، والحكومات التي لا تهتمّ ببناء البلاد سواء في حالة الحرب أو السلم.
(المشهد)