كيف قرأ أكراد سوريا نتائج اجتماع أستانة؟

شاركنا:
دمشق تتهم فريقا من الأكراد باستغلال الاضطرابات في البلاد لإقامة كيان انفصالي (رويترز)
هايلايت
  • لهجةٌ تصعيديّة من قبل دمشق بالتزامن مع البيان الختامي لأستانة الذي استهدف الإدارة الذاتيّة.
  • مسؤول في الإدارة الذاتيّة: دمشق لا تزال تفكر بعقليّة ما قبل الأزمة السورية.
  • فشل حوار بين دمشق و الإدارة الذاتيّة في الفترة الأخيرة.

مع انتهاء مسار أستانة، برز ملفّ شمال وشرق سوريا في المقدّمة كأحد معضلات الأزمة السوريّة، في وقت تطالب فيه "الإدارة الذاتيّة" المعلنة من طرفٍ واحد في المنطقة بالاعتراف بهيكليّتها دستوريًّا، تعتبر الجهات المشاركة في اجتماعات أستانة وعلى رأسها دمشق أنّ فريقًا من الأكراد استغلّ الاضطرابات في البلاد لإقامة كيان انفصالي بالتعاون مع الجهات الخارجيّة، ولا سيّما الولايات المتّحدة، في انتهاكٍ لوحدة وسيادة الأراضي السوريّة.

تعتبر منطقة شرق الفرات عمومًا، أغنى المناطق السوريّة، فهي تحتضن أكثر من ثلثي حقول النفط والغاز في سوريا، بالإضافة إلى الثروات الباطنيّة الأخرى، كما تشكّل السلّة الغذائيّة للسوريّين لغناها بالأراضي الزراعية الخصبة، ما يزيد من تعقيدات المشهد، حيث ترى دمشق أنّ السيطرة الأميركيّة على هذه المصادر تحرمها من القدرة الاقتصاديّة على ترميم جراح الحرب بالدرجة الأولى والزلزال لاحقًا.

على الرّغم من أنّ ملف شرق الفرات، بمسمّياته المختلفة، كان حاضرًا في أغلب البيانات الختاميّة لاجتماعات أستانة وسوتشي لحلّ الأزمة السوريّة، إلا أنّ البيان الختاميّ للجولة الأخيرة من أستانة استهدف المنطقة بشكل غير مسبوق، مشيرًا إلى الكيانات المسيطرة عليها باتّهامات الإرهاب والسعي للانفصال.

وبالمثل، فقد صعّد المسؤولون السوريّون من تصريحاتهم ضدّ الإدارة الذاتيّة، وكان أبرزها تصريح معاون وزير الخارجيّة السوري أيمن سوسان المفاوض في أستانة ممثّلًا لدمشق، حين قال إنّ "أصحاب المشروع الانفصالي شمال شرقي سوريا ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أداة للمشروع الأميركيّ لضرب وحدة سوريا".

واعتبر سوسان أنّ "هذا المشروع لا نصيبَ له من النجاح لأنّه مرفوض من السوريّين ومرفوض من الدولة، والوقائع تؤكد ذلك"، لافتًا إلى أنّهم لا يساوون شيئًا من دون الوجود الأميركيّ".

تصعيدٌ غير مسبوق

وحول البيان الختامي الذي صدر عن جولة أستانة لـ 20 قال عضو الهيئة الإداريّة في دائرة العلاقات الخارجيّة في الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا خالد إبراهيم في حديث خاصّ إلى منصّة "المشهد" إن " لم نرَ تصريحات المسؤولين السوريّين تغيّرت بعد الاجتماع، المنسجمة مع تصريحاتٍ روسيّة قبيل انعقاد أستانة، وهي تصريحات بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة والواقع، وتصل إلى حدّ النفاق والمشكوك فيها من حيث المنحى والهدف، والتي لا تصبّ أبدًا في مصلحة الشعب السوريّ ومستقبله، ولا تساعد بأيّ شكلٍ من الأشكال في مساعي الحلّ السوريّ، بل تزيده تعقيدًا، وتخلق شرخًا مجتمعيًّا بين أبناء سوريا الواحدة، وكذلك ينمّ عن بثّ الفتن والقلاقل في المنطقة".

وبرأي إبراهيم إنّ هذه التصريحات من قبل دمشق "تنسجم مع تصريحات تركيا المحتلّة للأراضي السوريّة، وقد تصل إلى مجاراتها في ممارسة النهج العدائيّ لشعوب المنطقة، وهذا إن دلّ على شيء يدلّ على وجود تفاهماتٍ بين الدولة السوريّة والطبقة الحاكمة في تركيا، والتي لها اليد الطولى فيما وصلت إليه سوريا بشعوبها ومكوّناتها من قتل وتهجير وفقدان واحتلال ".

ويرى إبراهيم أنّ "ما بنيت عليه الإدارة الذاتيّة من مبادئ حقوقيّة وإنسانيّة ومجتمعيّة كأرضيّة ومناخٍ يمكن البناء عليه وتطويره في سياقات الحلّ السوري-السوري، وهي جزءٌ لا يتجزّأ من جغرافيّة سوريا بحدودها السياسيّة والسياديّة، وعليه تبقى كلّ المجالات والقطاعات قابلة للنقاش والحوار بما يخدم وحدة سوريا ومستقبل مكوّنات الشعب السوري، إلا أنّ الدولة السوريّة لا تزال تفكّر بعقليّة ما قبل الأزمة السوريّة، وقد يكون لفرقاء الأزمة السوريّة أثر ودور على ما تعانيه دمشق في مجال الحوار مع الإدارة الذاتيّة، والتي نراها لا تصبّ في صالح سوريا وشعبها".

دمج قسد بالجيش السوري

منذ أسابيع، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مصادر كرديّة قولها إنّ مبادرة تحاول إقناع الأكراد بـ "دمج قوّات سوريا الديمقراطيّة في الجيش السوريّ".

ممّا لا شكّ فيه أنّ تركيا ترفض مثل هذه الخطوات، في وقت تعتبر فيه الأكراد بمثابة العدوّ الأول للجمهوريّة التركيّة الذي يهدّد أمنها القوميّ، وتعمل على محاربتهم منذ تسعينيّات القرن الماضي، وليس ذلك فحسب، بل زجّت القيادات الكرديّة بالسجن، وضيّقت على الأكراد في الداخل التركيّ بالمجالات كافّة.

اليوم في ظلّ انسجام الموقف السوريّ التركيّ تجاه الأكراد، و الذي ظهر في البيان الختاميّ لأستانة، وأيضا تزامن مع لهجة تصعيديّة من قبل دمشق، من المستبعد أن يكون هناك مشروع لدمج قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد) في الجيش السوريّ على المدى المنظور.

وفي هذا الإطار شرح إبراهيم أنّ "قسد كقوّةٍ عسكريّة مؤلّفةٍ من أبناء المنطقة، وخاضت حروبًا لحماية شعوب ومكوّنات المنطقة وحدود سوريا الجغرافيّة، ودحرت الإرهاب الدوليّ، وقدّمت أكثر من 15 ألف شهيد وأكثر من 25 ألف جريح في سبيل ذلك، وهي قوّة عسكريّة عقائديّة وطنيّة سوريّة ترى في نفسها نواةً لمنظومةٍ دفاعيّةٍ تحمي وتدافع عن الجغرافيا السوريّة وشعوبها، وتسعى لأن تكون جزءًا من الجيش السوريّ في المستقبل بعد الوصول مع دمشق إلى حلولٍ سياسيّة".

وحول دور واشنطن في أيّ توافقاتٍ بين دمشق الأكراد، أشار إبراهيم إلى أنّ "دخول واشنطن مع التحالف الدوليّ على خطّ الأزمة السوريّة جاء بقرار دوليّ لمحاربة الإرهاب في سوريا، التي تقاطعت مصلحتها مع مصلحة أبناء المنطقة، والمتمثّل بقوّات سوريا الديمقراطيّة في محاربة الإرهاب ومازالت هذه المصلحة المشتركة موجودة للقضاء على داعش نهائيًّا، وقد يكون لها رؤًى سياسيّة خاصّة بها، لكن في النهاية نعتقد أنّ الولايات المتّحدة ومعها التحالف يجب أن يكونوا مع ما قد يتّفق عليه السوريّون من أجل مستقبل سوريا والمنطقة عمومًا" .

مبادرات كرديّة

قبل أيّام قالت مصادر كرديّة سوريّة إنّ حوارًا بين دمشق وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ (PYD)، أبرز أحزاب الإدارة الذاتية، "فشل" و"توقّف بشكلٍ نهائيّ"، مؤكدًا أنّ "الجانب الروسيّ لم يولِ أيّ اهتمامٍ بمقترحات PYD ولم يقم بدوره كوسيط بين الجانبين".

على أثر ذلك، نفى المكتب الإعلامي للاتّحاد الديمقراطي في بيان وجود أيّ حوار حاليًّا مع دمشق مشيرًا إلى أنّ هذه الأنباء "تندرج ضمن سلسلة الحرب الخاصّة التي تستهدف مكتسبات شعبنا في مناطق الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا"، وفق البيان.

وقبل ذلك بفترةٍ قليلة، أبدت الإدارة الذاتيّة استعدادها للقاء الحكومة السوريّة بهدف التوصّل الى حلٍّ للأزمة في البلاد، وذلك بعد الانفتاح العربي تجاه دمشق ومساعي إعادتها إلى جامعة الدول العربية، وقالت الإدارة الذاتيّة في بيان "نؤكّد استعدادنا للقاء الحكومة السوريّة والحوار معها ومع جميع الأطراف السوريّة من أجل التشاور والتباحث لتقديم مبادرات وإيجاد حلٍّ للأزمة السورية".

تعليقًا على الحوار الأخير بين دمشق والأكراد، بين المسؤول في الإدارة الذاتيّة إبراهيم إنّ "المبادرة ليست كرديّة، وليست لإصلاح العلاقة مع دمشق، بل هي مبادرة الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا لحلّ الازمة السوريّة، وهي كانت موجّهةً للمجتمع الدوليّ وفرقاء الأزمة السوريّة ومن بينهم دمشق، والمعارضة الوطنيّة الديمقراطيّة التي لم تلطّخ يدها بدماء السوريين، وهي مبادرةٌ وطنيّة سوريّة تشمل جوانب عدّة ومهمّة بمثابة خارطة طريق لحلّ الازمة السوريّة، أساسها الحوار الجادّ والوطنيّ على طاولة سورية".

(المشهد)